اتصل بنا
 

كيف انطلت الخديعة الأمريكية على حائك السجاد؟

إعلامي سوري

نيسان ـ نشر في 2026-03-14 الساعة 14:13

نيسان ـ لا شك أن عالم المستقبليات الأمريكي جورج فريدمان القادم من وكالة الاستخبارات الأمريكية كان يعي ما يقول عندما أعلن في بداية هذا القرن قبل حوالي ستة وعشرين عاماً أن أهم تحالف في المنطقة سيكون التحالف الإيراني الأمريكي الإسرائيلي. لم يتحدث الكاتب كثيراً عن مآلات التحالف وتفاصيله وقتها، لكن ما نذكره جيداً أنه أطلق تلك النبوءة التي أثارت وقتها الكثير من اللغط والجدل لأنها بدت آنذاك غريبة ولا يمكن تصديقها بناء على المواقف الإيرانية المعادية للشيطان الأكبر وشركاه. لكن ليس مهماً طبعاً إذا كان ذلك الاتفاق مكتوباً أو معلناً أبداً، فليس المهم الإعلان، بل الأهم ما بدأنا نراه في ذلك الوقت على الأرض. ففي عام ألفين وثلاثة لم يتردد نائب الرئيس الإيراني آنذاك محمد علي أبطحي في التصريح بأنه لولا الخدمات الإيرانية لما نجحت أمريكا في غزو أفغانستان والعراق. ولا يمكن لأحد أن ينفي ذلك التصريح الشهير.
ولو تركنا التصريح جانباً ونظرنا إلى أرض الواقع لوجدنا أن التشارك بين واشنطن وطهران في تقاسم العراق كان فاقعاً للغاية بعد التواطؤ في إسقاط نظام صدام حسين ومن ثم إعدامه على أيدي عملاء إيران في يوم عيد الأضحى المبارك بمباركة أمريكية. وكلنا يذكر كيف سلمت أمريكا مقاليد الحكم لأتباع إيران وحلفائها من الأحزاب الشيعية لتصبح طهران منذ ذلك الحين الآمر الناهي في الشأن العراقي. وقد لاحظنا كيف تطورت الأوضاع في العراق تحت الهيمنة الإيرانية المدعومة والمباركة أمريكياً. ولا نحتاج للكثير من الأدلة والبراهين على الشراكة الأمريكية الإيرانية في العراق. يكفي أن قاسم سليماني كان يقاتل في العراق ذات تحت حماية الطائرات الامريكية ذات يوم.
وفي سوريا لم يكن لإيران والعشرات من ميليشياتها أن تدخل سوريا لتناصر النظام السوري وتستولي على سوريا لولا الضوء الأخضر الأمريكي الإسرائيلي. ومن المعروف للجميع أن إسرائيل لا يمكن أن تسمح حتى للطيور أن تدخل سوريا إذا كانت تعلم أنها يمكن أن تهدد أمنها، فما بالك أن تسمح لكل ميليشيات إيران المتطرفة بأن تصول وتجول في عموم سوريا وتفعل ما تشاء، لا بل إن بعضها وصل إلى الحدود السورية الإسرائيلية، وكان قاسم سليماني قائد فيلق القدس يتفاخر بأنه شرب الشاي أكثر من مرة على مقربة من بحيرة طبريا السورية المحتلة إسرائيلياً. لا يمكن طبعاً لسليماني وميليشياته أن تصل إلى تلك المنطقة الحساسة جداً لو لم تكن إسرائيل راضية ومطمئنة. وحتى حزب الله اللبناني الذي كانت تعتبره إسرائيل ألد أعدائها دخل سوريا وفعل الأفاعيل دون أن نسمع من إسرائيل أية معارضة. والسبب طبعاً معروف، فلا بأس أن تدخل إيران وميليشياتها إلى سوريا وتعيث فساداً وخراباً ودماراً وفوضى وتحريضاً مذهبياً طالما أن ذلك يخدم المصلحة الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ “فرق تسد” وضرب الطوائف والمكونات والمذاهب بعضها ببعض. وقد أدت الميليشيات الإيرانية الدور على ما ترغب إسرائيل وأكثر في العراق وسوريا ولبنان.
التشارك بين واشنطن وطهران في تقاسم العراق كان فاقعاً للغاية بعد التواطؤ في إسقاط نظام صدام حسين
ولطالما سمعنا المسؤولين الإيرانيين وهم يتباهون بأنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية، ولم يكن ذلك ليحدث لو لم تكن واشنطن راضية عن هذا التغلغل الإسرائيلي في المنطقة الذي يخدم المصلحتين الإسرائيلية والأمريكية.
بعبارة أخرى، فإن أمريكا وإسرائيل استخدمتا النظام الإيراني وميليشياته طائفياً ومذهبياً كمخلب قط ضد الأكثرية السنية في العالم العربي لحوالي عقدين ونصف، فعاث الإيرانيون إجراماً وقتلاً وذبحاً وتدميراً وتخريباً وفساداً وتهجيراً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكانوا يحلمون دائماً بتوسيع دائرة التشييع والتخريب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فظن نظام الملالي وميليشياته أنهم صاروا مع الأمريكيين والإسرائيليين حلفاء، بينما كانت أمريكا تستخدم النظام الإيراني وعصاباته لضرب العالم الإسلامي بعضه ببعض فقط لا غير كي يسهل اختراقه وإضعافه وتدميره وتفتيته بأيد إسلامية. هل خطر ببال النخب الحاكمة في طهران ذات يوم أنها كانت مجرد أدوات وعصابات استخدمها الأمريكي والاسرائيلي لعبور المستنقعات القذرة وتخريب المنطقة، ومن ثم سيلاحقها ويشيطنها ويقضي عليها مثلما فعل مع كل أدواته التقليدية كالجهاديين مثل الدواعش وأشباههم؟
لا أدري لماذا لم تتعلم إيران من تجربة الجهاديين مع أمريكا. لماذا لم تتذكر مثلاً أن الرئيس الامريكي رونالد ريغان استقبل المجاهدين الأفغان والعرب في البيت الأبيض ذات يوم ووصفهم بمقاتلين من أجل الحرية، ثم انقلب الأمريكيون عليهم بعد أن انتهت مهمتهم، ولاحقوهم في كل بقاع الأرض كإرهابيين، ووضعوا بعضهم في معسكر غوانتانامو سيئ الصيت، فقام المجاهدون سابقاً والإرهابيون حالياً بالمفهوم الأمريكي بدورهم بالانقلاب على الامريكي. واليوم تنقلب أمريكا على إيران بنفس الطريقة بعد تحالف غير مباشر لأكثر من عشرين عاماً.
قد يرى البعض أنه من التبسيط مقارنة الدور الذي لعبته إيران لصالح أمريكا بالدور الذي لعبه المجاهدون الأفغان والعرب في أفغانستان. لكن أليست العبرة بالخواتيم؟ ألم تنقلب أمريكا على إيران كما انقلبت على المجاهدين بعد أن أدوا دورهم وانتهت وظيفتهم وصار خطرهم أكبر من نفعهم؟
بالتأكيد لا نريد هنا أن نقول إن التجربتين الجهادية والإيرانية نسخة طبق الأصل عن بعضهما. لا أبداً، فإيران ليست مجرد جماعات ساذجة متفرقة، بل كان لها مشروع حقيقي في المنطقة. ولا يمكن أيضاً مقارنة القوة الجهادية بقوة إيران التي تواجه اليوم أعتى قوتين بالمعمورة بطريقة لم يسبقها عليها أحد في العالم. بعبارة أخرى، فإن الانقلاب الأمريكي على إيران له عواقب وخيمة كبرى على أمريكا والمنطقة وربما العالم أجمع. مع ذلك أليس من حقنا أن نسأل: كيف انطلت اللعبة الأمريكية على حائك السجاد الإيراني؟

نيسان ـ نشر في 2026-03-14 الساعة 14:13


رأي: د. فيصل القاسم إعلامي سوري

الكلمات الأكثر بحثاً