مخاوف متزايدة من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على ذوي المهارات العالية
نيسان ـ نشر في 2026-03-17 الساعة 14:09
نيسان ـ تعزز الأبحاث الحديثة التفاؤل بشأن إمكانات الذكاء الاصطناعي، ففي دراسة واسعة النطاق أُجريت على مراكز الاتصالات، أظهرت النتائج أن استخدام مساعد الذكاء الاصطناعي حسّن بشكل ملحوظ قدرة الموظفين على حل المشكلات، مع تسجيل أكبر المكاسب بين الموظفين الجدد. كما وجدت أبحاث أخرى حول أدوات البرمجة أن الذكاء الاصطناعي ساعد المستخدمين، وخاصة المطورين المبتدئين، على إنجاز المهام بشكل أسرع.
لكنّ ثمّة جانباً آخر مهماً للغاية، فأنظمة الذكاء الاصطناعي لا تولّد قدراتها من العدم. وفي حالة مركز الاتصال، على سبيل المثال، تم تدريب النموذج على نصوص محادثات منتقاة لأفضل الموظفين، ما مكّنه من محاكاة طريقة طرحهم للأسئلة، وإدارتهم للضغوط، وحلهم للمشكلات. من خلال رقمنة الخبرات، تستطيع الشركات تطوير مهارات الأفراد، ما يسمح للموظفين الجدد، حتى بعد مغادرة الخبير، بأداء مهامهم بكفاءة مماثلة للموظفين ذوي الخبرة الطويلة.
لكن بالنسبة للعاملين الذين أسهم أداؤهم في تدريب هذه الأنظمة، ينطوي هذا التحول على مخاطر حقيقية لهم، فمساهماتهم ترفع الإنتاجية وتعزز المؤسسة، لكن بمجرد ترميز خبراتهم في البرمجيات، فإنها لم تعد ملكاً لهم، وغالباً لا يحصلون على أجر إضافي مقابل تقديمها.
لا يقتصر هذا الأمر على مراكز الاتصال فقط، ففي مختلف المهن ينتج العمل اليومي آثاراً رقمية غنية يمكن استخدامها كبيانات تدريب للأنظمة المصممة لأداء المهمة نفسها. وحتى الصناعات الإبداعية تستفيد من أرشيف الأعمال السابقة لتوجيه أدوات توليد البيانات. مع تزايد رقمنة العمل، تُستخدم النواتج الثانوية مدخلات لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. ويثير ذلك تساؤلاً أعمق: ماذا يحدث عندما تتحول الخبرة البشرية إلى بيانات تدريب؟
تاريخياً، ارتبط الأمن الاقتصادي بندرة المهارات. ويستثمر البشر بكثافة في التعليم والتدريب أثناء العمل لاكتساب قدرات نادرة يصعب تكرارها. هذه الندرة هي التي تضمن أجوراً أعلى وقوة تفاوضية أكبر، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يغير هذا المنطق، فعندما تستطيع الأنظمة استيعاب آلاف التفاعلات، واكتشاف الأنماط، والتعميم على نطاق واسع، يُمكن تقنين حكم أفضل الموظفين ونشره بسرعة تفوق بكثير ما كان يسمح به النقل البشري. ويمكن أن يؤدي انتشار المعرفة إلى تكافؤ الفرص، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تآكل الندرة التي كانت تضفي قيمة على تلك المعرفة.
إذن ما الذي ينبغي على الخريجين الذين يدخلون سوق العمل الجديد فعله لتعظيم قيمة خبراتهم؟
أولاً: إعادة النظر في الإنتاجية. لطالما توقع الموظفون الحصول على أجر مقابل عملهم، سواءً أكان ذلك كتابة تقرير أو التعامل مع عميل. مع ذلك، في عالم تُعدّ فيه سجلات العمل بحد ذاتها قيّمة، يحتاج العاملون إلى التفكير بشكل أوسع في إنتاجيتهم، فإذا كان عملهم يسهم في تدريب نموذج يفيد الشركة، فعليهم السعي للحصول على التقدير، والحصول على أجر كلما أمكن ذلك. وبشكل عام، ينبغي على العاملين التفكير ملياً في مقدار المعلومات التي يشاركونها مع أصحاب العمل حول سير عملهم، فإذا كان تدريب الذكاء الاصطناعي يُحتمل أن يُضعف موقفهم، فقد يكون من المهم التقليل من مشاركة هذه المعلومات؛ أما إذا كان يعزز دورهم أو أجرهم، فقد يكون من المجدي مشاركة المزيد.
ثانياً: إعادة النظر في مفهوم المنافسة. يفترض الكثير من العاملين في مجال المعرفة، أولئك الذين يضيفون قيمة من خلال تطبيق خبراتهم، أنهم أكثر تميزاً مما هم عليه في الواقع. قد لا يتجاوز عدد الأشخاص ذوي المهارات المماثلة في شركة أو منطقة ما أصابع اليد، لكن البيانات تشكل سوقاً للخبرات العالمية، فكل من يستطيع إنتاج مخرجات مماثلة يصبح قادراً على توليد البيانات اللازمة لبناء نموذج ذكاء اصطناعي قادر على القيام بعملك. ويتيح الذكاء الاصطناعي الفرصة للأفراد لتطوير مهاراتهم (وربما الحصول على مقابل مادي لذلك)، لكنه يعرضهم أيضاً لمنافسة جديدة من أماكن جديدة.
أخيراً، لا بد من السعي وراء مزيد في التعاون. لطالما اعتبر الكثير من العاملين في مجال المعرفة وظائفهم فريدة ومجزية، ولذا كانوا أقل ميلاً لدعم النقابات أو غيرها من أشكال العمل الجماعي، فالتركيز فقط على المكاسب المهنية الفردية قد لا يحقق فوائد مستدامة. وفي كل مرة يسهم فيها شخص ما ببيانات لتحسين نموذج الذكاء الاصطناعي، يتحسن هذا النموذج، ليس فقط في أداء وظيفة ذلك الشخص، بل في أداء وظيفة كل من يشغل هذا المنصب، في أي مكان.
لذلك قد ينتهي الأمر بالعاملين إلى التنافس فيما بينهم من خلال تزويد الشركات أو الوسطاء الذين يوظفون أشخاصاً لتدريب الذكاء الاصطناعي على أداء وظائفهم ببيانات زهيدة الثمن. وعندما يحدث ذلك، قد يقوض الأفراد، دون قصد، القدرة التفاوضية للآخرين في مهنتهم. وإذا كان الهدف هو ضمان استفادة العاملين من مكاسب الذكاء الاصطناعي، فقد يكون التنسيق ضرورياً، فمن دونه قد يعزز الأفراد الأنظمة التي تضعف قدرتهم التفاوضية الجماعية.
ما العمل إذن؟ على العاملين التفكير في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير مهاراتهم، سواءً ببناء قدرات تكميلية أو بتوسيع نطاق خبراتهم عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي، في الوقت نفسه، يتعين المطالبة بسياسات تمنح العاملين حقوقاً أوضح على البيانات الناتجة عن عملهم، وتعويضاً عادلاً عنها.
لكنّ ثمّة جانباً آخر مهماً للغاية، فأنظمة الذكاء الاصطناعي لا تولّد قدراتها من العدم. وفي حالة مركز الاتصال، على سبيل المثال، تم تدريب النموذج على نصوص محادثات منتقاة لأفضل الموظفين، ما مكّنه من محاكاة طريقة طرحهم للأسئلة، وإدارتهم للضغوط، وحلهم للمشكلات. من خلال رقمنة الخبرات، تستطيع الشركات تطوير مهارات الأفراد، ما يسمح للموظفين الجدد، حتى بعد مغادرة الخبير، بأداء مهامهم بكفاءة مماثلة للموظفين ذوي الخبرة الطويلة.
لكن بالنسبة للعاملين الذين أسهم أداؤهم في تدريب هذه الأنظمة، ينطوي هذا التحول على مخاطر حقيقية لهم، فمساهماتهم ترفع الإنتاجية وتعزز المؤسسة، لكن بمجرد ترميز خبراتهم في البرمجيات، فإنها لم تعد ملكاً لهم، وغالباً لا يحصلون على أجر إضافي مقابل تقديمها.
لا يقتصر هذا الأمر على مراكز الاتصال فقط، ففي مختلف المهن ينتج العمل اليومي آثاراً رقمية غنية يمكن استخدامها كبيانات تدريب للأنظمة المصممة لأداء المهمة نفسها. وحتى الصناعات الإبداعية تستفيد من أرشيف الأعمال السابقة لتوجيه أدوات توليد البيانات. مع تزايد رقمنة العمل، تُستخدم النواتج الثانوية مدخلات لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. ويثير ذلك تساؤلاً أعمق: ماذا يحدث عندما تتحول الخبرة البشرية إلى بيانات تدريب؟
تاريخياً، ارتبط الأمن الاقتصادي بندرة المهارات. ويستثمر البشر بكثافة في التعليم والتدريب أثناء العمل لاكتساب قدرات نادرة يصعب تكرارها. هذه الندرة هي التي تضمن أجوراً أعلى وقوة تفاوضية أكبر، لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يغير هذا المنطق، فعندما تستطيع الأنظمة استيعاب آلاف التفاعلات، واكتشاف الأنماط، والتعميم على نطاق واسع، يُمكن تقنين حكم أفضل الموظفين ونشره بسرعة تفوق بكثير ما كان يسمح به النقل البشري. ويمكن أن يؤدي انتشار المعرفة إلى تكافؤ الفرص، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تآكل الندرة التي كانت تضفي قيمة على تلك المعرفة.
إذن ما الذي ينبغي على الخريجين الذين يدخلون سوق العمل الجديد فعله لتعظيم قيمة خبراتهم؟
أولاً: إعادة النظر في الإنتاجية. لطالما توقع الموظفون الحصول على أجر مقابل عملهم، سواءً أكان ذلك كتابة تقرير أو التعامل مع عميل. مع ذلك، في عالم تُعدّ فيه سجلات العمل بحد ذاتها قيّمة، يحتاج العاملون إلى التفكير بشكل أوسع في إنتاجيتهم، فإذا كان عملهم يسهم في تدريب نموذج يفيد الشركة، فعليهم السعي للحصول على التقدير، والحصول على أجر كلما أمكن ذلك. وبشكل عام، ينبغي على العاملين التفكير ملياً في مقدار المعلومات التي يشاركونها مع أصحاب العمل حول سير عملهم، فإذا كان تدريب الذكاء الاصطناعي يُحتمل أن يُضعف موقفهم، فقد يكون من المهم التقليل من مشاركة هذه المعلومات؛ أما إذا كان يعزز دورهم أو أجرهم، فقد يكون من المجدي مشاركة المزيد.
ثانياً: إعادة النظر في مفهوم المنافسة. يفترض الكثير من العاملين في مجال المعرفة، أولئك الذين يضيفون قيمة من خلال تطبيق خبراتهم، أنهم أكثر تميزاً مما هم عليه في الواقع. قد لا يتجاوز عدد الأشخاص ذوي المهارات المماثلة في شركة أو منطقة ما أصابع اليد، لكن البيانات تشكل سوقاً للخبرات العالمية، فكل من يستطيع إنتاج مخرجات مماثلة يصبح قادراً على توليد البيانات اللازمة لبناء نموذج ذكاء اصطناعي قادر على القيام بعملك. ويتيح الذكاء الاصطناعي الفرصة للأفراد لتطوير مهاراتهم (وربما الحصول على مقابل مادي لذلك)، لكنه يعرضهم أيضاً لمنافسة جديدة من أماكن جديدة.
أخيراً، لا بد من السعي وراء مزيد في التعاون. لطالما اعتبر الكثير من العاملين في مجال المعرفة وظائفهم فريدة ومجزية، ولذا كانوا أقل ميلاً لدعم النقابات أو غيرها من أشكال العمل الجماعي، فالتركيز فقط على المكاسب المهنية الفردية قد لا يحقق فوائد مستدامة. وفي كل مرة يسهم فيها شخص ما ببيانات لتحسين نموذج الذكاء الاصطناعي، يتحسن هذا النموذج، ليس فقط في أداء وظيفة ذلك الشخص، بل في أداء وظيفة كل من يشغل هذا المنصب، في أي مكان.
لذلك قد ينتهي الأمر بالعاملين إلى التنافس فيما بينهم من خلال تزويد الشركات أو الوسطاء الذين يوظفون أشخاصاً لتدريب الذكاء الاصطناعي على أداء وظائفهم ببيانات زهيدة الثمن. وعندما يحدث ذلك، قد يقوض الأفراد، دون قصد، القدرة التفاوضية للآخرين في مهنتهم. وإذا كان الهدف هو ضمان استفادة العاملين من مكاسب الذكاء الاصطناعي، فقد يكون التنسيق ضرورياً، فمن دونه قد يعزز الأفراد الأنظمة التي تضعف قدرتهم التفاوضية الجماعية.
ما العمل إذن؟ على العاملين التفكير في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير مهاراتهم، سواءً ببناء قدرات تكميلية أو بتوسيع نطاق خبراتهم عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي، في الوقت نفسه، يتعين المطالبة بسياسات تمنح العاملين حقوقاً أوضح على البيانات الناتجة عن عملهم، وتعويضاً عادلاً عنها.


