لماذا لم تعد لإسرائيل القدرة على خوض حرب وحدها؟
نيسان ـ نشر في 2026-03-17 الساعة 14:21
نيسان ـ دخلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأسبوع الثالث، وهي تحمل رسالتين واضحتين وهما: لا يمكن لإسرائيل مستقبلا شن أي حرب لوحدها، ثم تصميم الغرب وأساسا الولايات المتحدة على عرقلة ومنع تطوير العالم العربي والإسلامي، خاصة الشرق الأوسط لصناعة حربية متقدمة.
علاقة بالنتيجة الأولى لهذه الحرب، يوجد معطى أساسي وهو، أن إسرائيل قوة عسكرية كبيرة، غير أنها لم يعد يمكنها شن أي حرب لوحدها. في هذا الصدد، لا يمكن الاعتماد على ممارستها لحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة، أو الضربات التي وجهتها إلى لبنان، أن تخدع الواقع العسكري الحقيقي. يجب رؤية هذه النتيجة على ضوء المقارنة بين مسار الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد العالم العربي ومؤخرا ضد إيران وحزب الله بدرجة ثانية. لقد حققت إسرائيل انتصارات على الجيوش العربية منذ الخمسينيات، خاصة حرب 1967، ويكفي أنها سنة 1967 احتلت سيناء في ظرف خمسة أيام، كما احتلت الجولان في ظرف 36 ساعة، وتقدمت أبعد من الجولان وإلى الجانب الغربي لقناة السويس سنة 1973، وتكبدت خسائر بسبب تقدم الجيش المصري في بعض مناطق سيناء.
هذا الإيقاع الإسرائيلي في الحروب لم يعد ممكنا، وكانت البداية مع حرب تموز 2006 حيث تعرضت إسرائيل لأول مرة لضربات في العمق نسبيا، لم تكن تنتظرها. ويتجلى في وصول أولى الصواريخ إلى تجمعات سكنية داخل الكيان ومنها المستوطنات، بعدما كان ذلك مستحيلا في حروب الماضي باستثناء صواريخ صدام حسين في حرب 1991. ومقارنة بين الأمس واليوم في الحرب التي تخوضها إسرائيل، سنجد أنها لم تعد تمتلك القوة لاحتلال جيرانها، فهي بالكاد تقدمت بضع مئات من الأمتار جنوب لبنان، بسبب القوة النارية التي يواجهها بها مقاتلو حزب الله. كما أن مواطنيها، الذين كانوا إبان الحروب في مواجهة جيوش النظامية العربية، في منأى عن القصف، أصبحوا الآن ملزمين بالملاجئ بشكل يومي عند اندلاع كل نزاع عسكري، خاصة في الحرب الحالية. وتعوض هذه الخسارة في التفوق بممارسة حرب القرون الوسطى التي تعني القتل والتدمير لزرع الرعب في صفوف من تعتبرهم العدو حتى لا يتجرأ مستقبلا على حمل السلاح. هذا المعطى الجديد يدفعنا إلى قراءة مختلفة للمشهد، مفادها، أن أحلام إسرائيل الممتدة «من النهر إلى النهر» قد وصلت إلى نهايتها، لأنها لم تعد قادرة على خوض أي حرب بمفردها. فلو تخيّلنا مثلا مواجهة ضد حماس وحزب الله من دون دعم غربي، ولاسيما الدعم الأمريكي، فهل كانت ستتمكن من تحقيق هذه النتائج؟ ثم هل كانت ستصمد أمام الصواريخ الإيرانية في حرب يونيو، والحرب الحالية من دون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة التي تقود الحرب؟ يبدو أن الإجابة هي أنها كانت قد تصمد إلى حدٍّ ما، لكن بثمن باهظ وخسائر فادحة وكبيرة.
إيران ودول أخرى مثل تركيا تتقدم في صناعة أنظمة دفاع جوي متطورة في ظرف سنوات. وهذا كابوس خطير لأنه يعني استقلالية القرار العسكري والحربي وما يترتب عنه من نفوذ في العلاقات الدولية
خلال حرب قطاع غزة، استقبلت إسرائيل أكثر من 400 رحلة طيران من الولايات المتحدة لنقل الأسلحة، والعشرات من ألمانيا ودول أوروبية أخرى مقابل صواريخ وقنابل مصنوعة محليا من طرف حماس. وعلاقة بالنتيجة الثانية، تتناسل التصريحات في مختلف البرامج الإعلامية في قنوات عربية وغربية مفادها، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل هذه الحرب دون هدف واضح، لاسيما وأنه كان ضد الحروب التي خاضها أسلافه الذين سبقوه في البيت الأبيض. هناك هدف اقتصادي وآخر سياسي- ديني. يريد البيت الأبيض التحكم في النفط الإيراني للتحكم في الأسعار دوليا، للتأثير في اقتصاديات دول مثل الصين التي تنافس واشنطن الريادة على العالم. ثم إن معرفة المسؤولين في البيت الأبيض والتحالف مع إسرائيل، يكشف أنهم يؤمنون بروايات دينية متطرفة من التوراة، كما يؤمنون بسمو الإنسان اليهودي والمسيحي الأبيض على الباقي. ويكفي سماع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيت وكذلك وزراء في حكومة إسرائيل الحالية حول ربطها الأحداث الحربية الحالية بعودة المخلص، وترديد نتنياهو هذه الروايات.
إن الهدف الرئيسي للحرب هو منع توفر أي دولة عربية أو إسلامية تمتلك صناعة عسكرية متطورة. لنتساءل: لماذا جرى الضغط على إيران في الملف النووي ولاحقا جرى الانتقال إلى ملف الصواريخ؟ هل يوجد قانون في العالم يمنع دولة معينة من تطوير صواريخ فرط صوتية أو باليستية؟ بطبيعة الحال لا يوجد. لقد قبل باقي العالم انفراد دول معدودة بالسلاح النووي، وتعاني معظم أمم الجنوب ومنها العربية، من الفيتو الممارس بشأن الحق المشروع للشعوب في استعمال الطاقة النووية لأهداف سلمية. والآن ينتقل الأمر إلى الصناعة الحربية. ويكفي ما يردده سياسيون إسرائيليون حول الصناعة العسكرية التركية، وكيف بدأت تجعل هذا البلد الإسلامي في مرمى المتطرفين الغربيين والصهاينة. من ضمن عناصر الحرب الحالية والمستقبلية الطائرات المسيرة، وها هي تركيا تستحوذ على 65% من سوق المسيرات الحربية في العالم. هذا المعطى يشكل كابوسا لإسرائيل والغرب، لأنه تركيا قادرة على تغيير نسبي للنفوذ في عدد من مناطق العالم بفضل صفقات الأسلحة. المعنى الذي يمكن اعتباره منعطفا في حرب يونيو الماضية وتعاظم الآن هو، أن إيران تخوض الحرب بصناعة عسكرية محلية تقريبا 90%، بينما تخوض إسرائيل الحرب بأسلحة أمريكية وأوروبية بمستوى 80%، وعلى رأسها مقاتلات أف 35 وأف 15. ما يخيف إسرائيل ويدفعها إلى التأكيد على حرمان إيران من صناعة الصواريخ هو إدراكها أن الصواريخ الباليستية وفرط صوتية ستتجاوز في الدقة وقوة التدمير المقاتلات الحربية في ظرف لا يتعدى العقد الواحد، إن لم يكن في ظرف خمس سنوات بفضل التقدم العلمي. كما أن إيران ودول أخرى مثل تركيا تتقدم في صناعة أنظمة دفاع جوي متطورة في ظرف سنوات. وهذا كابوس خطير لأنه يعني استقلالية القرار العسكري والحربي وما يترتب عنه من نفوذ في العلاقات الدولية.
إن الصاروخ بدأ يغير موازين القوى لسببين، منذ حرب 2006، يتجلى السبب الأول بأنه صنع محلي وغير مستورد، بمعنى أن من يمتلك الصاروخ سيتحرر من الشروط التي تمليها بعض الدول، ومنها الولايات المتحدة حول استعمال السلاح، وثانيا من يصنع الصاروخ فهو يمتلك المعرفة العلمية. وبما أن صراع إسرائيل مع دول المنطقة أخذ بعدا أبديا، يريد الكيان بدعم من الغرب إبقاء الجيران تحت السيطرة العسكرية. إن ما يحدث لإيران، سيحدث لأي دولة عربية سنية أخرى إذا تقدمت في صناعة حربية متطورة، ويكفي الاطلاع على ما يتم تداوله حول تركيا وباكستان في الدوائر العميقة للغرب التي تتحكم في الكثير من القرارات العالمية.
علاقة بالنتيجة الأولى لهذه الحرب، يوجد معطى أساسي وهو، أن إسرائيل قوة عسكرية كبيرة، غير أنها لم يعد يمكنها شن أي حرب لوحدها. في هذا الصدد، لا يمكن الاعتماد على ممارستها لحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة، أو الضربات التي وجهتها إلى لبنان، أن تخدع الواقع العسكري الحقيقي. يجب رؤية هذه النتيجة على ضوء المقارنة بين مسار الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد العالم العربي ومؤخرا ضد إيران وحزب الله بدرجة ثانية. لقد حققت إسرائيل انتصارات على الجيوش العربية منذ الخمسينيات، خاصة حرب 1967، ويكفي أنها سنة 1967 احتلت سيناء في ظرف خمسة أيام، كما احتلت الجولان في ظرف 36 ساعة، وتقدمت أبعد من الجولان وإلى الجانب الغربي لقناة السويس سنة 1973، وتكبدت خسائر بسبب تقدم الجيش المصري في بعض مناطق سيناء.
هذا الإيقاع الإسرائيلي في الحروب لم يعد ممكنا، وكانت البداية مع حرب تموز 2006 حيث تعرضت إسرائيل لأول مرة لضربات في العمق نسبيا، لم تكن تنتظرها. ويتجلى في وصول أولى الصواريخ إلى تجمعات سكنية داخل الكيان ومنها المستوطنات، بعدما كان ذلك مستحيلا في حروب الماضي باستثناء صواريخ صدام حسين في حرب 1991. ومقارنة بين الأمس واليوم في الحرب التي تخوضها إسرائيل، سنجد أنها لم تعد تمتلك القوة لاحتلال جيرانها، فهي بالكاد تقدمت بضع مئات من الأمتار جنوب لبنان، بسبب القوة النارية التي يواجهها بها مقاتلو حزب الله. كما أن مواطنيها، الذين كانوا إبان الحروب في مواجهة جيوش النظامية العربية، في منأى عن القصف، أصبحوا الآن ملزمين بالملاجئ بشكل يومي عند اندلاع كل نزاع عسكري، خاصة في الحرب الحالية. وتعوض هذه الخسارة في التفوق بممارسة حرب القرون الوسطى التي تعني القتل والتدمير لزرع الرعب في صفوف من تعتبرهم العدو حتى لا يتجرأ مستقبلا على حمل السلاح. هذا المعطى الجديد يدفعنا إلى قراءة مختلفة للمشهد، مفادها، أن أحلام إسرائيل الممتدة «من النهر إلى النهر» قد وصلت إلى نهايتها، لأنها لم تعد قادرة على خوض أي حرب بمفردها. فلو تخيّلنا مثلا مواجهة ضد حماس وحزب الله من دون دعم غربي، ولاسيما الدعم الأمريكي، فهل كانت ستتمكن من تحقيق هذه النتائج؟ ثم هل كانت ستصمد أمام الصواريخ الإيرانية في حرب يونيو، والحرب الحالية من دون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة التي تقود الحرب؟ يبدو أن الإجابة هي أنها كانت قد تصمد إلى حدٍّ ما، لكن بثمن باهظ وخسائر فادحة وكبيرة.
إيران ودول أخرى مثل تركيا تتقدم في صناعة أنظمة دفاع جوي متطورة في ظرف سنوات. وهذا كابوس خطير لأنه يعني استقلالية القرار العسكري والحربي وما يترتب عنه من نفوذ في العلاقات الدولية
خلال حرب قطاع غزة، استقبلت إسرائيل أكثر من 400 رحلة طيران من الولايات المتحدة لنقل الأسلحة، والعشرات من ألمانيا ودول أوروبية أخرى مقابل صواريخ وقنابل مصنوعة محليا من طرف حماس. وعلاقة بالنتيجة الثانية، تتناسل التصريحات في مختلف البرامج الإعلامية في قنوات عربية وغربية مفادها، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل هذه الحرب دون هدف واضح، لاسيما وأنه كان ضد الحروب التي خاضها أسلافه الذين سبقوه في البيت الأبيض. هناك هدف اقتصادي وآخر سياسي- ديني. يريد البيت الأبيض التحكم في النفط الإيراني للتحكم في الأسعار دوليا، للتأثير في اقتصاديات دول مثل الصين التي تنافس واشنطن الريادة على العالم. ثم إن معرفة المسؤولين في البيت الأبيض والتحالف مع إسرائيل، يكشف أنهم يؤمنون بروايات دينية متطرفة من التوراة، كما يؤمنون بسمو الإنسان اليهودي والمسيحي الأبيض على الباقي. ويكفي سماع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيت وكذلك وزراء في حكومة إسرائيل الحالية حول ربطها الأحداث الحربية الحالية بعودة المخلص، وترديد نتنياهو هذه الروايات.
إن الهدف الرئيسي للحرب هو منع توفر أي دولة عربية أو إسلامية تمتلك صناعة عسكرية متطورة. لنتساءل: لماذا جرى الضغط على إيران في الملف النووي ولاحقا جرى الانتقال إلى ملف الصواريخ؟ هل يوجد قانون في العالم يمنع دولة معينة من تطوير صواريخ فرط صوتية أو باليستية؟ بطبيعة الحال لا يوجد. لقد قبل باقي العالم انفراد دول معدودة بالسلاح النووي، وتعاني معظم أمم الجنوب ومنها العربية، من الفيتو الممارس بشأن الحق المشروع للشعوب في استعمال الطاقة النووية لأهداف سلمية. والآن ينتقل الأمر إلى الصناعة الحربية. ويكفي ما يردده سياسيون إسرائيليون حول الصناعة العسكرية التركية، وكيف بدأت تجعل هذا البلد الإسلامي في مرمى المتطرفين الغربيين والصهاينة. من ضمن عناصر الحرب الحالية والمستقبلية الطائرات المسيرة، وها هي تركيا تستحوذ على 65% من سوق المسيرات الحربية في العالم. هذا المعطى يشكل كابوسا لإسرائيل والغرب، لأنه تركيا قادرة على تغيير نسبي للنفوذ في عدد من مناطق العالم بفضل صفقات الأسلحة. المعنى الذي يمكن اعتباره منعطفا في حرب يونيو الماضية وتعاظم الآن هو، أن إيران تخوض الحرب بصناعة عسكرية محلية تقريبا 90%، بينما تخوض إسرائيل الحرب بأسلحة أمريكية وأوروبية بمستوى 80%، وعلى رأسها مقاتلات أف 35 وأف 15. ما يخيف إسرائيل ويدفعها إلى التأكيد على حرمان إيران من صناعة الصواريخ هو إدراكها أن الصواريخ الباليستية وفرط صوتية ستتجاوز في الدقة وقوة التدمير المقاتلات الحربية في ظرف لا يتعدى العقد الواحد، إن لم يكن في ظرف خمس سنوات بفضل التقدم العلمي. كما أن إيران ودول أخرى مثل تركيا تتقدم في صناعة أنظمة دفاع جوي متطورة في ظرف سنوات. وهذا كابوس خطير لأنه يعني استقلالية القرار العسكري والحربي وما يترتب عنه من نفوذ في العلاقات الدولية.
إن الصاروخ بدأ يغير موازين القوى لسببين، منذ حرب 2006، يتجلى السبب الأول بأنه صنع محلي وغير مستورد، بمعنى أن من يمتلك الصاروخ سيتحرر من الشروط التي تمليها بعض الدول، ومنها الولايات المتحدة حول استعمال السلاح، وثانيا من يصنع الصاروخ فهو يمتلك المعرفة العلمية. وبما أن صراع إسرائيل مع دول المنطقة أخذ بعدا أبديا، يريد الكيان بدعم من الغرب إبقاء الجيران تحت السيطرة العسكرية. إن ما يحدث لإيران، سيحدث لأي دولة عربية سنية أخرى إذا تقدمت في صناعة حربية متطورة، ويكفي الاطلاع على ما يتم تداوله حول تركيا وباكستان في الدوائر العميقة للغرب التي تتحكم في الكثير من القرارات العالمية.
نيسان ـ نشر في 2026-03-17 الساعة 14:21
رأي: حسين مجدوبي


