اتصل بنا
 

هل ستمنعنا أمريكا قريباً من امتلاك السكاكين؟

إعلامي سوري

نيسان ـ نشر في 2026-03-21 الساعة 11:32

نيسان ـ يبدو العالم اليوم، إلى حد بعيد، وكأنه منظومة ضخمة تُدار من قبل مراكز قوة تحدد الأدوار وتوزع النفوذ بما يتوافق مع مصالحها، لا مع مبادئ العدالة أو تكافؤ الفرص. الدول تتحرك ضمن هذا الإطار، ولكل دولة حدود غير معلنة لا يُسمح لها بتجاوزها. وعندما تحاول دولة ما كسر هذه الحدود، فإنها غالباً ما تواجه ردود فعل قاسية، قد تصل إلى حد التدمير الشامل، لأن تجاوز السقف المرسوم يُعد تهديداً مباشراً لبنية النظام نفسه كما نرى اليوم من خلال ما يحدث مع إيران.من هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله، هل تقدمت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وأوروبا فقط بفضل قدراتها الذاتية وطموحاتها الداخلية رغماً عن أنف أمريكا، أم إن تقدمها كان أيضاً متوافقاً مع توازنات النظام الدولي ومصالح القوى المهيمنة؟ الفكرة هنا ليست إنكار جهود هذه الدول، بل التشكيك في حيادية البيئة التي سمحت لها بالصعود دون أن تُقابل بمحاولات كبح مماثلة لما تعرضت له دول أخرى. لاحظوا اليوم كيف أصبحت فرملة النهضة الصينية الشغل الشاغل للولايات المتحدة بعد أن أدركت خطورتها على التفوق الأمريكي.في هذا السياق، يصبح واضحاً أن مسألة التقدم ليست قراراً داخلياً فقط. العالم اليوم تحكمه أدوات سيطرة معقدة، في مقدمتها النظام المالي العالمي الذي يتمحور حول الدولار. أي حركة مالية دولية تقريباً تمر عبر قنوات مرتبطة بالولايات المتحدة، ما يمنحها قدرة استثنائية على التحكم في الاقتصادات الأخرى، سواء عبر العقوبات أو القيود أو حتى التهديد غير المباشر. وإلى جانب ذلك، هناك الهيمنة التكنولوجية، حيث تعتمد البنية الرقمية العالمية، من الإنترنت إلى مراكز البيانات، بشكل كبير على منظومات وشركات أمريكية. هذا يعني أن أي دولة يمكن أن تتعرض لضغط هائل بمجرد استهداف وصولها إلى هذه الشبكات، لهذا صنعت الصين لنفسها نظاماً إلكترونياً مستقلاً كي لا تقع فريسة الأخطبوط الأمريكي.
ورغم كل ذلك، لا يمكن تبرئة العالم العربي من مسؤوليته في التخلف العلمي والصناعي. هناك تقصير واضح في بناء قاعدة معرفية حقيقية وفي الاستثمار الجاد في البحث والتطوير. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض محاولات النهوض، حين تقترب من مجالات حساسة، تُواجه بردع شديد. تجربة العراق تقدم مثالاً صارخاً على ذلك.فالعراق، بغض النظر عن تقييم نظامه السياسي القديم، استطاع في مرحلة ما أن يحقق تقدماً ملحوظاً في مجالات التعليم والطب والهندسة. قضى على الأمية تقريباً، وأرسل آلاف الطلاب إلى الجامعات العالمية، وبنى مؤسسات علمية متقدمة نسبياً قياساً بدول العالم الثالث. حتى مشروعه النووي كان جزءاً من محاولة لبناء قوة علمية وصناعية مستقلة. وقد عُرف مفاعل تموز في حينه كرمز لطموح علمي كبير، لكنه تعرض لضربة عسكرية أنهت هذا المسار مبكراً.
يبدو العالم اليوم، إلى حد بعيد، وكأنه منظومة ضخمة تُدار من قبل مراكز قوة تحدد الأدوار وتوزع النفوذ بما يتوافق مع مصالحها، لا مع مبادئ العدالة
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل جاء الحصار الطويل ليكمل عملية التفكيك. لم يكن الحصار مجرد عقوبة اقتصادية، بل استهدافاً مباشراً للبنية العلمية والتعليمية، حيث مُنعت حتى المواد البسيطة عن المدارس، وتم إضعاف النظام الصحي والتعليمي بشكل ممنهج. ثم جاءت مرحلة الغزو، حيث تم استهداف الجامعات ومراكز البحث بشكل مباشر، وتعرض العلماء والأكاديميون للاغتيال أو التهجير، ما أدى إلى إفراغ البلد من نخبه العلمية. النتيجة لم تكن فقط تدمير الحاضر، بل قطع الطريق على أي إمكانية للنهوض في المستقبل القريب.
وفي الوقت الراهن، تقدم إيران مثالاً أكثر تعقيداً واستمراراً على هذه المعادلة. إيران اختارت أن تسلك طريقاً مختلفاً، محاولة بناء استقلال نسبي في مجالات حساسة مثل التكنولوجيا النووية والصناعات المتقدمة. هذا الخيار وضعها في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة. ما يحدث لإيران اليوم لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي، بل هو مسار طويل من الاستنزاف المتعدد الأبعاد. العقوبات الاقتصادية المستمرة منذ سنوات استهدفت قلب الاقتصاد، من قطاع النفط إلى النظام المصرفي، ما حدّ بشكل كبير من قدرتها على تمويل البحث العلمي والتطوير التكنولوجي. كما تم تقييد وصولها إلى التقنيات الحديثة ومنع التعاون العلمي مع كثير من المؤسسات الدولية، وهو ما يبطئ أي محاولة لبناء نهضة علمية مستقلة.ومع تصاعد التوترات والصراعات العسكرية، أخذت الأمور منحى أكثر خطورة. لم يعد الضغط مقتصراً على الاقتصاد، بل امتد إلى استهداف مباشر وغير مباشر للبنية التحتية العلمية والنووية والصناعية. تعرضت منشآت حيوية لهجمات، وتم استهداف علماء وخبراء في مجالات دقيقة، وهي ضربة موجعة لأي مشروع علمي لأن المعرفة لا تُبنى بسهولة ولا تُعوّض بسرعة. هذا النوع من الاستهداف يضرب المستقبل أكثر مما يضرب الحاضر، لأنه يخلق فجوة معرفية تمتد لسنوات طويلة. لقد ظنت إيران أن تحالفها لأكثر من عقدين مع أمريكا في المنطقة قد ينجيها من العقاب الأمريكي، لكن الخديعة الأمريكية انطلت عليها، وها هي تدفع اليوم ثمن سذاجتها السياسية.
كان على إيران أن تدرك منذ سنوات أن رأسها سيكون على المقصلة بعد العراق الذي ساعدت الأمريكيين على احتلاله وتدميره، لكنها ظنت أن على رأسها ريشة. والحقيقة أنها أخطأت التقدير، ويجب على الجميع اليوم أن يعرفوا أنه قد “يأتي قريباً جداً يومٌ يُمنع فيه أي عربي أو مسلم أو مواطن “عالم ثالثي” من اقتناء شفرة حلاقة أو سكين أو الحصول على شهادة ثانوية!!… هذا طبعاً، إذا سُمح له بالتنفس والأكل والشرب وامتلاك مسكن”…
٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

نيسان ـ نشر في 2026-03-21 الساعة 11:32


رأي: د. فيصل القاسم إعلامي سوري

الكلمات الأكثر بحثاً