اتصل بنا
 

فكرة تأكل حدودها

رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

نيسان ـ نشر في 2026-03-25 الساعة 09:08

نيسان ـ ليست كل الحروب صراعا على الأرض، بعض الحروب تبدأ حين تقرر فكرة أن يكون لها خريطة. عندها تضيق الحدود، وتتحول الجغرافيا إلى قيد على طموح يتمدد في العقول قبل أن يفرش على الخرائط.
هكذا يمكن قراءة إيران اليوم. فكرة خرجت من إطارها، تبحث عن جسد أوسع تعيش فيه، وتعيد تشكيل محيطها على صورتها. منذ بدايات القرن العشرين، إبان الحكم القاجاري، كانت البلاد عالقة في سؤال مؤجل: من يحكم؟ رجل الدين أم رجل الدولة؟ تجربة المشروطية فتحت الباب وتركت السؤال معلقا، فدخل منه الصراع، ثم جاء من حسمه بالقوة حين فرض رضا شاه تحديثا قسريا فصل الدولة عن عمقها الاجتماعي، وترك تحت السطح طاقة لم تُستنفد.
في ذلك العمق، كانت المؤسسة الدينية تعيد بناء نفسها بهدوء، مستندة إلى تاريخ طويل وشبكات متجذرة. وحين جاءت لحظة 1979، خرجت تلك القوة إلى العلن، وانتقلت من الهامش إلى المركز، لتبني نظاما يمزج العقيدة بالسلطة، والأمن بالاقتصاد، في معادلة تحكم وتستمر. هذا التماسك الداخلي فتح شهية الفكرة على الخارج، فصار التمدد امتدادا طبيعيا لها، حاجة لا ترفا، ومسارا يضمن بقاءها في صورة أوسع.
مع الاتساع، يتراكم العبء. النفوذ يتحول إلى كلفة، والحضور إلى استنزاف، والجغرافيا المفتوحة إلى جبهات لا تهدأ. تجارب التاريخ تهمس بالحقيقة ذاتها: كل مشروع يكبر أكثر من طاقته يبدأ في استهلاك نفسه. إيران تقف اليوم في هذه المنطقة الرمادية، حيث يتقاطع النفوذ مع الضغط، ويثقل الخطاب الأيديولوجي على واقع اقتصادي مضغوط.
الحرب الجارية تكشف جوهر المأزق. اختبار لفكرة تحاول أن تجمع بين عقيدة عابرة للحدود ودولة تحتاج حدودا كي تستقر. وفي الخلفية، يعلو ضجيج الصورة، تتدفق المشاهد، يتشكل وعي سريع ومبتور، وتضيع الجذور في زحام اللحظة.
يبقى السؤال معلقا في قلب هذا المشهد: إلى أين تمضي الفكرة حين تتسع أكثر مما يحتملها وطن؟ هل تعيد رسم نفسها داخل حدود قابلة للحياة، أم تواصل التمدد حتى تستهلك ما قامت عليه؟
في النهاية، الدول لا تسقط حين تضعف، بل حين تحمل أفكارا أكبر من قدرتها على الاحتمال. هنا فقط تبدأ النهايات التي يعرفها التاريخ جيدا.

نيسان ـ نشر في 2026-03-25 الساعة 09:08


رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

الكلمات الأكثر بحثاً