اتصل بنا
 

بين ضجيج الحرب على إيران وصمت غزة: تحذير مصري أردني من انزلاق الأولويات الدولية

نيسان ـ نشر في 2026-03-26 الساعة 10:24

نيسان ـ في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مسارات التصعيد العسكري مع إعادة تشكيل أولويات القوى الدولية، برز الموقف المشترك لوزيري خارجية مصر والأردن كرسالة سياسية واضحة تحذر من خطورة انشغال العالم بالحرب مع إيران على حساب الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة. وهو موقف يعكس قراءة استراتيجية عميقة لتوازنات الإقليم، ويؤكد في الوقت ذاته مركزية القضية الفلسطينية في معادلة الاستقرار.
هذا التحذير لا يأتي في سياق دبلوماسي عابر، بل يعكس إدراكًا متقدمًا بأن إعادة ترتيب الأولويات الدولية قد تفتح المجال أمام تكريس واقع خطير في الأراضي الفلسطينية، سواء في غزة التي تعيش تحت وطأة كارثة إنسانية غير مسبوقة، أو في الضفة الغربية والقدس حيث تتسارع وتيرة الإجراءات الميدانية التي تهدد بتغيير معالم الصراع.
سياسيًا، يحمل هذا الموقف دلالات تتجاوز اللحظة الراهنة، إذ يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف ضمن أجندة مزدحمة، بل هي جوهر الاستقرار الإقليمي. فمحاولات اختزال أزمات المنطقة في المواجهة مع إيران، مع تجاهل جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال، تنطوي على مخاطر استراتيجية قد تعيد إنتاج الأزمات بشكل أكثر حدة وتعقيدًا.
كما أن الرسالة المصرية الأردنية تعكس رفضًا ضمنيًا لأي محاولة لمنح إسرائيل هامشًا أوسع للتحرك في ظل انشغال المجتمع الدولي، سواء عبر مواصلة العمليات العسكرية في غزة، أو عبر تسريع مشاريع الاستيطان وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية والقدس. وهو ما يشير إلى أهمية الحفاظ على توازن دقيق بين معالجة التهديدات الإقليمية وعدم إغفال الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
استراتيجيًا، فإن تحويل بوصلة الاهتمام الدولي نحو الحرب مع إيران يهدد بإضعاف أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي اللازمة لوقف التدهور الإنساني في غزة. فكلما تراجع الحضور الدولي في هذا الملف، ازدادت احتمالات إطالة أمد الأزمة، وتفاقمت تداعياتها على الأمن الإقليمي، بما في ذلك الدول المجاورة التي تتحمل تبعات مباشرة لأي انفجار في الأوضاع.
أما من الناحية القانونية، فإن استمرار ما يجري في غزة يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام المجتمع الدولي بمبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها قواعد اتفاقيات جنيف التي تكفل حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. كما أن الحصار والإجراءات المفروضة على السكان المدنيين تندرج ضمن مفهوم العقاب الجماعي المحظور قانونًا، ما يستدعي تحركًا دوليًا يتجاوز حدود البيانات السياسية إلى إجراءات ملموسة.
ولا يمكن إغفال أن تداعيات هذا المشهد لا تقتصر على غزة وحدها، بل تمتد إلى الضفة الغربية حيث يتصاعد التوتر الميداني، وإلى القدس التي تواجه تحديات متزايدة تمس الوضع القائم في مقدساتها. وهو ما يعزز من خطورة أي محاولة لتهميش القضية الفلسطينية أو تأجيل معالجتها تحت ذرائع ظرفية.
إن الموقف المصري الأردني يعكس، في جوهره، رؤية واقعية تسعى إلى منع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى، عبر التأكيد على أن تحقيق الأمن والاستقرار لا يمكن أن يتم بمعزل عن إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، أو تجاوز حقوقه التي كفلتها الشرعية الدولية.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لإعادة ترتيب الأولويات الدولية على أسس أكثر توازنًا وعدالة، بحيث لا تتحول الأزمات الكبرى إلى غطاء لتجاهل أزمات إنسانية قائمة. فالتاريخ أثبت أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى حلها، بل إلى ترحيلها وتفجيرها في مراحل لاحقة بأثمان أعلى.
ختامًا، فإن الرسالة التي حملها هذا الموقف العربي المشترك تتجاوز بعدها السياسي المباشر، لتشكل دعوة صريحة للمجتمع الدولي لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، بوصفها مدخلًا أساسيًا لأي مقاربة جادة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، بعيدًا عن الانتقائية وازدواجية المعايير التي أثبتت فشلها عبر العقود.

نيسان ـ نشر في 2026-03-26 الساعة 10:24


رأي: علي ابو حبلة

الكلمات الأكثر بحثاً