اتصل بنا
 

الحقيقة هي الضحية الأولى للجدال الأردني في العالم الافتراضي

القواعد الدولية القديمة إنهارت ولن يصمد سوى القوي والضعيف سيؤكل

نيسان ـ نشر في 2026-03-29 الساعة 08:30

نيسان ـ الجدال الدائر في الأردن حاليا هو جدال نخبوي في الغالب، يمارسه كتاب وصحافيون وسياسيون ومشتغلون بالشأن الإعلامي والحزبي، وهو جدال منفصل عن الواقع تماما، لأنه يمارس عبر منصات افتراضية أو منصات إلكترونية، وبالتالي فهو لا يصنع "رأيا عاما" ولا يؤثر حتى في قرارات الدولة ومواقفها الداخلية والخارجية.
وتحسن الدولة الأردنية صنعا بأن تترك هذا الجدال يأخذ مداه دون أن تتدخل فيه، لأنه جدال غير عقلاني، والدولة تريد أن تحتكم إلى العقل والواقع والمصالح، في هذه الظروف الفاصلة والحاسمة لمستقبل المنطقة، بعيدا عن العاطفة الهوجاء والمواقف المفتعلة القائمة على أهواء شخصية أو مصالح مالية ومناصب يسعى إليها بعض أطراف هذا الجدال.
هناك ضحايا لهذا الجدال، الحقيقة هي أول ضحايا هذا الجدال، الذي يبدو في شكله شخصيا، وبلغة إنشائية خارجة عن حروفها.
الحقيقة التي تقول بأن المشروع الصهيوني لن يتوقف عن بلد محدد، الوطن العربي أو إيران أو تركيا أو الباكستان ليست محطته الأخيرة، سيواصل توسعه وحروبه حتى يسيطر تماما على جميع المنافذ البحرية والبرية، والسيطرة على مصادر النفط والغاز.
الحقيقة التي تقول بأن الولايات المتحدة، التي تعتبر عالمنا العربي "حصة إسرائيل" ومنطقتها الحيوية، لم تعد تعترف بالحدود الحالية في المنطقة، الدولة الإقليمية، وبأنه سيعيد رسم هذه الحدود وإعادة التقسيم، في السابق رسمت هذه الحدود على الرمال، حاليا ترسم بالدم، راجعوا تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك، المقرب من دونالد ترامب، التي تزعم بأن الشرق الأوسط لا يتكون من دول حقيقية بل "قبائل وقرى"، مشيرا إلى أن القوى الغربية هي من رسمت حدود دول قومية مختلقة (سايكس بيكو 1916) ولا تعبر عن واقع 110 مجموعات إثنية. بحسب السياسي الأمريكي الذي هو جزء من أدوات نتنياهو في المنطقة.
الحقيقة التي تقول بأن دولة العصابة كلفت مستوطنيها الحثالة الذين يتعوذ منهم الشيطان نفسه، بأن يحولوا حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى جحيم لا يطاق، فيما ترك ثلاثة ملايين فلسطيني ( إجمالي عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي 5.56 مليون) لوحدهم مكشوفين تماما لمواجهة العصابات الإجرامية الإرهابية التي خبرها الشعب الفلسطيني طيلة 77 عاما.
والضفة الغربية كما نعرف هي حديقة الأردن الخلفية وخط أمنه الأول.
الحقيقة التي تقول بأن القواعد التي قام عليها النظام العالمي والدولي لم تعد موجودة بعد أن فككت إرادة ترامب، بتحريك وتحريض من الحركة الصهيونية واللوبيات والمليارديرات، جميع القواعد التي قام عليها العالم القديم.
ضاعت الحقيقة التي تصرخ بوجوهنا منذ حرب الإبادة في قطاع غزة وفي الضفة الغربية والاعتداء على سوريا ولبنان واليمن وضرب إيران، بأنه المرحلة المقبلة هي مرحلة القوي، مرحلة لن يستطيع الضعيف أن يصمد فيها وسيؤكل وتلقى بقاياه في زوايا معتمة من التاريخ.
هذه الفرصة الأخيرة لنا في الأردن بأن نسعى إلى قيادة المشروع العربي، أو على الأقل أن نكون من مؤسسي هذا المشروع العربي الذي يقوم على وحدة حقيقة بين العرب، حتى وأن كان في البداية بعدد محدود، لكنه ضرورة حتمية لإنقاذ أمتنا من انهيار سيؤدي إلى مجاعات وحروب أهلية ونزوح ودمار لن نستطع العيش في ظله.
الوطن العربي يمتلك كل مقومات الصمود والتحدي والوقوف بندية لكل قوى الهيمنة والشر التي تريد السيطرة عليه.
الجدال الدائر حاليا، حق للجميع، رغم أنه تحول إلى عملية تخوين ومنح صكوك الوطنية لمن يوافقنا الآراء، و حجبها عن الذين لا نتفق معهم في الآراء. ونتمنى أن يبقى هذا الجدال في العالم الافتراضي لأن تسربه إلى العالم الواقعي سيكون كارثيا بكل معنى الكلمة.

نيسان ـ نشر في 2026-03-29 الساعة 08:30


رأي: علي سعادة

الكلمات الأكثر بحثاً