سيناريوهات لإعلان 'الانتصار'
زياد ماجد
*كاتب وأكاديمي لبناني
نيسان ـ نشر في 2026-03-29 الساعة 12:56
نيسان ـ تتزايد الاتصالات الديبلوماسية بموازاة تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وبات من الواضح أن باكستان وتركيا تقومان بجهد كبير لنقل الرسائل والرسائل المضادة بين واشنطن وطهران، وسط مهل وإنذارات متبادلة.
وفي حين تتعرّض إيران لضربات عسكرية دمّرت حتى الآن جزءاً كبيراً من قوتها العسكرية ومن بنيتها التحتية وقضت على قيادات أمنية ومن الحرس الثوري فيها، إضافةً طبعاً إلى اغتيال علي لاريجاني وقبله المرشد علي خامنئي، تتعرّض واشنطن وتل أبيب لتحدّيات جدّية لم تكن جميعها في حسبانهما.
فمن ناحية أولى، لم يكن الرهان على حرب طويلة من سيناريوهات الإدارة الأمريكية لكلفتها الباهظة ولمعارضة جزء من القاعدة الترامبية لها. كما لم يكن المسؤولون في البيت الأبيض مقتنعين بقدرة إيران على التحكّم بمضيق هرمز في ظلّ حشودهم البحرية الضخمة وقوّتهم الجوية الساحقة. وفي الرقعة الجغرافية إياها، لم يتوقّع الأمريكيون كثافة نيران إيرانية باتجاه دول الخليج والعراق، بما أثّر على الملاحة في هرمز وعلى تصدير النفط والغاز، وأثّر كذلك على مخزون الصواريخ المضادة في منظومات الاعتراض، التي لم تكن على الدوام عالية الفاعلية بما يكفي لكفّ الأذى والأضرار المادية والاقتصادية عن المتعرّضين لها.
ومن ناحية ثانية، لم يأخذ الأمريكيون في الحسبان سرعة التأزّم الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة، إذ ظنّوا أن مفاعيل الحرب إن كانت قصيرة لن تظهر مباشرة، وإن طالت قليلاً ستبقى محدودة. فإذا بسياسة توسيع رقعة القصف وتعميم الأضرار والضغط في هرمز التي اعتمدتها إيران من اليوم الأول تضغط مباشرة على الأسعار وتُنذر بأزمة أو بصدمة عالمية شبيهة بتلك التي أحدثتها حرب تشرين/أكتوبر 1973 وقطع النفط السعودي الجزئي يومها، دعماً لمصر وسوريا.
ومن ناحية ثالثة، دخل الأمريكيون في سباق مع الوقت لجهة نقل منظومات الاعتراض الصاروخي من مناطق حول العالم إلى «الشرق الأوسط» (لا سيّما من كوريا الجنوبية ومن الولايات المتحدة نفسها)، ولجهة التصنيع السريع لقطعها وذخائرها قبل نفاذها إن تمكّنت إيران من مواصلة إطلاق صواريخها وطائراتها المسيّرة. وإذا كان من الواضح حتى الآن أن القدرة الإيرانية على مواصلة القصف المضاد قد تراجعت، غير أنها لم تنقطع، ودخلت بدورها في عملية إدارة وتوفير. ولن يكون من المستبعد بعد فتح جبهة لبنان وانخراط حزب الله بما تبقّى له من أسلحة ثقيلة، وبعد تصاعد هجمات الميليشيات العراقية، أن يُصار لاحقاً في حال فشلت كل الوساطات، إلى فتح جبهة اليمن وتهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى محاولات إصابة ميناء إيلات ومواقع إسرائيلية جنوبية لتكثيف الضغط الاقتصادي والعسكري على الأميركيين والاسرائيليين.
على أن قول كلّ هذا لا يعني بأي حال المراوحة في وصف تقنّي لما يجري دون النظر إلى أثمانه البشرية والمادية المروّعة، بمعزل عن مآلات الأمور وسباقات الصواريخ والطائرات. ففي إيران، يجري استهداف مرافق وبنى تحتية وقتل الآلاف إضافة إلى التدمير العسكري والاقتصادي، وسط استمرار إيرانيين كثر بتأييد الحرب للخلاص من نظام الجمهورية الإسلامية، مقابل تبدّل ميل كثر آخرين، صدمهم إسقاط هدف «تغيير النظام» من جدول الأهداف الأمريكية الأول، وتأييد آخرين للنظام، كانوا أصلاً قاعدته الاجتماعية.
أما في لبنان، فالوضع الإنساني أكثر تعقيداً، نتيجة كثافة القتل والتشريد والتدمير واحتمالات الاجتياح والاحتلال في بلد صغير ومُنهك، وفي ظل احتقان سياسي – طائفي، لا شكّ أن اندفاع حزب الله للتصعيد العسكري الأخير والانخراط في الحرب الإيرانية، على حساب مصلحة البلد وجنوبه خاصة، مسؤول أول عنه. لكن الشماتة وبعض التصريحات الموتورة الصادرة عن أطراف مناوئين للحزب يتمنّون ألا تتوقّف الحرب، مسؤولة بدورها عن احتمالات تحوّل الاحتقان إلى صدامات أهلية.
بين الانتصار والبحث عن المخارج
يصعب التكهّن الآن بسيناريوهات حرب تعدّدت جبهاتها. ويصعب أيضاً تعريف أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية بعد أن غيّر ترامب أكثر من مرة صيغتها، وبدأ يفرض على إسرائيل تبديلاً علنياً فيها، ولو أن بنيامين نتنياهو يتمنّى لها الاستمرار لغاية إسقاط النظام في طهران واحتلال قواته جزءاً من جنوب لبنان، يشترط للانسحاب منه – كما من الجنوب السوري لاحقاً– اتفاقات مع البلدين تكرّس سياسياً التفوّق العسكري الإسرائيلي ليستقوي بها على الداخل الإسرائيلي فيحشد المزيد من الدعم لحكومته، والأهمّ، ليستقوي زيادةً على الفلسطينيين ويماطل في كل الحلول المقترحة، على رداءتها، في غزة.
في المقابل يمكن القول إن دونالد ترامب قد يتحضّر لإعلان انتصار يُعدّد فيه «إنجازاته»، من قتل المرشد وأكثرية قادة النظام، إلى تحطيم مقدّراته النووية وتدمير بحريته وبناه العسكرية الثقيلة، وإضعاف برنامجه البالستي، وجعله إن نجا منشغلاً في السنوات المقبلة في إعادة ترميم بعض ما تهدّم وجعله عرضة لضغوط إقتصادية تفرض عليه أولويات يخفّف بواسطة تلبيتها من حنق جمهور إيراني واسع عليه. غير أن شرط هذا يتطلّب الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي بات هاجس الرئيس الأمريكي الأول.
ويمكن في موازاة هكذا إعلان، أن يلتحق نتنياهو بالخطاب نفسه، وأن يطلب استمرار حربه في لبنان، ليستطيع لاحقاً إعلان انتصار يخصّه، فلا ينافس حليفه الأمريكي إيرانياً لأن الأخير لا يحب الندّية ولا يقبل بها.
أما إيران، فيمكن أن تدّعي «انتصارها» إذا تمنّع نظامها عن الإسقاط واستمرّت في إطلاق الصواريخ والتحكّم بمضيق هرمز، أو حتى إن وافقت على فتح المضيق بالتزامن مع توقّف العمليات العسكرية ضدها.
لكن ماذا إذا تعذّر على كل طرف توفير «العدّة» اللازمة لإعلان الانتصار؟ بمعنى آخر، ماذا إذا طال أمد إقفال هرمز ونفّذ الأمريكيون تهديدهم بإنزالات برية في الجزر الإيرانية مع تدمير بنى الطاقة؟ وماذا إذا سعى الإيرانيون للردّ في جوارهم الخليجي لجعل الكارثة الاقتصادية والبيئية معمّمة؟ هذا أيضاً سيناريو ممكن، يطوّل أمد الحرب وأضرارها، ويجعل جبهتها اللبنانية بدورها أكثر عنفاً وشراسة.
يبقى أننا، إن صح هذا السيناريو أو ذاك، وإن أفضت الاتصالات والوساطات إلى لجمٍ للحرب أو فشلت، أمام أيام شديدة الصعوبة، وأضرار إنسانية واقتصادية وسياسية وقانونية لن يسهُل تعويضها، وهي ستُعيد على الأرجح تشكيل التحالفات الإقليمية وتعميق العداوات بين عدد من دول الخليج وإيران.
وهذا كلّه سيقود إلى حقبة من اللااستقرار المديد…
وفي حين تتعرّض إيران لضربات عسكرية دمّرت حتى الآن جزءاً كبيراً من قوتها العسكرية ومن بنيتها التحتية وقضت على قيادات أمنية ومن الحرس الثوري فيها، إضافةً طبعاً إلى اغتيال علي لاريجاني وقبله المرشد علي خامنئي، تتعرّض واشنطن وتل أبيب لتحدّيات جدّية لم تكن جميعها في حسبانهما.
فمن ناحية أولى، لم يكن الرهان على حرب طويلة من سيناريوهات الإدارة الأمريكية لكلفتها الباهظة ولمعارضة جزء من القاعدة الترامبية لها. كما لم يكن المسؤولون في البيت الأبيض مقتنعين بقدرة إيران على التحكّم بمضيق هرمز في ظلّ حشودهم البحرية الضخمة وقوّتهم الجوية الساحقة. وفي الرقعة الجغرافية إياها، لم يتوقّع الأمريكيون كثافة نيران إيرانية باتجاه دول الخليج والعراق، بما أثّر على الملاحة في هرمز وعلى تصدير النفط والغاز، وأثّر كذلك على مخزون الصواريخ المضادة في منظومات الاعتراض، التي لم تكن على الدوام عالية الفاعلية بما يكفي لكفّ الأذى والأضرار المادية والاقتصادية عن المتعرّضين لها.
ومن ناحية ثانية، لم يأخذ الأمريكيون في الحسبان سرعة التأزّم الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة، إذ ظنّوا أن مفاعيل الحرب إن كانت قصيرة لن تظهر مباشرة، وإن طالت قليلاً ستبقى محدودة. فإذا بسياسة توسيع رقعة القصف وتعميم الأضرار والضغط في هرمز التي اعتمدتها إيران من اليوم الأول تضغط مباشرة على الأسعار وتُنذر بأزمة أو بصدمة عالمية شبيهة بتلك التي أحدثتها حرب تشرين/أكتوبر 1973 وقطع النفط السعودي الجزئي يومها، دعماً لمصر وسوريا.
ومن ناحية ثالثة، دخل الأمريكيون في سباق مع الوقت لجهة نقل منظومات الاعتراض الصاروخي من مناطق حول العالم إلى «الشرق الأوسط» (لا سيّما من كوريا الجنوبية ومن الولايات المتحدة نفسها)، ولجهة التصنيع السريع لقطعها وذخائرها قبل نفاذها إن تمكّنت إيران من مواصلة إطلاق صواريخها وطائراتها المسيّرة. وإذا كان من الواضح حتى الآن أن القدرة الإيرانية على مواصلة القصف المضاد قد تراجعت، غير أنها لم تنقطع، ودخلت بدورها في عملية إدارة وتوفير. ولن يكون من المستبعد بعد فتح جبهة لبنان وانخراط حزب الله بما تبقّى له من أسلحة ثقيلة، وبعد تصاعد هجمات الميليشيات العراقية، أن يُصار لاحقاً في حال فشلت كل الوساطات، إلى فتح جبهة اليمن وتهديد الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى محاولات إصابة ميناء إيلات ومواقع إسرائيلية جنوبية لتكثيف الضغط الاقتصادي والعسكري على الأميركيين والاسرائيليين.
على أن قول كلّ هذا لا يعني بأي حال المراوحة في وصف تقنّي لما يجري دون النظر إلى أثمانه البشرية والمادية المروّعة، بمعزل عن مآلات الأمور وسباقات الصواريخ والطائرات. ففي إيران، يجري استهداف مرافق وبنى تحتية وقتل الآلاف إضافة إلى التدمير العسكري والاقتصادي، وسط استمرار إيرانيين كثر بتأييد الحرب للخلاص من نظام الجمهورية الإسلامية، مقابل تبدّل ميل كثر آخرين، صدمهم إسقاط هدف «تغيير النظام» من جدول الأهداف الأمريكية الأول، وتأييد آخرين للنظام، كانوا أصلاً قاعدته الاجتماعية.
أما في لبنان، فالوضع الإنساني أكثر تعقيداً، نتيجة كثافة القتل والتشريد والتدمير واحتمالات الاجتياح والاحتلال في بلد صغير ومُنهك، وفي ظل احتقان سياسي – طائفي، لا شكّ أن اندفاع حزب الله للتصعيد العسكري الأخير والانخراط في الحرب الإيرانية، على حساب مصلحة البلد وجنوبه خاصة، مسؤول أول عنه. لكن الشماتة وبعض التصريحات الموتورة الصادرة عن أطراف مناوئين للحزب يتمنّون ألا تتوقّف الحرب، مسؤولة بدورها عن احتمالات تحوّل الاحتقان إلى صدامات أهلية.
بين الانتصار والبحث عن المخارج
يصعب التكهّن الآن بسيناريوهات حرب تعدّدت جبهاتها. ويصعب أيضاً تعريف أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية بعد أن غيّر ترامب أكثر من مرة صيغتها، وبدأ يفرض على إسرائيل تبديلاً علنياً فيها، ولو أن بنيامين نتنياهو يتمنّى لها الاستمرار لغاية إسقاط النظام في طهران واحتلال قواته جزءاً من جنوب لبنان، يشترط للانسحاب منه – كما من الجنوب السوري لاحقاً– اتفاقات مع البلدين تكرّس سياسياً التفوّق العسكري الإسرائيلي ليستقوي بها على الداخل الإسرائيلي فيحشد المزيد من الدعم لحكومته، والأهمّ، ليستقوي زيادةً على الفلسطينيين ويماطل في كل الحلول المقترحة، على رداءتها، في غزة.
في المقابل يمكن القول إن دونالد ترامب قد يتحضّر لإعلان انتصار يُعدّد فيه «إنجازاته»، من قتل المرشد وأكثرية قادة النظام، إلى تحطيم مقدّراته النووية وتدمير بحريته وبناه العسكرية الثقيلة، وإضعاف برنامجه البالستي، وجعله إن نجا منشغلاً في السنوات المقبلة في إعادة ترميم بعض ما تهدّم وجعله عرضة لضغوط إقتصادية تفرض عليه أولويات يخفّف بواسطة تلبيتها من حنق جمهور إيراني واسع عليه. غير أن شرط هذا يتطلّب الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي بات هاجس الرئيس الأمريكي الأول.
ويمكن في موازاة هكذا إعلان، أن يلتحق نتنياهو بالخطاب نفسه، وأن يطلب استمرار حربه في لبنان، ليستطيع لاحقاً إعلان انتصار يخصّه، فلا ينافس حليفه الأمريكي إيرانياً لأن الأخير لا يحب الندّية ولا يقبل بها.
أما إيران، فيمكن أن تدّعي «انتصارها» إذا تمنّع نظامها عن الإسقاط واستمرّت في إطلاق الصواريخ والتحكّم بمضيق هرمز، أو حتى إن وافقت على فتح المضيق بالتزامن مع توقّف العمليات العسكرية ضدها.
لكن ماذا إذا تعذّر على كل طرف توفير «العدّة» اللازمة لإعلان الانتصار؟ بمعنى آخر، ماذا إذا طال أمد إقفال هرمز ونفّذ الأمريكيون تهديدهم بإنزالات برية في الجزر الإيرانية مع تدمير بنى الطاقة؟ وماذا إذا سعى الإيرانيون للردّ في جوارهم الخليجي لجعل الكارثة الاقتصادية والبيئية معمّمة؟ هذا أيضاً سيناريو ممكن، يطوّل أمد الحرب وأضرارها، ويجعل جبهتها اللبنانية بدورها أكثر عنفاً وشراسة.
يبقى أننا، إن صح هذا السيناريو أو ذاك، وإن أفضت الاتصالات والوساطات إلى لجمٍ للحرب أو فشلت، أمام أيام شديدة الصعوبة، وأضرار إنسانية واقتصادية وسياسية وقانونية لن يسهُل تعويضها، وهي ستُعيد على الأرجح تشكيل التحالفات الإقليمية وتعميق العداوات بين عدد من دول الخليج وإيران.
وهذا كلّه سيقود إلى حقبة من اللااستقرار المديد…
نيسان ـ نشر في 2026-03-29 الساعة 12:56
رأي: زياد ماجد *كاتب وأكاديمي لبناني


