اتصل بنا
 

لماذا حذر 'الحرس الثوري' شركات التكنولوجيا الأمريكية؟

نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 15:34

نيسان ـ ثمة ما هو أبعد من الصواريخ والمدى الذي تقطعه، وأعمق من الخرائط التي تُرسم عليها الضربات. فالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تعد قابلة للقراءة فقط من زاوية تقليدية تُقاس فيها القوة بحجم الترسانة، أو اتساع نطاق الاستهداف والاغتيال والتدمير. هناك تحوّل ينقل المواجهة من سطح الجغرافيا إلى طبقة أكثر خفاءً وتأثيراً: البنى التحتية الرقمية، والخوارزميات التي تعيد تشكيل معنى القوة ذاته. في هذا السياق، لا يبدو إعلان الحرس الثوري الإيراني استهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية مجرد تهديد تصعيدي، بل إشارة إلى انزياح أعمق في تعريف الفاعل في الحرب، وحدود الميدان الذي تُدار فيه.
إن ما يجري لا يقتصر على توسيع قائمة الأهداف، بل يعكس انتقالاً نوعياً من استهداف المواقع، إلى استهداف «المنظومات التي ترى المواقع». فالجغرافيا، في هذا السياق، لم تعد الهدف بحد ذاتها، بل البنية التي تُنتج المعرفة عنها: من الأقمار الصناعية إلى الخوادم، مرورا بمنصات التحليل والخوارزميات التي تحوّل البيانات إلى قرار. فتصريح الحرس الثوري الإيراني، يبدو أنه يكشف عن تحوّل في طريقة النظر إلى شركات التكنولوجيا الأمريكية؛ إذ لا تبدو في هذا الخطاب كيانات اقتصادية محايدة، بل امتداد وظيفي لمنظومة استخباراتية متكاملة. فهذه الشركات -حسب هذا التصور- لم تعد تقتصر على تقديم خدمات تقنية، بل أصبحت، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، جزءاً من سلسلة إنتاج القرار العسكري، عبر ما توفره من قدرات في التحليل التنبؤي، وأنظمة الاستهداف، والبنية السحابية التي تقوم عليها عمليات القيادة والسيطرة.
إدخال شركات التكنولوجيا في قلب الصراع يفتح سؤالا: هل يمكن الإبقاء على هذه البنى بوصفها أدوات تخدم الإنسانية، أم أنها ستُسحب تدريجيا إلى منطق الحرب؟
تشير التقديرات الصناعية إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي في المجال الدفاعي قد يتجاوز 40 إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعا بسباق عالمي نحو امتلاك «أفضل خوارزمية» لا «أكبر ترسانة». وفي قلب هذا التحول تقف بنية ISR (الاستخبارات، المراقبة، الاستطلاع)، التي يُقدَّر حجم سوقها العالمي ما بين 35 و45 مليار دولار سنويا، مع نمو متسارع بفعل دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الفضائية والبيانات الحرارية وأنماط الحركة. بات لا يخفى على كثير من المتخصصين، أن شركات مثل Nvidia بمعالجاتها الرسومية عالية الأداء وPalantir بمنصاتها لتحليل البيانات الاستخباراتية وAmazon Web Services وMicrosoft Azure ببناها السحابية، حوّلت إلى مكونات أساسية في «سلسلة إنتاج القرار»، لا مجرد مزوّدين تقنيين، بل إن أكثر من 70% من أعباء العمل الحكومية الأمريكية الحساسة باتت تعتمد، بشكل أو بآخر، على البنية السحابية التجارية، ما يطمس الحدود التقليدية بين العسكري والمدني. كما أن الأمر لا يتوقف عند البرمجيات. فالبنية المادية لصناعة الرقائق تكشف بدورها عن هشاشة عميقة في هذه المنظومة. إذ تنتج شركة TSMC نحو 90% من الشرائح المتقدمة عالمياً، فيما تهيمن شركات أمريكية مثل Intel وNvidia على تصميم المعالجات المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. أي خلل في هذه السلسلة لا يعني تعطّل شركة بعينها، بل إرباك القدرة العملياتية لدول بأكملها. من هذا المنظور، يمكن قراءة التحول الإيراني عبر ثلاث زوايا مترابطة:
أًولا، استهداف «سلسلة القيمة الاستخباراتية» بدلًا من نتائجها. فبدل الرد على عملية اغتيال بعملية مماثلة، يجري التلويح بضرب البنية التي تجعل مثل هذه العمليات ممكنة: الخوارزميات، مراكز البيانات، وسلاسل المعالجة.
ثانيا، عسكرة الشركات المدنية. فشركات التكنولوجيا اليوم تدير بنى تحتية تُستخدم في كل شيء، من التطبيقات اليومية إلى العمليات العسكرية الحساسة. ومع تجاوز سوق الحوسبة السحابية عالميا حاجز 600 مليار دولار سنويا، فإن استهداف هذه الشركات لا يهدد الأمن فقط، بل يضع الاقتصاد الرقمي العالمي نفسه على حافة الاضطراب.
ثالثًا، إعادة تسييس الفضاء السيبراني، فاختيار شركات بعينها يعكس إدراكا بأن القوة لم تعد تُختزل في امتلاك السلاح، بل في التحكم بمنصات البيانات وتدفقاتها. هنا تتحول المنصات إلى «جغرافيا بديلة»، تُدار فيها الصراعات بعيداً عن الخرائط التقليدية، ولكن بتأثير لا يقل عمقا.
غير أن الأثر الأهم لا يكمن في التهديد ذاته، بل في الأسئلة التي يفتحها. ماذا يعني أن تصبح مراكز البيانات، التي تُقدّر استثماراتها عالميا بمليارات الدولارات، أهدافا محتملة؟ ماذا يحدث عندما يُعاد تعريف المهندس، أو محلل البيانات بوصفه جزءا من «سلسلة القتال»؟ وأين تنتهي مسؤولية الشركة وتبدأ مسؤولية الدولة، في عالم تعتمد فيه الجيوش على بنية يملكها القطاع الخاص؟ إذا استمر هذا المسار، فإننا لا نكون أمام تصعيد إقليمي فحسب، بل أمام إعادة تشكيل عميقة للعلاقة بين الاقتصاد الرقمي والأمن الدولي. فالشركات التي بنت شرعيتها على فكرة الحياد التقني، قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف موقعها بين السوق والدولة، بين الابتكار والسيادة.
في المحصلة، لا تقتصر دلالة تصريح الحرس الثوري على كونه تهديدا بإضافة أهداف جديدة إلى بنك الضربات، بل في كونه إعلانا ضمنيا عن نقل ساحة الصراع إلى مستوى آخر أكثر تجريدا وخطورة. حين تُصنَّف شركات التكنولوجيا بوصفها أهدافا، فإن ما يُستهدف فعليا ليس كيانات مادية، بل البنية التي تُنتج «المعرفة القابلة للاستخدام» في الحرب. إنها محاولة لضرب القدرة على الرؤية قبل القدرة على الفعل، وتعطيل لحظة التحول الحاسمة التي تتحول فيها البيانات إلى قرار. وفق هذا المعنى، لا تعود الحرب صراعا على امتلاك أدوات القوة، بقدر ما تصبح صراعًا على امتلاك شروط الإدراك ذاته. فالسلاح، في صورته التقليدية، لم يعد سوى امتداد متأخر لقرارٍ تشكّل في طبقة أعمق، حيث تتدفق البيانات بلا انقطاع، وتُعاد صياغتها داخل خوارزميات لا ترى العالم كما هو، بل كما يمكن أن يُفهم ويُعاد ترتيبه.
عودٌ على بدء، يمكن القول إن تصريح/ تهديد الحرس الثوري لا يوسّع حدود المعركة بقدر ما يكشف عن انزياحها: من جغرافيا تُقاس بالمسافات إلى بنية تُقاس بزمن المعالجة، ومن ميدان تُحسم فيه النتائج بالقوة إلى فضاء تُحسم فيه الاحتمالات بالقدرة على النمذجة. ما يُستهدف لم يعد الموقع، بل القدرة على إنتاج صورته، ولا الحدث، بل البنية التي تجعله قابلاً للتوقّع والتوجيه. غير أن إدخال شركات التكنولوجيا في قلب هذا الصراع يفتح سؤالا أكثر عمقا: هل يمكن الإبقاء على هذه البنى بوصفها أدوات تخدم الإنسانية، أم أنها ستُسحب تدريجيا إلى منطق الحرب؟ فهذه المنصات، التي قامت أصلا لربط العالم وتيسير المعرفة، يفترض أن تبقى خارج دائرة الاستهداف، لأن تسييسها وعسكرتها لا يوسّعان ميدان الصراع فحسب، بل يهددان بتحويل الفضاء السيبراني ذاته من مجال إنساني مشترك إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 15:34


رأي: د. خالد وليد محمود

الكلمات الأكثر بحثاً