انسحاب ترامب إلى فقاعته
عبدالحليم قنديل
كاتب مصري
نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 15:35
نيسان ـ لم يفاجأ عاقل بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتزامه الانسحاب من الحرب على إيران في غضون أسبوعين أو ثلاثة، ليس فقط بسبب غرابة أطوار الرجل العشوائي، ولكن أساسا بسبب اصطدامه بحائط العجز في الميدان الحربي وتطوراته العاصفة، وبسبب الصمود المذهل الذي أبدته إيران في القتال ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وفاق تصورات أشد المتفائلين بحيوية إيران، وحرم العدو من تحقيق هدفه الأول المعلن بإسقاط النظام الإيراني، وكان هدفا لا يستسيغه عاقل عارف بألف باء تكوين نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، ورغم أن القائد الأساسي للحرب الهمجية بنيامين نتنياهو، الذي جرّ ترامب إلى المقامرة الخاسرة، تحدث مؤخرا بلغة دعائية أكثر تحفظا، وحصرها فقط بإضعاف النظام الإيراني تمهيدا لتغييره فيما بعد.
لكن ترامب راح يتحدث بلغة أكثر قطعية وانتفاخا، ويجزم بأنه تم تغيير النظام الإيراني بالفعل، وأنه بذلك تحقق هدف حربه الأول، استنادا إلى أحكام ساذجة، من نوع أنه تم قتل قادة الطبقتين الأولى والثانية من نظام آية الله علي خامنئي، وأن النظام زال بمجرد اغتيال قادته الأولين، وأن القادة الجدد أكثر منطقية وانفتاحا على التفاوض مع واشنطن، رغم أن أي تقدير عاقل يقول العكس بالضبط، فقد نجح النظام الإيراني في تجديد قادته بسلاسة، ولم تضعفه الاغتيالات المتلاحقة للقادة من علي خامنئي إلى علي لاريجاني، وانتقلنا من قيادة خامنئي الأب (86 سنة) إلى قيادة خامنئي الابن مجتبى (56 سنة)، أي أن كل ما فعله العدوان الأمريكي الصهيوني، أن مهد لظهور نسخة أكثر شبابا وحيوية وراديكالية من النظام نفسه، وبالذراع العسكرية نفسها في الحرس الثوري وقوات التعبئة الباسيج والجيش الإيراني، ودونما نجاح يذكر للخطة الساذجة التي ساقها نتنياهو لإقناع ترامب بنصر سريع ساحق، وهي أن الموساد الإسرائيلي قادر على تنظيم ثورة شعبية تخلع النظام فور اغتيال المرشد، ورغم وجود شواهد كثيرة على عمق واتساع اختراقات جهاز الموساد في الداخل الإيراني، التي أفضت إلى الاغتيال السهل للقائد خامنئي وعشرات من القادة العسكريين الكبار في ساعة الحرب الأولى (صباح 28 فبراير 2026)، إلا أن الثورة الموعودة لم تقم أبدا، وامتلأت شوارع طهران ومدن إيران بالناس المؤيدين للنظام لا المعارضين.
وكان الحشد المليوني المناصر للنظام موحيا، وصنع القاعدة الأصلب لبقاء وتجديد النظام، ودعم قيادة مجتبى خامنئي المتواري عن الأنظار لاعتبارات أمنية مفهومة، وفي ظل قصف أمريكي إسرائيلي متصل، تجاوزت أهدافه تدمير 20 ألف موقع في البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية .
وسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات غير مباشرة برعاية باكستان في إسلام أباد بدعم من الصين، وجد ترامب نفسه محشورا في المأزق الذي صنعته أكاذيبه
وكان الصمود الشعبي الإيراني تحت حمم النار، ما جعل الصمود الحربي الإيراني المذهل ممكنا بسلاسة، فقد نجح الحرس الثوري الإيراني في حماية درع إيران شبه الوحيد من المسيرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية المتطورة، وقاد الضربات الصاروخية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية، وفي قلب كيان الاحتلال الإسرائيلي، وبتخطيط ذكي بارع محكم، وضع عينه أولا على تدمير كفاءة نظام الدفاع الجوي الأمريكي الإسرائيلي، وفتح ثغرات اتسعت في نظم الرادارات الأمريكية بالمنطقة، التي يبلغ سعر النظام الواحد منها أكثر من مليار ونصف مليار دولار، وكان نجاح إيران في تحطيم عشرة رادارات أمريكية، ثم نجاح خلطة الصواريخ والطائرات المسيرة، والتنسيق اللحظي بين إطلاق صواريخ إيران وصواريخ حزب الله اللبناني، بما أدى إلى خلق فراغات ونقاط عمياء مميتة في نظام القبة الحديدية الإسرائيلية، نفذت منها صواريخ إيران الأكثر دقة وتطورا، والصواريخ الباليستية الفرط صوتية والانشطارية العنقودية بالذات، وبما ساعد إيران على رد الضربات فورا، وإيقاع أذى مزلزل بالاستحكامات المعادية، وتدمير عدد متزايد من طائرات التزود بالوقود الأمريكية، وصولا إلى تدمير طائرات الإنذار المبكر الأواكس على الأرض، ما مكن نظم الدفاع الجوي الإيراني المتواضع من تهديد وإصابة طائرات إف ـ 35 وإف ـ 15 وإف ـ 18، والحد من خطورة السماء المفتوحة فوق إيران، والمسيطر عليها باطراد من سلاح الجو الأمريكي الإسرائيلي، وإلى حد استخدام البنتاغون للقاذفات النووية من نوع بي ـ 1 وبي ـ 2 وبي ـ 52، وقصف منشآت إيران بالقنابل الأثقل الخارقة للتحصينات من زنة 5 أطنان إلى زنة 14 طنا، ومحاولة الوصول لتدمير المدن الصاروخية الإيرانية في بطون الجبال، وعلى أعماق تصل إلى 500 متر تحت الأرض، بينما لا تستطيع قنابل أمريكا الأثقل الوصول سوى إلى أعماق تقدر بعشرات الأمتار، وهكذا نجت مخزونات إيران الصاروخية ومصانع إنتاجها، وبدا الأداء الإيراني القوي ساخرا مستهزئا بإعلانات أمريكية إسرائيلية زاعقة، زعمت تدمير تسعين في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، وبنت قبابا من الأوهام حول تراجع إطلاقات المسيرات والصواريخ الإيرانية، بينما كانت إيران تغير في نوعية صواريخها ومسيراتها المستخدمة إلى الأشد دقة وتدميرا، وإلى حد أن مسيرة إيرانية متطورة لا تزيد تكلفتها على 20 ألف دولار، نجحت ببساطة في تدمير طائرة إنذار مبكر أمريكية من طراز 3 ـ E، تصل تكلفة بديلتها 2 ـE إلى 700 مليون دولار .
والمشاهد، أن إيران نجحت في مزج التكتيكات الدفاعية والهجومية معا، وردت على استهداف منشآت البترول والمصانع والطاقة بمثلها وأكثر على الجانب الآخر، وكما جرى في مصافي البترول بمدينة حيفا، ومصانع البتروكيماويات في المنطقة الصناعية بجوار بئر السبع، ومواصلة الهجمات المدمرة المنسقة على مناطق تل أبيب الكبرى، وعلى مراكز الاتصالات ومصانع الأسلحة والقواعد العسكرية الإسرائيلية، ما دفع ترامب إلى التهديد بقصف كاسح لمحطات الطاقة والكهرباء في عموم إيران، وكانت إسرائيل توالي قصفها فعلا، وأعطى ترامب لإيران مهلة يومين قبل تنفيذ تهديده، ثم مدد المهلة إلى خمسة أيام فعشرة أيام إضافية إلى 6 أبريل الجاري، وادعى أنه بدأ المفاوضات مع من سماهم القادة المناسبين في إيران، وزعم أنهم قبلوا لائحة شروطه بنقاطها الخمس عشرة، في حين قالت القيادة الإيرانية إنها لا تفاوض ترامب، وإن ما جرى لا يزيد عن تبادل رسائل عبر الوسطاء في مصر وتركيا وباكستان، أو مباشرة من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، وامتنعت طهران عن مجرد مناقشة عروض ترامب وإدارته، وقدمت لائحة شروط معاكسة، تتضمن وقف الحرب نهائيا والتعويضات لإيران والقبول بإدارتها المنفردة لمضيق هرمز.
وسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات غير مباشرة برعاية باكستان في إسلام أباد بدعم من الصين، وجد ترامب نفسه محشورا في المأزق الذي صنعته أكاذيبه عن محو إيران من خرائط الدنيا، وعن ميل إيران لاستسلام بعد تدمير قواتها الجوية التي لم تكن موجودة أصلا، ومن قلب فقاعة أوهامه، فاجأ ترامب الجميع بإعلان عزمه الانسحاب من الحرب في غضون أسبوعين أو ثلاثة، وأعلن للمرة العشرين أنه انتصر وأنجز المهمة، في الوقت الذي كانت فيه حشود أمريكا تتدفق إلى المنطقة، وبينها حاملة طائرات جديدة جورج بوش تضاف إلى سابقتيها إبرهام لينكولن وجيرالد فورد، التي خرجت من الخدمة إلى عمليات صيانة مطولة في دولة كرواتيا، مع تدفق سفن إنزال برمائي، وما يزيد على عشرة آلاف من المارينز والفرقة 82 المحمولة جوا والقوات الخاصة، وبهدف معلن هو اجتياح جزر إيران في الخليج، وبالذات جزيرة خارك عاصمة تصدير البترول الإيراني، وخوض معركة الفتح الإجباري لمضيق هرمز الذي تتحكم به إيران، أو الذهاب مع قوات أخرى إلى إغارات برية أخطر، تقتنص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين في المئة، ووسط كل هذه التحركات العسكرية الصاخبة، أعلن ترامب أنه سينسحب من الحرب كلها، وسواء وافقت إيران على شروطه أم لم توافق، أو فتحت مضيق هرمز أم استمرت في التحكم به، وقال ترامب ببساطة، أن مضيق هرمز ليس من شأن أمريكا، ودعا من يستفيدون من فتح المضيق، أن يقوموا هم بالمهمة التي تنصل منها، وقصد بذلك شركاء أمريكا الأوروبيين الذين عارضوا ذهابه لحرب إيران.
وبالجملة، لم يتراجع ترامب فقط لعقاب الحلفاء الأوروبيين، بل لأنه بات يدرك عواقب أي محاولة اجتياح إيران بريا جزئيا أو كليا، وتلك مهمة تحتاج على الأقل إلى حشد مليون جندي أمريكي، وما من ضمانات لنجاحها في مواجهة مليون جندي إيراني، زادتهم إيران إلى خمسة ملايين بفتح باب التطوع في حملة الروح فداء لإيران، وربما لذلك يفضل ترامب الانسحاب من إيران إلى قوقعة أوهامه وفقاعته الشخصية وهلاوسه الخاصة، بعد أن صدمته جدران العجز المقيم في ميدان الحرب وأهوالها.
لكن ترامب راح يتحدث بلغة أكثر قطعية وانتفاخا، ويجزم بأنه تم تغيير النظام الإيراني بالفعل، وأنه بذلك تحقق هدف حربه الأول، استنادا إلى أحكام ساذجة، من نوع أنه تم قتل قادة الطبقتين الأولى والثانية من نظام آية الله علي خامنئي، وأن النظام زال بمجرد اغتيال قادته الأولين، وأن القادة الجدد أكثر منطقية وانفتاحا على التفاوض مع واشنطن، رغم أن أي تقدير عاقل يقول العكس بالضبط، فقد نجح النظام الإيراني في تجديد قادته بسلاسة، ولم تضعفه الاغتيالات المتلاحقة للقادة من علي خامنئي إلى علي لاريجاني، وانتقلنا من قيادة خامنئي الأب (86 سنة) إلى قيادة خامنئي الابن مجتبى (56 سنة)، أي أن كل ما فعله العدوان الأمريكي الصهيوني، أن مهد لظهور نسخة أكثر شبابا وحيوية وراديكالية من النظام نفسه، وبالذراع العسكرية نفسها في الحرس الثوري وقوات التعبئة الباسيج والجيش الإيراني، ودونما نجاح يذكر للخطة الساذجة التي ساقها نتنياهو لإقناع ترامب بنصر سريع ساحق، وهي أن الموساد الإسرائيلي قادر على تنظيم ثورة شعبية تخلع النظام فور اغتيال المرشد، ورغم وجود شواهد كثيرة على عمق واتساع اختراقات جهاز الموساد في الداخل الإيراني، التي أفضت إلى الاغتيال السهل للقائد خامنئي وعشرات من القادة العسكريين الكبار في ساعة الحرب الأولى (صباح 28 فبراير 2026)، إلا أن الثورة الموعودة لم تقم أبدا، وامتلأت شوارع طهران ومدن إيران بالناس المؤيدين للنظام لا المعارضين.
وكان الحشد المليوني المناصر للنظام موحيا، وصنع القاعدة الأصلب لبقاء وتجديد النظام، ودعم قيادة مجتبى خامنئي المتواري عن الأنظار لاعتبارات أمنية مفهومة، وفي ظل قصف أمريكي إسرائيلي متصل، تجاوزت أهدافه تدمير 20 ألف موقع في البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية .
وسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات غير مباشرة برعاية باكستان في إسلام أباد بدعم من الصين، وجد ترامب نفسه محشورا في المأزق الذي صنعته أكاذيبه
وكان الصمود الشعبي الإيراني تحت حمم النار، ما جعل الصمود الحربي الإيراني المذهل ممكنا بسلاسة، فقد نجح الحرس الثوري الإيراني في حماية درع إيران شبه الوحيد من المسيرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية المتطورة، وقاد الضربات الصاروخية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية، وفي قلب كيان الاحتلال الإسرائيلي، وبتخطيط ذكي بارع محكم، وضع عينه أولا على تدمير كفاءة نظام الدفاع الجوي الأمريكي الإسرائيلي، وفتح ثغرات اتسعت في نظم الرادارات الأمريكية بالمنطقة، التي يبلغ سعر النظام الواحد منها أكثر من مليار ونصف مليار دولار، وكان نجاح إيران في تحطيم عشرة رادارات أمريكية، ثم نجاح خلطة الصواريخ والطائرات المسيرة، والتنسيق اللحظي بين إطلاق صواريخ إيران وصواريخ حزب الله اللبناني، بما أدى إلى خلق فراغات ونقاط عمياء مميتة في نظام القبة الحديدية الإسرائيلية، نفذت منها صواريخ إيران الأكثر دقة وتطورا، والصواريخ الباليستية الفرط صوتية والانشطارية العنقودية بالذات، وبما ساعد إيران على رد الضربات فورا، وإيقاع أذى مزلزل بالاستحكامات المعادية، وتدمير عدد متزايد من طائرات التزود بالوقود الأمريكية، وصولا إلى تدمير طائرات الإنذار المبكر الأواكس على الأرض، ما مكن نظم الدفاع الجوي الإيراني المتواضع من تهديد وإصابة طائرات إف ـ 35 وإف ـ 15 وإف ـ 18، والحد من خطورة السماء المفتوحة فوق إيران، والمسيطر عليها باطراد من سلاح الجو الأمريكي الإسرائيلي، وإلى حد استخدام البنتاغون للقاذفات النووية من نوع بي ـ 1 وبي ـ 2 وبي ـ 52، وقصف منشآت إيران بالقنابل الأثقل الخارقة للتحصينات من زنة 5 أطنان إلى زنة 14 طنا، ومحاولة الوصول لتدمير المدن الصاروخية الإيرانية في بطون الجبال، وعلى أعماق تصل إلى 500 متر تحت الأرض، بينما لا تستطيع قنابل أمريكا الأثقل الوصول سوى إلى أعماق تقدر بعشرات الأمتار، وهكذا نجت مخزونات إيران الصاروخية ومصانع إنتاجها، وبدا الأداء الإيراني القوي ساخرا مستهزئا بإعلانات أمريكية إسرائيلية زاعقة، زعمت تدمير تسعين في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، وبنت قبابا من الأوهام حول تراجع إطلاقات المسيرات والصواريخ الإيرانية، بينما كانت إيران تغير في نوعية صواريخها ومسيراتها المستخدمة إلى الأشد دقة وتدميرا، وإلى حد أن مسيرة إيرانية متطورة لا تزيد تكلفتها على 20 ألف دولار، نجحت ببساطة في تدمير طائرة إنذار مبكر أمريكية من طراز 3 ـ E، تصل تكلفة بديلتها 2 ـE إلى 700 مليون دولار .
والمشاهد، أن إيران نجحت في مزج التكتيكات الدفاعية والهجومية معا، وردت على استهداف منشآت البترول والمصانع والطاقة بمثلها وأكثر على الجانب الآخر، وكما جرى في مصافي البترول بمدينة حيفا، ومصانع البتروكيماويات في المنطقة الصناعية بجوار بئر السبع، ومواصلة الهجمات المدمرة المنسقة على مناطق تل أبيب الكبرى، وعلى مراكز الاتصالات ومصانع الأسلحة والقواعد العسكرية الإسرائيلية، ما دفع ترامب إلى التهديد بقصف كاسح لمحطات الطاقة والكهرباء في عموم إيران، وكانت إسرائيل توالي قصفها فعلا، وأعطى ترامب لإيران مهلة يومين قبل تنفيذ تهديده، ثم مدد المهلة إلى خمسة أيام فعشرة أيام إضافية إلى 6 أبريل الجاري، وادعى أنه بدأ المفاوضات مع من سماهم القادة المناسبين في إيران، وزعم أنهم قبلوا لائحة شروطه بنقاطها الخمس عشرة، في حين قالت القيادة الإيرانية إنها لا تفاوض ترامب، وإن ما جرى لا يزيد عن تبادل رسائل عبر الوسطاء في مصر وتركيا وباكستان، أو مباشرة من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني، وامتنعت طهران عن مجرد مناقشة عروض ترامب وإدارته، وقدمت لائحة شروط معاكسة، تتضمن وقف الحرب نهائيا والتعويضات لإيران والقبول بإدارتها المنفردة لمضيق هرمز.
وسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات غير مباشرة برعاية باكستان في إسلام أباد بدعم من الصين، وجد ترامب نفسه محشورا في المأزق الذي صنعته أكاذيبه عن محو إيران من خرائط الدنيا، وعن ميل إيران لاستسلام بعد تدمير قواتها الجوية التي لم تكن موجودة أصلا، ومن قلب فقاعة أوهامه، فاجأ ترامب الجميع بإعلان عزمه الانسحاب من الحرب في غضون أسبوعين أو ثلاثة، وأعلن للمرة العشرين أنه انتصر وأنجز المهمة، في الوقت الذي كانت فيه حشود أمريكا تتدفق إلى المنطقة، وبينها حاملة طائرات جديدة جورج بوش تضاف إلى سابقتيها إبرهام لينكولن وجيرالد فورد، التي خرجت من الخدمة إلى عمليات صيانة مطولة في دولة كرواتيا، مع تدفق سفن إنزال برمائي، وما يزيد على عشرة آلاف من المارينز والفرقة 82 المحمولة جوا والقوات الخاصة، وبهدف معلن هو اجتياح جزر إيران في الخليج، وبالذات جزيرة خارك عاصمة تصدير البترول الإيراني، وخوض معركة الفتح الإجباري لمضيق هرمز الذي تتحكم به إيران، أو الذهاب مع قوات أخرى إلى إغارات برية أخطر، تقتنص مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين في المئة، ووسط كل هذه التحركات العسكرية الصاخبة، أعلن ترامب أنه سينسحب من الحرب كلها، وسواء وافقت إيران على شروطه أم لم توافق، أو فتحت مضيق هرمز أم استمرت في التحكم به، وقال ترامب ببساطة، أن مضيق هرمز ليس من شأن أمريكا، ودعا من يستفيدون من فتح المضيق، أن يقوموا هم بالمهمة التي تنصل منها، وقصد بذلك شركاء أمريكا الأوروبيين الذين عارضوا ذهابه لحرب إيران.
وبالجملة، لم يتراجع ترامب فقط لعقاب الحلفاء الأوروبيين، بل لأنه بات يدرك عواقب أي محاولة اجتياح إيران بريا جزئيا أو كليا، وتلك مهمة تحتاج على الأقل إلى حشد مليون جندي أمريكي، وما من ضمانات لنجاحها في مواجهة مليون جندي إيراني، زادتهم إيران إلى خمسة ملايين بفتح باب التطوع في حملة الروح فداء لإيران، وربما لذلك يفضل ترامب الانسحاب من إيران إلى قوقعة أوهامه وفقاعته الشخصية وهلاوسه الخاصة، بعد أن صدمته جدران العجز المقيم في ميدان الحرب وأهوالها.
نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 15:35
رأي: عبدالحليم قنديل كاتب مصري


