اتصل بنا
 

سباق التسلح .. حين تتحول منطقتنا إلى حقل تجارب وصولاً إلى إيران وما بعدها

نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 15:39

نيسان ـ لماذا تُصرّ إسرائيل على اغتيال القيادات في إيران وحزب الله وحماس، بينما تُظهر المعركة أن القتال لا يتراجع بل يزداد شدة، وأن القدرة الصاروخية لدى هذه الأطراف لم تتأثر جوهرياً؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه من زاوية واحدة، لأن ما يجري ليس خطأ تكتيكياً بسيطاً، بل نتيجة تحول عميق في طبيعة الحرب نفسها.
إسرائيل ما زالت تعمل وفق منطق تقليدي مفاده أن شلّ القيادة يؤدي إلى شلّ المنظومة. هذه الفرضية كانت صحيحة في حروب سابقة، حين كانت الجيوش أو التنظيمات تعتمد على مركز قرار واحد يوجّه ويضبط إيقاع العمليات. لكن هذا النموذج لم يعد قائماً بالشكل ذاته لدى خصومها اليوم.
إيران وحلفاؤها بنوا خلال السنوات الماضية نموذجاً مختلفاً، يقوم على توزيع القرار، وتفويض الصلاحيات، وإعداد الوحدات الميدانية للعمل وفق خطط مسبقة في حال غياب القيادة. لذلك، فإن اغتيال القادة لم يعد يؤدي إلى توقف العمليات، بل في كثير من الأحيان يؤدي إلى تسريعها ضمن مسارات جاهزة سلفاً.
لكن التحول الأهم لا يتعلق فقط بطريقة اتخاذ القرار، بل بطبيعة السلاح المستخدم.
القدرة القتالية لم تعد مرتبطة بإدارة لحظية من القيادة، بل أصبحت قائمة على أنظمة جاهزة للإطلاق والتشغيل، وعلى رأسها الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، والطائرات المسيّرة، والصواريخ ذات الرؤوس المتعددة أو الذخائر المتشظية. هذه الأدوات صُممت لتعمل حتى في بيئة فقدان الاتصال أو غياب التوجيه المركزي.
وهنا تحديداً يتغير ميزان المعركة.
عندما يتحول الصاروخ الواحد إلى عدة رؤوس أو عدة أجسام في الجو، فإن منظومات الدفاع الجوي لا تواجه هدفاً واحداً، بل مجموعة أهداف في اللحظة نفسها. هذا لا يعني انهيار الدفاع، لكنه يعني استنزافه، ورفع كلفة الاعتراض، وزيادة احتمال مرور جزء من الهجوم.
وفي حروب من هذا النوع، لا تحتاج إلى اختراق شامل، بل يكفي اختراق محدود ليُحدث أثراً استراتيجياً ونفسياً كبيراً.
من هنا نفهم المفارقة الأساسية: إسرائيل تستهدف الرأس، بينما يطوّر خصومها أدوات قتال لا تعتمد على الرأس بالدرجة نفسها. لذلك، لا تنعكس الاغتيالات على تراجع القدرة القتالية، بل قد تترافق مع تصعيد مدروس مسبقاً.
هذا لا يعني أن إسرائيل تفشل بالكامل، فهي تحقق اختراقات أمنية عميقة وتفرض معادلة أن القيادات مكشوفة، لكن هذه النجاحات لا تتحول إلى نتيجة حاسمة في الميدان، لأن بنية الخصم لم تعد قابلة للانهيار عبر استهداف القمة.
في المقابل، تتعرض منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية لضغط متزايد، ليس لأنها غير فعالة، بل لأنها تعمل في بيئة صاروخية أكثر تعقيداً من السابق، حيث يتحول التهديد من صاروخ منفرد إلى سحابة من الأجسام المتعددة، ما يفرض معادلة استنزاف مستمرة.
انعكاسات هذا التحول لا تتوقف عند حدود إسرائيل. الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، أصبح جزءاً من هذه البيئة الصاروخية، حتى دون أن يكون طرفاً في الصراع. عبور الصواريخ أو أجزائها، وسقوط الحطام أو الرؤوس المنفصلة، لم يعد احتمالاً نظرياً، بل واقعاً متكرراً، يفرض تحديات أمنية وفنية وسياسية في آن واحد.
فالتعامل مع أجسام متعددة في الجو يرفع من تعقيد القرار الدفاعي، ويزيد من مخاطر السقوط العشوائي، ويضع الدولة أمام معادلة دقيقة بين حماية السيادة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة لا تريدها.
وفي موازاة هذا المشهد الميداني، يتشكل مسار آخر أقل وضوحاً لكنه أكثر تأثيراً، وهو سباق التسلح التقني خارج ساحة المعركة المباشرة. خلال السنوات الأخيرة، لم يقتصر التطور على زيادة عدد الصواريخ، بل شمل نقلة نوعية في طبيعتها، من رؤوس تفجيرية محدودة إلى حمولات ثقيلة تتجاوز في بعض الحالات أوزاناً كبيرة، وصولاً إلى تقنيات تعدد الرؤوس التي تسمح بانتشار الضربة على نطاق جغرافي أوسع وإحداث تأثير تدميري مركب.
في المقابل، لم تبقَ منظومات الدفاع الجوي ثابتة، بل دخلت هي الأخرى مرحلة تطوير نوعي، مع بروز تقنيات تعتمد على الطاقة الموجهة، وعلى رأسها أنظمة الليزر، التي تبدو واعدة في تقليل كلفة الاعتراض وزيادة القدرة على التعامل مع الأهداف المتعددة، سواء كانت صواريخ تقليدية أو ذات رؤوس متعددة.
هذا التفاعل بين تطوير القدرة الهجومية وتطوير القدرة الدفاعية يعكس سباقاً محموماً للسيطرة على سماء المعركة، ليس فقط بين جيوش نظامية، بل أيضاً بين جيوش وتنظيمات تمتلك مستويات متقدمة من التسليح التقني.
غير أن الأخطر في هذا المشهد، أن الجهات التي تقود تطوير هذه التقنيات الهجومية والدفاعية لا تختبرها في فراغ، بل تجد في منطقتنا ميداناً عملياً لتجريبها وتطويرها. من غزة إلى لبنان، مروراً بالأردن والخليج العربي، وصولاً إلى إيران، وربما ما بعد إيران، تتحول الجغرافيا إلى ساحة اختبار مفتوحة، تُقاس فيها فعالية الصواريخ، وتُختبر فيها كفاءة أنظمة الدفاع، وتُعاد صياغة معادلات الردع على حساب أمن واستقرار دول المنطقة.
وهنا يبرز السؤال الأعمق: من يقود هذا السباق؟ ومن يغذّيه؟ وهل نحن أمام تطور طبيعي في أدوات الحرب، أم أمام إعادة تشكيل مقصودة لمعادلات القوة، بحيث تقترب الأسلحة التقليدية تدريجياً من حدود التأثير التدميري الذي كان حكراً على أسلحة أشد فتكاً؟
قصر الكلام: الاغتيال قد يربك، لكنه لم يعد يحسم. وفي زمن الصواريخ متعددة الرؤوس والحروب اللامركزية، لا تُقاس القوة بمن يسقط القادة، بل بمن يستطيع الاستمرار في القتال بعد سقوطهم، وبمن يملك القدرة على مواكبة سباق تسلح لا يجري في الميدان فقط، بل في العقول والمختبرات، بينما تُختبر نتائجه فعلياً فوق سماء منطقتنا.

نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 15:39


رأي: المهندس سعيد بهاء المصري

الكلمات الأكثر بحثاً