اتصل بنا
 

اغتيالُ الحقيقة في سوقِ الوجوه

كاتبة جزائرية

نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 21:24

نيسان ـ يا هذا العصرُ المتخمُ بالصورِ الفقيرُ إلى البصائر، ما بالُ الناسِ فيه كالأطيافِ تمرُّ ولا تُقيم، وتضحكُ ولا تفرح، وتجتمعُ ولا تلتقي؟
أفي كثرةِ الوجوهِ غِنًى، أم في صدقِ الوجدانِ اكتفاء؟
لقد غدا الإنسانُ في زماننا هذا صانعَ مظهره، غريبًا عن جوهره، يَحسنُ تقديمَ نفسِه، ويُسيءُ معرفةَ ذاتِه. فهو بين صورتين، صورةٍ تُزيَّن وتُعرَض، وحقيقةٍ تُهمَل وتُقصى، فيُقبل على الأولى إقبالَ المُغرم، ويُعرض عن الثانية إعراضَ الخائف، حتى إذا خلا إلى نفسِه، ألفاها قفرًا لا أنيس فيه، وصمتًا لا صدى له.
أيُّ مفارقةٍ هذه التي جعلت من القربِ بُعدًا، ومن الحضورِ غيابًا؟ أضحى الناسُ يلتقون ولا يتلاقون، ويتحادثون ولا يتحاورون، ويتقاسمون الصورَ ولا يتقاسمون الشعور، كأنّ القلوبَ قد استُبدلت بأقنعة، وكأنّ الأرواحَ قد آثرت السطحَ على العمق، فصارت تكتفي بلمعان اللحظة، وتزهد في دفءِ المعنى.
إنها وحقِّ البيان ليست عِلّةَ زمان، بل علّةُ إنسان حين يختل ميزانُه ، فغلب ظاهرُه باطنَه، وارتفع صوتُه على صمتِه، وانصرف عن محاسبة نفسِه إلى ملاحقة نظرِ غيره، فصار يُجاملُ وَهمَه، ويُساجلُ صورتَه، ويُراهن على إعجابٍ عابرٍ لا يلبث أن ينطفئ، تاركًا وراءه فراغًا يتسع كلما ازداد بريقُه خفوتًا.
وإذا كانت الحضارةُ تُقاس بقدرتها على بناء الجسور، فإننا اليوم نبني جسورًا من هواء، تمتدُّ بيننا خطوطٌ لا تُفضي إلى لقاء، وتتشابكُ شبكاتٌ لا تُنبتُ أُلفة، إننا نملكُ كلَّ أسبابِ الاتصال، ونفقدُ أبسطَ شروطِ التواصل، وتلك أشدُّ المفارقات إيلامًا، أن تكثر الوسائطُ ويقلَّ الوسيطُ، وأن يحضر كلُّ شيءٍ إلا الإنسان.
فأيُّ نجاةٍ تُرتجى في زمنٍ يُصفّق فيه للظهور، ويُغفل فيه الحضور؟ وأيُّ سلامٍ يُنال، والمرءُ شاهدٌ على تآكله، لا يُبادر إلى رتقِ ما انفتق، ولا إلى ترميمِ ما تهاوى؟ إنّ البداية وإن بدت يسيرة عسيرة أن يعود الإنسانُ إلى نفسِه، يُنصتُ لصمتِها، ويُصالحُ حقيقتَها، ويُقيمُ لها وزنًا بعد طولِ إهمال.
فلعلّ في الصمتِ بصيرةً، وفي الصدقِ نجاة، وفي قِلّةِ الادّعاء كثرةَ حياة، ومن لم يجد نفسَه في خلوته، فلن يجدها في زحامٍ لا يرحم، وإنّما المعنى كل المعنى أن تكونَ كما أنت، لا كما يُراد لك أن تكون.

نيسان ـ نشر في 2026-04-04 الساعة 21:24


رأي: مريم عرجون كاتبة جزائرية

الكلمات الأكثر بحثاً