حروب الفرنجة (الصليبيين) ثمة ما يدعو إلى التذكر والتفكر
إبراهيم غرايبة
كاتب اردني
نيسان ـ نشر في 2026-04-06 الساعة 10:31
نيسان ـ وصف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن حربه على العراق وأفغانستان أنها حرب صليبية. ولم يكن ترمب بعيدا عن هذا التفكير والاستحضار. ولعلها مناسبة للتأمل في تلك الحروب التي مرّ عليها ألف عام، وكانت مليئة بالتحولات والاحداث المخفية، كما أنها أسست لمرحلة مازالت هي المكون الرئيسي في الحاضر القائم اليوم.
بدأت الحروب الصليبية عام 1099م وانتهت عام م1292 وأسماها أصحابها حربا صليبية وكان العرب يسمونها حروب الفرنجة. وقد بدأ التفكير الفعلي في الحرب بعد معركة "ملاذ كرد" عام م1071 وشعور الممالك الأوروبية الصاعدة بضعف الامبراطورية البيزنطية، حيث تعرضت لهزيمة كبرى أمام السلاجقة، وبدا للغرب أنها توشك على الانهيار. وقد سبق ذلك الإعلان الرسمي لانفصال الكنيسة الشرقية في القسطنطينية عن كنيسة روما عام 1054م. وبلغت ذروتها مرحلة القطيعة والعداء بين الشرق البيزنطي والغرب الأوروبي. لكن القطيعة بدأت فعلا قبل ذلك بكثير، عندما انقسمت الامبراطورية الى امبراطوريتين عام 395م، ثم سقوط روما عام 476م، ودخول أوروبا في مرحلة من الضياع والانهيار، يقابلها صعود وازدهار القسطنينية (العرب هم الذين سموها القسطنطينية وأما اهلها فقد كانوا يسمونها استنبول اي العاصمة أو المركز، وقبل ذلك كان اسمها بيزنطة) وتخلت بيزنطة عن اللغة اللاتينية وصارت اليونانية لغة الامبراطورية والكنيسة والثقافة، ونشأت فجوة دينية وثقاقية وسياسية كبيرة بين بيزنطة القوية المزدهرة وأوروبا المتخلفة التي وقعت بيد البرابرة، ووصل الأمر بملوك أوروبا الصاعدين بعد قرون من الضعف والهوان أن يتحالفوا مع العباسيين ضد البيزنطيين (شارلمان وهارون الرشيد)
وكما يحدث دائما في حركة التاريخ فقد ضعفت الامبراطورية العباسية واستولت الامبراطورية الفاطمية المنافسة لها على مصر وشمال افريقيا وأجزاء واسعة من بلاد الشام، وضعفت أيضا الامبراطورية البيزنطية. وفي الوقت نفسه صعدت الممالك الأوروبية مزودة بحلم الاستيلاء على الشرق.
احتل الصليبيون القدس عام 1099 وقتلوا سبعين ألفا من اهلها وكان أكثرهم من المسيحيين واليهود، واحتلوا الرها (أورفا) عام 1098 وقتلوا حوالي مائة ألف من أهلها ومعظمهم من المسيحيين. لقد كانت الرها مركزا مسيحيا عظيما يزيد أهمية على القسطنطينية وروما والاسكندرية، بل إنها المهد المؤسسي للمسيحية، فقد كانت مركز اول مملكة مسيحية في أواخر القرن الأول الميلادي قبل تحول البيزنطيين الى المسيحية بأكثر من مائتي سنة، وكانت على مدار تاريخها منارة علمية ودينية وواصلت مركزيتها الثقافية والدينية في العصور العربية الإسلامية. ثم احتل الصليبيون القسطنطينية نفسها واستباحوا المدينة واهلها، ودخل البيزنطينون رسميا في حرب مع الصليبيين ومازالت فظائع الفرنجة تمثل ذاكرة عميقة في المسحية الشرقية مليئة بالمرارة أكثر من ذكريات المسلمين.
بدأ العرب سلسلة من الحروب والصراعات في مواجهة الفرنجة، فاستردّ آل زنكي الرها عام 1144م، ثم زحف جيش محمود نور الدين زنكي إلى بلاد الشام بقيادة شيركوه وكانت مصر وبلاد الشام بيد الفاطميين. وبدأت شوكة الفرنجة تضعف وينحسر وجودهم في بلاد الشام بعد معركة حطين1187م . وصارت أعمالهم العسكرية عمليات انتحارية ضد العرب. وعلى سبيل المثال ففي عام 1218م أغرق مائة من فرسان الهيكل سفينة تحمل أكثر من ألف عربي وماتوا جميعا. العرب والفرسان الفرنجة.
في عام 1168م حاصر الفرنجة والفاطميون معا الاسكندرية التي استولت عليها كتيبة تابعة للاتابكة الزنكيين بقيادة صلاح الدين وكان قائدا عسكريا من الدرجة الثانية يعمل تحت إمرة عمه شيركوه الذي كان قائدا تابعا للزنكيين (محمود نور الدين زنكي ابن عماد الدين زنكي) وبعد 75 يوما من الحصار استولى الفاطميون والفرنجة على الاسكندرية وأسروا صلاح الدين. ولفت صلاح الدين اهتمام الفرنجة بشخصيته الكارزمية. وتقول بعض المصادر الأوروبية الأقرب إلى الإشاعة أن صلاح الدين عمد في الأسر فارسا مسيحيا. وترقى مصادر شعبية مثل ديكاميرون وغيرها وهي مائة قصة إيطالية كتبت في القرن الرابع عشر بصلاح الدين إلى مرتبة القديسين وأنه كان يملك كرامات تشبه الكرامات المنسوبة لسليمان وداود مثل إخضاعه الريح والسحاب.
بعد ذلك بسنوات قليلة صار الشاب صلاح الدين وزيرا في الخلافة الفاطمية وهو منصب يشبه اليوم رئيس الوزراء في نظام ملكي أو رئاسي دستوري يمنح رئيس الوزراء السلطة التنفيذية ويكون فيه الخليفة أو الملك رمزيا، مثل الخليفة العباسي في دولة المماليك التي كانت رمزيا او اسميا خلافة عباسية. ثم قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية والزنكية وصار سلطانا يتبع رمزيا للخليقة العباسي في بغداد لكنه يتمتع بالسلطة والنفوذ مستقلا تماما وصار يحكم مصر والشام واليمن. واكتسب حتى اليوم كارزما وشعبية كبيرة بين العرب سمحت له بقتل العالم الفيلسوف الصوفي شهاب الدين السهروردي، وأن يعقد معاهدات مع الفرنجة منحتهم امتيازات كثيرة أو كانت في غاية التسامح معهم. وربما يكون هذا مصدر احترامه وحتى تقديسه لدى الفرنجة والاوروبيين، وفي الواقع فقد كان من القوة والنفوذ والتأثير ما جعله لا يحتاج الى القوة العسكرية المباشرة. أو على المبدأ السياسي إذا كنت لا تحتاج إلى السيف فلا تستخدمه.
بعد موت صلاح الدين أعاد خلفاؤه من عائلته القدس إلى الفرنجة. لكن الأوروبيين نكصوا بفعل الهزيمة إلى التطرف فلم يتعاونوا مع الملك فريدريك الذي حاول أن يكون مثل صلاح الدين معتدلا متسامحا مع العرب والفرنجة وكان يتكلم العربية بطلاقة، فأعيدت القدس إلى العرب مرة أخرى بعد عشر سنوات من حكمها من قبل الفرنجة الألمان (1229 - 1239) وبقبت القدس ومحيطها والطرق المؤدية إليها بعد ذلك لسنوات طويلة مهجورة تعيش في الفوضى وتتعرض لهجوم البدو وقطاع الطرق حتى أعاد الظاهر بيبرس (1261 - 1277) الاستقرار والازدهار بالقلاع والحاميات وإنعاش القداسة الإسلامية وبناء مقامات الأنبياء في المناطق الاستراتيجية، مثل مقام النبي صالح في رام الله ومقام النبي موسى في أريحا ومقام النبي هارون في البتراء، وتوطين العلماء والصوفيين في المدينة وبناء الخانقا والتكايا والاوقاف التي تنفق على التفرغ الديني وشبه الرهبنة الإسلامية، وأنشئت طقوس وممارسات دينية إسلامية تتزامن مع الجج المسيحي واليهودي؛ ما جعل أعدادا كبيرةمن المسلمين تفد الى المدينة وتساهم في حماية قوافل الحجاج المسيحيين واليهود. أنشأت الحيلة الاستراتيحية مشهدا بديعا من التنوع والتعايش الديني، وتواصل الحال مع العثمانيين ومازال المسيحيون واليهود حتى اليوم يعدون السلطان العثماني سليمان قديسا عظيما واستمر الحال حتى الحرب العالمية الأولى. فظنّ المنتصرون أن الانتصار يمكنهم من الغطرسة ومعاندة التاريخ والجغرافيا. لكن تعود السيول دائما إلى مجاريها.
في 12 تموز 1221 زحف خمسون ألفا من الفرنجة برا ونهرا (النيل) مدفوعون بردة الفعل على الهزيمة والتطرف والاستهتار الناشئين عن الفشل. وتركهم المصريون يتوغلون ثم أبادوهم جميعا ومن نجا منهم استلسم للاسر. يقول مونتغيو قائد فرسان الهيكل الذي كان في الحملة صرنا مثل السمك في المصايد.
في عام 1249 وصلت الحملة الصليبية الفرنسية (الموجة الأخيرة) إلى أنطاكيا، آلاف الفرسان وعشرات آلاف المقاتلين، وعشرات آلاف الحجاج. بقيادة ملك فرنسا لويس، وتحركت الحملة بحرا من أنطاكيا إلى قبرص ثم دمياط. تاركة جميع الحجاح وغير المقاتلين في انطاكيا وهم عشرات الآلاف تحت رحمة العرب، ولا يعرف حتى اليوم مصير هؤلاء! وأما الجيش الذي تحرك في مئات السفن. فقد تركه القائد العسكري بيبرس يتوغل في دمياط ثم المنصورة، وهناك اطبق عليه مع مقاتليه الخوارزميين الذين يوصفون بالشراسة والقوة غير المعهودة وتقول المصادر الغربية إنه في حين كان الفرنجة يتسلون بتبادل الزوجات كان الخوارزميون يتسلون بشوي الكلاب والأسرى والقتلى وشرب حليب الخيل المخمّر وتعذيب الأعداء والخصوم بـ "المقشرة" التي تسحق جلودهم ولحومهم وعظامهم بعد ثلاثة أيام من التعذيب ثم يحولونهم إلى وجبة طعام، وتحول جيش لويس إلى قتلى وأسرى ولم ينج من القتل أو الأسر أحد بمن فيهم الملك لويس الذي افتدى نفسه بمائة الف بيزنطة (قطعة ذهبية بيزنطية)، ولأنه وافق على الفدية من غير نقاش فقد منحه السلطان خصما بمقدار الخمس. عاد لويس مرة أخرى بعد عشرين سنة (1271) ليقاتل مرة أخرى، لكنه مات في عكا التي وصلها مريضا.
بقيت عكا وبعض القلاع على الساحل بيد الفرنجة كما يقضى اتفاق مع صلاح الدين، ولم يكن المماليك تعجبهم هذه المعاهدة، لكنهم تحملوها على مضض. وفي عام 1291 زحف إليها جيش المماليك المكون من ستين ألف فارس ومائةوستين ألف مقاتل من المشاة، وحاصروا المدينة التي ظلت معزولة تحت الحصار ولم يتقدم أحد لمساعدتها من الفرنجة والبيزنطيين وحتى قبرص القريبة منها، وظلّ فرنجة عكا وفرسانها يواجهون الحصار وحدهم بيأس. كان المماليك مقاتلين محترفين معزولين عن العرب ولا يعرفون من السياسية سوى القتال، وليس لديهم اعتبارات وحسابات مثل صلاح الدين. فقتلوا أعدادا كبيرة من الفرسان والمقاتلين والمقاومين، ثم خرج الفرنجة في فوضى وهلع، وقد غرقت بالهاربين بعض السفن بسبب الحمولة الزائدة ومنهم بطريرك المدينة.
عندما انتهت الحروب الصليبية عاد فرسان الهيكل (وكانوا يسمون أيضا الإخوان!ومن الملفت أن الإخوان المسلمين يستخدمون مصطلحاتهم ورتبهم مثل معلم ورقيب ونقيب وأخ، وطريقتهم في التنظيم والتراتيبة والتقاليد الجماعية) إلى أوروبا، وهم وكانوا حوالي ثلاثين ألف فارس مدرب ومعبأ أيديولوجيا، وكانوا القوة الرئيسية الضاربة في الحروب الصليبية على مدى مائتي سنة، وامتلكوا بسبب ذلك نفوذا هائلا لدى الفاتيكان وممالك الفرنجية وامتلكوا أموالا طائلة حتى صار لديهم خزائن من الذهب والأموال ويقرضون الملوك والنبلاء، وكانوا يملكون شبكة واسعة من القلاع والاراضي والعقارات المنتشرة في جميع أنحاء أوروبا يعيشون فيها في عزلة متفرغين للقتال والتدريب والصلاة؛ بدأوا على الفور يتعرضون للتضييق حتى أبيدوا نهائيا وأعدم كل من قبض عليه منهم وعذب تعذيبا شنيعا واستولى الملوك والباباوات والبطاركة على اموالهم وقلاعهم.
.. ثم جاء الطاعون وفتك بالعرب والفرنجة معا. وتقدم الشمال البارد الذي نجا من الطاعون واستولى على الجنوب المطعون، فاستولى العثمانيون (قبيلة مغولية جاءت من التاي (اليوم هي جزء من الصين) على مصر والشام والعراق والجزيرة العربية واليمن وأجزاء واسعة من أوروبا، واستولى الشمال الإسباني على الجنوب (الأندلس)
ومما يبدو اليوم مفارقة في الصراع، أن اليهود أبعدوا من القدس منذ عام 135م بعد مذبحة كبيرة نفذها الرومان بحق اليهود، ولم يعودوا إليها إلا على يد العرب عام 637م ثم أبعدوا بقسوة من القدس وكل مكان كان يسيطر عليه الفرنجة، ولم يعودوا إليها إلا بعد عام 1187 بعد معركة حطين، ويحتفل اليهود حتى اليوم بمعركة حطين باعتبارها قصة تاريخية رمزية تؤسس لعودتهم إلى القدس وفلسطين. لقد كان اليهود حلفاء دائمين للعرب وكانوا أعداء دائمين للمسيحيين وقبلهم الرومان واليونان.
لكن المفارقة الكبرى أن الفرنجة استباحوا المدينة المقدسة ودمروها، وكانت في عهد البيزنطيين حتى بعد تحولهم الى المسيحية مهملة وفي حالة مزرية، وأن العرب دخلوا القدس (عمر وصلاح الدين) دون ان يريقوا دما. بل إن قصة دخول عمر إلى المدينة تبدو مطابقة لسفر اشعياء حيث جاء الى المدينة يقود جمله ويسير بتواضع واحترام كبير للمدينة ويرتدي ملابس بيضاء بسيطة. وقام بنفسه مع العرب بتنظيف ساحات المدينة وترميمها. يقول ابن سعد في كتابه "الطبقات" إن أهل الكتاب هم الذين سموا عمر "الفاروق" وتعني الكلمة في أصلها اليوناني "المنتظر".
بدأت الحروب الصليبية عام 1099م وانتهت عام م1292 وأسماها أصحابها حربا صليبية وكان العرب يسمونها حروب الفرنجة. وقد بدأ التفكير الفعلي في الحرب بعد معركة "ملاذ كرد" عام م1071 وشعور الممالك الأوروبية الصاعدة بضعف الامبراطورية البيزنطية، حيث تعرضت لهزيمة كبرى أمام السلاجقة، وبدا للغرب أنها توشك على الانهيار. وقد سبق ذلك الإعلان الرسمي لانفصال الكنيسة الشرقية في القسطنطينية عن كنيسة روما عام 1054م. وبلغت ذروتها مرحلة القطيعة والعداء بين الشرق البيزنطي والغرب الأوروبي. لكن القطيعة بدأت فعلا قبل ذلك بكثير، عندما انقسمت الامبراطورية الى امبراطوريتين عام 395م، ثم سقوط روما عام 476م، ودخول أوروبا في مرحلة من الضياع والانهيار، يقابلها صعود وازدهار القسطنينية (العرب هم الذين سموها القسطنطينية وأما اهلها فقد كانوا يسمونها استنبول اي العاصمة أو المركز، وقبل ذلك كان اسمها بيزنطة) وتخلت بيزنطة عن اللغة اللاتينية وصارت اليونانية لغة الامبراطورية والكنيسة والثقافة، ونشأت فجوة دينية وثقاقية وسياسية كبيرة بين بيزنطة القوية المزدهرة وأوروبا المتخلفة التي وقعت بيد البرابرة، ووصل الأمر بملوك أوروبا الصاعدين بعد قرون من الضعف والهوان أن يتحالفوا مع العباسيين ضد البيزنطيين (شارلمان وهارون الرشيد)
وكما يحدث دائما في حركة التاريخ فقد ضعفت الامبراطورية العباسية واستولت الامبراطورية الفاطمية المنافسة لها على مصر وشمال افريقيا وأجزاء واسعة من بلاد الشام، وضعفت أيضا الامبراطورية البيزنطية. وفي الوقت نفسه صعدت الممالك الأوروبية مزودة بحلم الاستيلاء على الشرق.
احتل الصليبيون القدس عام 1099 وقتلوا سبعين ألفا من اهلها وكان أكثرهم من المسيحيين واليهود، واحتلوا الرها (أورفا) عام 1098 وقتلوا حوالي مائة ألف من أهلها ومعظمهم من المسيحيين. لقد كانت الرها مركزا مسيحيا عظيما يزيد أهمية على القسطنطينية وروما والاسكندرية، بل إنها المهد المؤسسي للمسيحية، فقد كانت مركز اول مملكة مسيحية في أواخر القرن الأول الميلادي قبل تحول البيزنطيين الى المسيحية بأكثر من مائتي سنة، وكانت على مدار تاريخها منارة علمية ودينية وواصلت مركزيتها الثقافية والدينية في العصور العربية الإسلامية. ثم احتل الصليبيون القسطنطينية نفسها واستباحوا المدينة واهلها، ودخل البيزنطينون رسميا في حرب مع الصليبيين ومازالت فظائع الفرنجة تمثل ذاكرة عميقة في المسحية الشرقية مليئة بالمرارة أكثر من ذكريات المسلمين.
بدأ العرب سلسلة من الحروب والصراعات في مواجهة الفرنجة، فاستردّ آل زنكي الرها عام 1144م، ثم زحف جيش محمود نور الدين زنكي إلى بلاد الشام بقيادة شيركوه وكانت مصر وبلاد الشام بيد الفاطميين. وبدأت شوكة الفرنجة تضعف وينحسر وجودهم في بلاد الشام بعد معركة حطين1187م . وصارت أعمالهم العسكرية عمليات انتحارية ضد العرب. وعلى سبيل المثال ففي عام 1218م أغرق مائة من فرسان الهيكل سفينة تحمل أكثر من ألف عربي وماتوا جميعا. العرب والفرسان الفرنجة.
في عام 1168م حاصر الفرنجة والفاطميون معا الاسكندرية التي استولت عليها كتيبة تابعة للاتابكة الزنكيين بقيادة صلاح الدين وكان قائدا عسكريا من الدرجة الثانية يعمل تحت إمرة عمه شيركوه الذي كان قائدا تابعا للزنكيين (محمود نور الدين زنكي ابن عماد الدين زنكي) وبعد 75 يوما من الحصار استولى الفاطميون والفرنجة على الاسكندرية وأسروا صلاح الدين. ولفت صلاح الدين اهتمام الفرنجة بشخصيته الكارزمية. وتقول بعض المصادر الأوروبية الأقرب إلى الإشاعة أن صلاح الدين عمد في الأسر فارسا مسيحيا. وترقى مصادر شعبية مثل ديكاميرون وغيرها وهي مائة قصة إيطالية كتبت في القرن الرابع عشر بصلاح الدين إلى مرتبة القديسين وأنه كان يملك كرامات تشبه الكرامات المنسوبة لسليمان وداود مثل إخضاعه الريح والسحاب.
بعد ذلك بسنوات قليلة صار الشاب صلاح الدين وزيرا في الخلافة الفاطمية وهو منصب يشبه اليوم رئيس الوزراء في نظام ملكي أو رئاسي دستوري يمنح رئيس الوزراء السلطة التنفيذية ويكون فيه الخليفة أو الملك رمزيا، مثل الخليفة العباسي في دولة المماليك التي كانت رمزيا او اسميا خلافة عباسية. ثم قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية والزنكية وصار سلطانا يتبع رمزيا للخليقة العباسي في بغداد لكنه يتمتع بالسلطة والنفوذ مستقلا تماما وصار يحكم مصر والشام واليمن. واكتسب حتى اليوم كارزما وشعبية كبيرة بين العرب سمحت له بقتل العالم الفيلسوف الصوفي شهاب الدين السهروردي، وأن يعقد معاهدات مع الفرنجة منحتهم امتيازات كثيرة أو كانت في غاية التسامح معهم. وربما يكون هذا مصدر احترامه وحتى تقديسه لدى الفرنجة والاوروبيين، وفي الواقع فقد كان من القوة والنفوذ والتأثير ما جعله لا يحتاج الى القوة العسكرية المباشرة. أو على المبدأ السياسي إذا كنت لا تحتاج إلى السيف فلا تستخدمه.
بعد موت صلاح الدين أعاد خلفاؤه من عائلته القدس إلى الفرنجة. لكن الأوروبيين نكصوا بفعل الهزيمة إلى التطرف فلم يتعاونوا مع الملك فريدريك الذي حاول أن يكون مثل صلاح الدين معتدلا متسامحا مع العرب والفرنجة وكان يتكلم العربية بطلاقة، فأعيدت القدس إلى العرب مرة أخرى بعد عشر سنوات من حكمها من قبل الفرنجة الألمان (1229 - 1239) وبقبت القدس ومحيطها والطرق المؤدية إليها بعد ذلك لسنوات طويلة مهجورة تعيش في الفوضى وتتعرض لهجوم البدو وقطاع الطرق حتى أعاد الظاهر بيبرس (1261 - 1277) الاستقرار والازدهار بالقلاع والحاميات وإنعاش القداسة الإسلامية وبناء مقامات الأنبياء في المناطق الاستراتيجية، مثل مقام النبي صالح في رام الله ومقام النبي موسى في أريحا ومقام النبي هارون في البتراء، وتوطين العلماء والصوفيين في المدينة وبناء الخانقا والتكايا والاوقاف التي تنفق على التفرغ الديني وشبه الرهبنة الإسلامية، وأنشئت طقوس وممارسات دينية إسلامية تتزامن مع الجج المسيحي واليهودي؛ ما جعل أعدادا كبيرةمن المسلمين تفد الى المدينة وتساهم في حماية قوافل الحجاج المسيحيين واليهود. أنشأت الحيلة الاستراتيحية مشهدا بديعا من التنوع والتعايش الديني، وتواصل الحال مع العثمانيين ومازال المسيحيون واليهود حتى اليوم يعدون السلطان العثماني سليمان قديسا عظيما واستمر الحال حتى الحرب العالمية الأولى. فظنّ المنتصرون أن الانتصار يمكنهم من الغطرسة ومعاندة التاريخ والجغرافيا. لكن تعود السيول دائما إلى مجاريها.
في 12 تموز 1221 زحف خمسون ألفا من الفرنجة برا ونهرا (النيل) مدفوعون بردة الفعل على الهزيمة والتطرف والاستهتار الناشئين عن الفشل. وتركهم المصريون يتوغلون ثم أبادوهم جميعا ومن نجا منهم استلسم للاسر. يقول مونتغيو قائد فرسان الهيكل الذي كان في الحملة صرنا مثل السمك في المصايد.
في عام 1249 وصلت الحملة الصليبية الفرنسية (الموجة الأخيرة) إلى أنطاكيا، آلاف الفرسان وعشرات آلاف المقاتلين، وعشرات آلاف الحجاج. بقيادة ملك فرنسا لويس، وتحركت الحملة بحرا من أنطاكيا إلى قبرص ثم دمياط. تاركة جميع الحجاح وغير المقاتلين في انطاكيا وهم عشرات الآلاف تحت رحمة العرب، ولا يعرف حتى اليوم مصير هؤلاء! وأما الجيش الذي تحرك في مئات السفن. فقد تركه القائد العسكري بيبرس يتوغل في دمياط ثم المنصورة، وهناك اطبق عليه مع مقاتليه الخوارزميين الذين يوصفون بالشراسة والقوة غير المعهودة وتقول المصادر الغربية إنه في حين كان الفرنجة يتسلون بتبادل الزوجات كان الخوارزميون يتسلون بشوي الكلاب والأسرى والقتلى وشرب حليب الخيل المخمّر وتعذيب الأعداء والخصوم بـ "المقشرة" التي تسحق جلودهم ولحومهم وعظامهم بعد ثلاثة أيام من التعذيب ثم يحولونهم إلى وجبة طعام، وتحول جيش لويس إلى قتلى وأسرى ولم ينج من القتل أو الأسر أحد بمن فيهم الملك لويس الذي افتدى نفسه بمائة الف بيزنطة (قطعة ذهبية بيزنطية)، ولأنه وافق على الفدية من غير نقاش فقد منحه السلطان خصما بمقدار الخمس. عاد لويس مرة أخرى بعد عشرين سنة (1271) ليقاتل مرة أخرى، لكنه مات في عكا التي وصلها مريضا.
بقيت عكا وبعض القلاع على الساحل بيد الفرنجة كما يقضى اتفاق مع صلاح الدين، ولم يكن المماليك تعجبهم هذه المعاهدة، لكنهم تحملوها على مضض. وفي عام 1291 زحف إليها جيش المماليك المكون من ستين ألف فارس ومائةوستين ألف مقاتل من المشاة، وحاصروا المدينة التي ظلت معزولة تحت الحصار ولم يتقدم أحد لمساعدتها من الفرنجة والبيزنطيين وحتى قبرص القريبة منها، وظلّ فرنجة عكا وفرسانها يواجهون الحصار وحدهم بيأس. كان المماليك مقاتلين محترفين معزولين عن العرب ولا يعرفون من السياسية سوى القتال، وليس لديهم اعتبارات وحسابات مثل صلاح الدين. فقتلوا أعدادا كبيرة من الفرسان والمقاتلين والمقاومين، ثم خرج الفرنجة في فوضى وهلع، وقد غرقت بالهاربين بعض السفن بسبب الحمولة الزائدة ومنهم بطريرك المدينة.
عندما انتهت الحروب الصليبية عاد فرسان الهيكل (وكانوا يسمون أيضا الإخوان!ومن الملفت أن الإخوان المسلمين يستخدمون مصطلحاتهم ورتبهم مثل معلم ورقيب ونقيب وأخ، وطريقتهم في التنظيم والتراتيبة والتقاليد الجماعية) إلى أوروبا، وهم وكانوا حوالي ثلاثين ألف فارس مدرب ومعبأ أيديولوجيا، وكانوا القوة الرئيسية الضاربة في الحروب الصليبية على مدى مائتي سنة، وامتلكوا بسبب ذلك نفوذا هائلا لدى الفاتيكان وممالك الفرنجية وامتلكوا أموالا طائلة حتى صار لديهم خزائن من الذهب والأموال ويقرضون الملوك والنبلاء، وكانوا يملكون شبكة واسعة من القلاع والاراضي والعقارات المنتشرة في جميع أنحاء أوروبا يعيشون فيها في عزلة متفرغين للقتال والتدريب والصلاة؛ بدأوا على الفور يتعرضون للتضييق حتى أبيدوا نهائيا وأعدم كل من قبض عليه منهم وعذب تعذيبا شنيعا واستولى الملوك والباباوات والبطاركة على اموالهم وقلاعهم.
.. ثم جاء الطاعون وفتك بالعرب والفرنجة معا. وتقدم الشمال البارد الذي نجا من الطاعون واستولى على الجنوب المطعون، فاستولى العثمانيون (قبيلة مغولية جاءت من التاي (اليوم هي جزء من الصين) على مصر والشام والعراق والجزيرة العربية واليمن وأجزاء واسعة من أوروبا، واستولى الشمال الإسباني على الجنوب (الأندلس)
ومما يبدو اليوم مفارقة في الصراع، أن اليهود أبعدوا من القدس منذ عام 135م بعد مذبحة كبيرة نفذها الرومان بحق اليهود، ولم يعودوا إليها إلا على يد العرب عام 637م ثم أبعدوا بقسوة من القدس وكل مكان كان يسيطر عليه الفرنجة، ولم يعودوا إليها إلا بعد عام 1187 بعد معركة حطين، ويحتفل اليهود حتى اليوم بمعركة حطين باعتبارها قصة تاريخية رمزية تؤسس لعودتهم إلى القدس وفلسطين. لقد كان اليهود حلفاء دائمين للعرب وكانوا أعداء دائمين للمسيحيين وقبلهم الرومان واليونان.
لكن المفارقة الكبرى أن الفرنجة استباحوا المدينة المقدسة ودمروها، وكانت في عهد البيزنطيين حتى بعد تحولهم الى المسيحية مهملة وفي حالة مزرية، وأن العرب دخلوا القدس (عمر وصلاح الدين) دون ان يريقوا دما. بل إن قصة دخول عمر إلى المدينة تبدو مطابقة لسفر اشعياء حيث جاء الى المدينة يقود جمله ويسير بتواضع واحترام كبير للمدينة ويرتدي ملابس بيضاء بسيطة. وقام بنفسه مع العرب بتنظيف ساحات المدينة وترميمها. يقول ابن سعد في كتابه "الطبقات" إن أهل الكتاب هم الذين سموا عمر "الفاروق" وتعني الكلمة في أصلها اليوناني "المنتظر".
نيسان ـ نشر في 2026-04-06 الساعة 10:31
رأي: إبراهيم غرايبة كاتب اردني


