اتصل بنا
 

نكسة هرمز: لماذا تعثرت واشنطن عند بوابة الخليج؟

نيسان ـ نشر في 2026-04-07 الساعة 12:52

نيسان ـ عادة ما تطلق على المعارك والحروب تسميات معينة، بدل تسميات عامة وفضفاضة، خاصة إذا كانت هذه الحروب تتكرر بين الأطراف نفسها. ويحدث هذا بحكم غلبة وهيمنة حدث محوري يطبع مجريات هذه الحرب ويختزل دلالاتها الرمزية. وفي هذا السياق، يمكن النظر الى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الثانية ضد إيران بوصفها حربا قد يتم اختزالها في «حرب نكسة هرمز»، بعد اختزال الأولى خلال يونيو الماضي في «حرب 12 يوما». لأن هرمز أصبح عنوان أحد أكبر التحديات في التاريخ الحربي الأمريكي، خاصة البحري منه، إلى درجة جعلت البيت الأبيض يبدو وكأنه فقد توازنه، بعدما خسر هذه المواجهة.
وعند قراءة التاريخ، سنجد تسميات جغرافية للحروب أو تسميات ذات دلالة أخرى مختلفة، ومن التاريخ المغربي مثلا، نجد أحد أكبر المعارك التي غيرت جزءا من التاريخ معركة «وادي المخازن» التي تسمى كذلك معركة «الملوك الثلاثة»، خاصة في التأريخ الأوروبي. هذه الحرب التي وقعت في شمال المغرب وبالضبط عند نقطة قريبة من القصر الكبير على وادي المخازن سنة 1578. تواجه فيها الجيش المغربي ضد البرتغال، التي كانت ضمن القوى الكبرى وقتها، انهزمت البرتغال، مما عجل بسقوطها تحت الاستعمار الإسباني، ففقدت هيبتها البحرية العالمية.
قرار إغلاق إيران هذا المعبر والتحكم فيمن يمر وفيمن لا يمر، من أكبر المفاجآت في الحرب ضد إيران، رغم أن تقارير استخباراتية أمريكية وغربية كانت تتكهن بهذا الإجراء إلا أنها كانت تستبعده
هذا العامل ضمن أخرى سمح بظهور سريع لقوى كبرى مثل بريطانيا وهولندا. لا تحمل اسم «الحرب البرتغالية – المغربية» بل تحمل الموقع الجغرافي «معركة وادي المخازن» عند المغاربة، و»معركة الملوك الثلاثة» عند الأوروبيين، لأنه توفي خلالها ثلاثة ملوك، الملك البرتغالي الشهير سيباستيان الأول، ثم السلطان المغربي المخلوع المتوكل، وكذلك السلطان المغربي عبد الملك السعدي. في بعض الأحيان تسمّى الحروب بتاريخ اندلاعها، كما في «حرب السابع من أكتوبر» في قطاع غزة. وفي حالات أخرى، تمنح تسميات تحمل أبعادا رمزية أو دعائية، قد تساهم في التقليل من شأن الطرف الآخر، ويجري تداولها دون تمحيص. ومن ذلك مصطلح «حرب الأيام الستة» الذي يُستخدم للإشارة إلى الحرب بين إسرائيل والجيوش العربية في الشرق الأوسط، إذ تستند هذه التسمية إلى دلالة رمزية مرتبطة بقصة خلق الكون في ستة أيام، وتوحي بسرعة الحسم، بما يعكس سردية ترى في تلك الحرب هزيمة قاسية للطرف العربي، عرفت تاريخيا بالنكسة. وفي الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران يبقى الموقع الجغرافي مضيق هرمز، هو الاسم المناسب لتسمية هذه الحرب، خاصة إذا أضيف إليه «حرب نكسة هرمز».
في البدء، يعتبر قرار إغلاق إيران هذا المعبر والتحكم فيمن يمر وفيمن لا يمر، من أكبر المفاجآت في هذه الحرب، ورغم أن تقارير استخباراتية أمريكية وغربية عموما كانت تتكهن بهذا الإجراء إلا أنها كانت تستبعده. في الوقت ذاته، ترتبت عن إغلاق هذا المعبر المائي من طرف إيران، أزمة حقيقية لأنه يهدد الاقتصاد العالمي، لا يشمل دول الخليج العربي وإيران، بل العالم برمته، نظرا لاعتماده على النفط ومواد أخرى حيوية مثل الأسمدة القادمة من المنطقة. ورغم توفر الولايات المتحدة على أكبر إنتاج من النفط في العالم حاليا إلا أن اقتصادها تأثر بسبب ارتفاع الأسعار. ويكفي أن هذه الأزمة قد تؤثر بما قد يصل إلى 1% من اقتصاد كل دولة، وبالتالي من اقتصاديات العالم. وإذا كان اقتصاد العالم هو مئة تريليون دولار، فهذا يعني أن الخسائر قد تصل الى 1 تريليون دولار، وبالتالي عملية الإغلاق ستحمل انعكاسات نسبية شبيهة بجائحة كورونا. وكما كان العالم يسعى الى التوصل للقاح لمواجهة كوفيد 19، يسعى الآن الى فتح مضيق هرمز للتخفيف من آثار الإغلاق على الاقتصاد العالمي. هذا المضيق الصغير قام بعولمة الحرب الحالية، غير أن الجانب العسكري هو الأساسي، ففي أعقاب الحرب العالمية العالمية الثانية، تعهدت الولايات المتحدة بتوفير عملة صعبة للعالم، وهي الدولار للتبادل التجاري، ثم الانتشار العسكري في بحار العالم لضمان حرية الملاحة والتجارة ضد القرصنة، وتهديدات الدول. وتعتبر الولايات المتحدة القوة البحرية الأولى في العالم بأساطيلها المتعددة، التي تختص في كل منطقة من أمريكا الجنوبية وأوروبا والمتوسط وشمال أوروبا والخليج العربي ومنطقة الصين.
تتكون هذه الأساطيل وهي ستة حيز العمل (هي سبعة في الأصل إلا أن الأسطول الأول بالمحيط الهندي جنوب شرق آسيا غير عملي الآن وقد يتم تفعيله خلال السنوات المقبلة لاحتواء الصين) تختلف في الحجم والقوة من سفن وغواصات وحاملات طائرات، وتجوب بحار العالم لحماية التجارة العالمية والتدخل عند الأزمات. ويعتبر إغلاق مضيق هرمز من طرف إيران أكبر تحد للبنتاغون منذ الحرب العالمية الثانية، لأنه تحد صارخ للأسطول الخامس الذي يعتبر ثاني أهم أسطول لدى البحرية الأمريكية، بعد السابع المختص بالصين، علما أنه الآن أصبح الأكثر عددا بعد تحويل سفن حربية من منطقة الصين إلى منطقة الخليج العربي بسبب الحرب ومنها سفينة تريبولي. لقد فشل الأسطول الخامس في فتح مضيق هرمز، رغم توفره على حاملات طائرات ومدمرات وسفن خاصة بقوات المارينز وسلاح جوي، ويكتفي بقصف أهداف إيرانية من بعيد، أو عبر الطيران وتسبب في خسائر كبيرة في إيران. ويحصل هذا الفشل بسبب وجود طائرات مسيرة وصواريخ زوارق انتحارية إيرانية تجعل أولا، مرور أي سفينة حربية أمريكية من مضيق هرمز عملية شبه مستحيلة، إذ لم تمر ولا سفينة حربية واحدة من هذا الممر، والأدهى أن جميع السفن الحربية الأمريكية الكبيرة والمتوسطة، انسحبت من قاعدة الأسطول الخامس في البحرين. ثانيا أن عملية إنزال كوماندو لفتح مضيق هرمز مستحيلة، وعملية السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية ستكون انتحارية على شاكلة – مع اختلاف النتيجة- معركة إيو جيما، التي تعد حتى الآن أصعب معركة لقوات المارينز، حين اقتحموا الجزيرة اليابانية إيو جيما بعد تكبد أكثر من 6800 قتيل و19 ألف جريح. وقال السناتور النافذ ليندسي غراهام منذ أسبوعين «لقد قمنا بغزو إيو جيما في الماضي، ويمكن فعلها الآن»، بمعنى اقتحام الجزيرة الإيرانية مهما كلفت من تضحيات، تصريحات أثارت عاصفة من الاحتجاجات، بسبب أنه ينوي إلقاء المارينز في المصيدة النارية. إن الفشل العسكري في فتح المضيق هو الذي جعل البيت الأبيض يهدد بتدمير البنى التحتية الإيرانية.
ارتكبت القيادة السياسية الأمريكية خطأ فادحا بالاعتماد على القوة النارية للجيش الأمريكي في مواجهة إيران، ولم تأخذ التغيير الحاصل في الحروب، حيث انضافت الصواريخ والمسيرات إلى العامل الجغرافي، ما جعل جزءا من القيادة العسكرية الأمريكية يتحفظ على هذه الحرب. ثم خطأ آخر هو عدم استبعاد إمكانية إغلاق مضيق هرمز، بما يحمله من انعكاسات على العالم، خاصة دول الخليج العربي، الأكثر ضحية وتضررا في حرب لا تعنيها في العمق كثيرا. ويحدث هذا أمام فشل الأسطول الأمريكي الخامس في الاقتراب من هذا المضيق، بعد تمركز السفن على بعد 1500 كلم بسبب الصواريخ الإيرانية، الأمر الذي جعل البيت الأبيض يفقد صوابه، لأنه أراد تغيير النظام في إيران فتسبب في تغيير نظام الملاحة في مضيق هرمز. لقد عجز الأسطول الخامس الأمريكي عن تكرار ما قام به البرتغاليون بقيادة الأدميرال ألفونسو دي ألبوكيركي سنة 1515 بالسيطرة على مضيق هرمز.
هذه الحرب تعتبر نكسة للدبلوماسية العالمية ونكسة للاقتصاد العالمي ونكسة لتوظيف القوة العسكرية، في هذه الحالة الأمريكية والإسرائيلية. وعليه، كل المعطيات تجعل التسمية المناسبة لهذه الحرب هي «حرب نكسة هرمز».

نيسان ـ نشر في 2026-04-07 الساعة 12:52


رأي: حسين مجدوبي

الكلمات الأكثر بحثاً