اتصل بنا
 

نهايات حرب الأربعين يوما

نيسان ـ نشر في 2026-04-11 الساعة 12:40

نيسان ـ الحالة ضبابية الآن، توقف إطلاق النار على جبهة إيران بعد اتفاق طهران وواشنطن بوساطة باكستان، الذي قضى بتعليق إطلاق النار لمدة أسبوعين، تجري خلالهما مفاوضات في إسلام أباد، على أساس النقاط الإيرانية العشر، باعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، بينما رد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بما يؤيد عموما ما جاء في إعلان ترامب، وتراجعه المفاجئ قبل 90 دقيقة من موعد تنفيذ الهجمة الساحقة الماحقة التي هدد بها إيران، وتعهده البذيء بمحو حضارة إيران بكاملها، والتدمير الشامل لبنية إيران التحتية المدنية من محطات طاقة وكهرباء ومياه وجسور وشبكات سكك حديدية.
وكان وقع تراجع ترامب، غضبا مكتوما في كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي أبدى قادته تجاوبا في وقف الهجمات والغارات على إيران، بينما راح بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو ينفس عن غضبه على جبهة لبنان، ويأمر جيش الاحتلال بتنفيذ أعنف موجة غارات على كامل الأراضي اللبنانية، ومن جنوب لبنان ومدينة صور، إلى قلب العاصمة اللبنانية بيروت، وشن مئة غارة همجية بخمسين طائرة في عشر دقائق، شملت كل أحياء بيروت السكنية الكبرى، ومناطق جبل لبنان، بما يتعدى تركيز غارات العدو الاعتيادي على البيئة الاجتماعية لحزب الله في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، ويضيف مئات الشهداء والجرحى إلى أحزان لبنان في غمضة عين، رغم أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أعلن غداة الاتفاق عن طابعه الشمولي، وأن وقف إطلاق النار المتفق عليه يشمل لبنان مع إيران.
وقد تسعى باكستان مع الوسطاء في مصر وتركيا إلى الضغط على واشنطن، ومطالبتها بردع التوحش الإسرائيلي في لبنان، وإن كان لا يبدو أن ترامب متحمس لضغط فوري على نتنياهو، فالرئيس الأمريكي يعطى الأولوية لترتيب خروجه شخصيا من الحرب على إيران، التي تورط فيها بتحريض من نتنياهو، وتحت إغواء خوض عملية خاطفة تنتهي بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، والبدء بقطع رأس النظام ممثلا بقائده الأعلى الراحل علي خامنئي وعشرات من القادة العسكريين الكبار، ثم تعهد الموساد الإسرائيلي بترتيب ثورة شعبية جماهيرية تخلع النظام من جذوره، ثم أثبتت وقائع حرب الأربعين يوما، أن وعد الإسقاط السريع للنظام الإيراني محض وهم وسراب ملون، وأن النظام جدد نفسه في نسخة أكثر راديكالية وحيوية وتشددا، وصمد على نحو مذهل في وجه عشرات آلاف الغارات الأمريكية والإسرائيلية، وراح يرد الضربات بثبات، بل يطور إمكاناته المتواضعة في الدفاع الجوي، وينجح في إسقاط عدد من الطائرات الأمريكية، ربما كان أشهرها واقعة إسقاط قاذفة إف ـ 15، وما دار بعدها من ألغاز يكتنفها الغموض حول مصير طياريها .
راح ترامب يقيم الأفراح والليالي الملاح احتفالا بعملية إنقاذ هوليوودية للطيار الأول ثم للطيار الثاني بالذات، بينما كانت الرواية الإيرانية مختلفة، وتحدثت عن الفشل الأمريكي في عملية أصفهان، حيث جرى إنزال قوات خاصة أمريكية لالتقاط مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تفوق الستين في المئة، وأن دعوى البحث عن الطيار الأمريكي المفقود، كانت مجرد قناع تمويه، وأن القوات الإيرانية نجحت في ضرب وتحطيم طائرتي الإنزال الأمريكي العملاقتين من طراز 130 ـC، وإسقاط عدد آخر من طائرات الهليكوبتر بلاك هوك، وأن خروج عشرات الطائرات الأمريكية كان هروبا، وليس نجاحا لعملية الإنقاذ المزعومة، ويبدو أن صدمة الفشل جعلت ترامب يقرر التراجع بعد الوصول بعملية التصعيد إلى أعلى مدى، وتجاوب ترامب مع عملية إبادة إيران، التي شجعه عليها نتنياهو، وأغراه باحتمالات نجاحها في الخلاص خنقا من النظام الإيراني، ومعاقبة الشعب الإيراني، الذي تخلف عن القيام بدوره المرسوم إسرائيليا، وصدمة خروج ملايين الإيرانيين لدعم النظام وقائده الجديد المتواري مجتبى خامنئي، ورغم إعلانات متكررة صدرت عن ترامب، أعلنت النصر الساحق الصاخب لأكثر من عشرين مرة، فإنه كان يعرف في قراره نفسه أنه يكذب، وأن نصرا ما لم يتحقق، وأن خطط الغزو البري التي عرضت عليه ستكون مهلكة للأمريكيين، ووجد سبيل الخلاص على طريقته البهلوانية، صعد بالتهديد اللفظي إلى أبعد مدى، ثم نزل عن الشجرة العالية في اللحظة الأخيرة، وأعلن وقف النار الموقوت لأسبوعين، وإجراء مفاوضات مع الإيرانيين على أساس نقاطهم العشر، ورفع هذه المرة راية فتح مضيق هرمز، التي كان تملص منها مرات في تصريحات متعجرفة أهانت الحلفاء الآسيويين والأوروبيين .
تبدو الصورة بعد أربعين يوم حرب ظاهرة بملامحها الأبرز، فلم تنتصر أمريكا ولا إسرائيل، ولم يتحقق للعدوان هدفه الأول المعلن في إسقاط النظام الإيراني أو استبداله
ويبدو أن الإيرانيين أحرزوا نجاحا في التفاوض السري، أو ما يسمونه تبادل الرسائل مباشرة أو عبر الوسطاء، وجعلوا قضية مضيق هرمز في صدارة المشهد، ومقابل تواري قضايا إسقاط النظام والبرنامجين النووي والصاروخي، ومعروف أن ترامب كان قدم إطارا للتفاوض من 15 نقطة، تتمحور في أغلبها حول تجريد إيران من برنامجيها النووي والصاروخي، وهو ما رفضه الجانب الإيراني بالجملة، واعتبر النقاط الأمريكية وصفة استسلام، وقدموا للجانب الباكستاني الوسيط إطارا آخر للتفاوض من عشر نقاط، ليس فيها ذكر للبرنامج الصاروخي باعتباره خارجا عن أي نقاش، وبصفته أمرا من صميم السيادة الإيرانية، ولم تذكر إيران في نقاطها العشر شيئا عن برنامجها النووي، اللهم سوى التأكيد على حقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وهو ما ذكره مجلس الأمن القومي الإيراني في تعقيبه المباشر على إعلان ترامب، المتراجع عن الضربة الماحقة التي كانت موعودة، وانصرفت أغلب نقاط الوصفة الإيرانية المنقولة للأمريكيين ـ عبر الوسطاء الباكستانيين بالذات ـ إلى اعتبارات أخرى، على رأسها وقف الحرب بكاملها وعلى الجبهات كافة، لا مجرد وقف إطلاق نار موقوت، وتعهد أمريكا بعدم العودة أبدا لشن الحرب، وإزالة كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وعلى المتعاملين معها كافة، واستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يقر برفع هذه العقوبات نهائيا، وإدارة مضيق هرمز على نحو يعطى أولوية للسيادة الإيرانية عليه، وربما بالتنسيق مع شركاء المضيق خاصة سلطنة عمان، وتقديم تعويضات ضخمة لإيران، والإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج، وإقرار حق إيران ـ مع عمان أو من دونها ـ في تحصيل رسوم على السفن وناقلات البترول والغاز العابرة للمضيق، وهو ما بدا ظاهرا في التعليق الفوري الرصين، الذي صدر عن وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي، الذي أكد استعداد طهران لفتح المضيق بشرط التنسيق مع قواتها المسلحة، وبدا الموقف الإيراني متشجعا بمداولات مجلس الأمن، التي جرت في ليلة تراجع ترامب، وشهدت استخدام الصين وروسيا لحق النقض الفيتو لإسقاط أي تلويح بتفويض قوة دولية لفتح المضيق، الذي تتحكم به إيران، كذا تصريحات أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، الذي وصف اعتزام الهجوم على البنية التحتية المدنية الإيرانية بأنه جريمة حرب.
ومع كل هذه التطورات، ودعم الصين المعلن للوساطة الباكستانية، تراجع ترامب مرغما، ومن وراء قناع البحث عن سلام دائم في الشرق الأوسط ومع إيران، وأعلن قبوله التفاوض على قاعدة المطالب الإيرانية العشرة، واعتبرها أساسا عمليا قابلا للتفاوض، وأعلن أنه يتحدث باسم أمريكا وكل أطراف الشرق الأوسط المتحالفة معها، فيما بدا كانتصار إيراني ظاهر في اليوم الأربعين للحرب، ولم تعلق أغلب دول الخليج المعنية، فيما اتجهت إسرائيل لعرقلة الاتفاق، وفصل جبهة لبنان عن جبهة إيران، وساد الانطباع المتكرر عن سلوك واشنطن في كل مرة تدخل، وهو أن أمريكا تبيع الحلفاء والتابعين عند أقرب ناصية، والتأكيد المضاف على قاعدة أن المتغطي بالأمريكان عريان، فيما بدت إيران كمفاوض بارع، تمد صمودها المذهل في ميادين القتال إلى موائد المفاوضات، وتنطلق من أولوية استقلالها الوطني وحقوقها الثابتة في دعم برامجها الدفاعية وصياغة العلاقات مع حلفائها، ولم يعد من كلام أمريكي ولا إسرائيلي عن إسقاط النظام الإيراني، الذي أثبت تماسكه وصلابته وحيويته في ميادين الخطر الكبرى، ومع انتصار إيران ونجاتها من المحنة، ذهب مشروع الشرق الأوسط الإسرائيلي في خبر كان أو كاد .
وتبدو الصورة بعد أربعين يوم حرب ظاهرة بملامحها الأبرز، فلم تنتصر أمريكا ولا إسرائيل، ولم يتحقق للعدوان هدفه الأول المعلن في إسقاط النظام الإيراني أو استبداله، وكان ذلك أمرا متوقعا عند كل عاقل، ولم تنهزم إيران ولا خرجت من حلبة القتال وسياسة المنطقة، حتى مع احتمال تجدد الحرب بعد هدنة الأسبوعين ومفاوضاتها التي قد تتعثر، لكن ما جرى حتى اليوم، يمنح الجانب الإيراني ثقة مضافة في خطته الأساسية، ومقتضاها توسيع الحرب في الجغرافيا وإطالة مداها الزمنى، وخوض حرب استنزاف متصلة ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي.

نيسان ـ نشر في 2026-04-11 الساعة 12:40


رأي: عبدالحليم قنديل كاتب مصري

الكلمات الأكثر بحثاً