اتصل بنا
 

انتخابات هنغاريا: هزيمة ترامب وفوز سانشيز

نيسان ـ نشر في 2026-04-14 الساعة 12:39

نيسان ـ أغلقت هنغاريا في انتخابات الأحد 12 أبريل/نيسان الجاري مرحلة مهمة من تاريخها بعد سقوط جدار برلين، وذلك بعدما انهزم رئيس الحكومة فيكتور أوربان أمام السياسي الطموح بيتر ماجيار. ويمكن اختزال هذه الانتخابات مجازيا ورمزيا في عنوان «هزيمة ترامب وفوز سانشيز».
وقد حصل حزب رئيس الحكومة أوربان على 38% من الأصوات، بينما حقق ماجيار 53% من الأصوات، وهي نسبة عالية تبرز مدى رفض الناخب الهنغاري لسياسة أوربان، سواء الداخلية أو الخارجية، وهو الذي حكم طيلة 16 سنة في أجواء من التوتر الداخلي والخارجي، وعلى شاكلة ديكتاتوريي بعض دول الجنوب، قام مرات عديدة بتغيير القوانين الانتخابية لضمان الفوز.
وقد رحبت مختلف وسائل الإعلام الأوروبية بهذا الفوز، وكانت جريدة «لوموند» الفرنسية، قد عنونت مقالها الرئيسي صباح الاثنين من الأسبوع الجاري بـ»هنغاريا تحتفل بعودتها الى أوروبا بعد الهزيمة الانتخابية الكبيرة لفيكتور أوربان»، وهي عودة حقيقية الى أحضان أوروبا بعد سنوات طويلة من التوتر. وتميزت هذه الانتخابات بمواجهة قوية بين أوربان الموالي لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمؤيد لسياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مواجهة بيتر ماجيار المؤيد للتوجه الأوروبي، وعلق الأخير «هنغاريا ستكون حليفا قويا للاتحاد الأوروبي». كل هذه المعطيات تبرز أن هذه الانتخابات تجاوزت الحدود الوطنية بشكل كبير، وأصبحت مقياسا لاختبار المواجهات الأيديولوجية في الغرب، الذي يشهد شرخا كبيرا، بين تيار يميل نحو الحوار والرهان على القانون الدولي، ويتزعمه في الوقت الراهن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ونسبيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتيار آخر متشدد الى مستوى التطرف ويقوده القاطن في البيت الأبيض دونالد ترامب. يعود ذلك إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب تبنّى، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وثيقة جديدة للأمن القومي الأمريكي، تدعو إلى دعم حركات اليمين القومي المتطرف في أوروبا، في مسعى لإعادة ما يصفه بـ»أوروبا البيضاء المسيحية». وقد حملت هذه الوثيقة توجّها مقلقا، إذ تقوم على تضخيم المخاوف من استمرار الهجرة من الجنوب نحو أوروبا، محذّرة من أن ذلك قد يؤدي إلى تغيّر ملامح القارة الحضارية وخضوعها لتأثير ثقافات وافدة، مثل الثقافة العربية والإسلامية. وفي هذا السياق، برز فيكتور أوربان بوصفه أحد أبرز الحلفاء الذين راهن عليهم البيت الأبيض لدعم هذا التوجّه القومي المتشدد، ذي الأبعاد الإثنية والثقافية والدينية داخل أوروبا. إذ كان أوربان من أوائل القادة الأوروبيين في السلطة الذين دعموا ترامب علنا، واعتبره حليفا في مواجهة الليبرالية الغربية. كلاهما يشتركان في معاداة العولمة السياسية، وانتقاد الإعلام التقليدي، ورفض بعض قيم الاتحاد الأوروبي مثل التعددية الثقافية. وتميل رئيسة حكومة إيطاليا جورجينا ميلوني إلى دعم ترامب، لكنها لا تتعدى الخطوط الحمر الأوروبية. ونتيجة هذا الدعم، لم يتردد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس المشاركة في الحملة الانتخابية الأسبوع الماضي، وتقديم أوربان بمثابة أحد منقذي «أوروبا البيضاء»، في محاولة لتعزيز فرص هذا التيار ليس فقط في هذا البلد، بل مجموع أوروبا.
سقوط أوربان وتراجع شعبية ترامب في الولايات المتحدة بسبب الحرب، ضربة قوية للأممية اليمينية الشعبوية، التي استغلت تراجع المشهد السياسي الكلاسيكي بين اليمين واليسار الاشتراكي لتصل إلى السلطة
تلقى أوربان الكثير من الثناء من ترامب إلى مستوى أن الرئيس الأمريكي قال «أنا وأوربان توأمان»، بينما قال عنه ستيف بانون أحد منظري الموجة الترامبية، «إنه بطل حقيقي».
في الجانب الآخر، يعد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الفائز الأبرز، بحكم أنها انتخابات بعيون أوروبية. ويعتبر من الفائزين لأنه كان من أوائل الأصوات الجريئة في مواجهة سياسية ترامب. لم يكتف فقط برفض سياسة ترامب في مجال الهجرة، بل أعلن خلال الأسابيع الأخيرة عن مسلسل تسوية أوضاع قرابة نصف مليون من المهاجرين، الذين يقيمون في إسبانيا بطريقة غير نظامية. وهؤلاء المهاجرين أغلبهم من الجنوب، ويشكل المغاربة الجالية الأولى بينهم. كما يتزعم سانشيز التيار المنادي ببناء أوروبا عسكريا واقتصاديا وسياسيا، بينما كان أوربان يعرقل كل خطوة لبناء جيش أوروبي وصناعة حربية قوية ومبادرات مستقلة في العلاقات الدولية عن واشنطن تراعي مصالح الاتحاد الأوروبي. كما كان أكبر مساند لحكومة الكيان الإسرائيلي، وأفشل جميع المبادرات الرامية الى عقوبات أوروبية ضد الكيان بسبب جرائم قطاع غزة.
إن هزيمة أوربان ستحمل تأثيرات سياسية كبيرة على باقي التشكيلات السياسية القومية المتطرفة، التي انتعشت بشكل بارز خلال العقد الأخير في كل الدول الأوروبية. وستحمل تأثيرات سلبية خاصة عندما ستكشف التحقيقات القضائية مستوى الفساد الذي كان في عهد أوربان، حيث تتحدث الصحافة الهنغارية عن تيار جارف من المحاكمات مرتقبة، قد تمس أوروبان نفسه الذي تصرف في مؤسسات الدولة، خاصة الاقتصادية بنوع من الريع. وهي تنضاف الى تأثير قرارات ترامب بسبب شن الحرب على إيران، حيث أصبحت أوروبا هي المتضرر الرئيسي من هذه الحرب. وهذا ما دفع بعدد من الحركات القومية اليمينية المتطرفة إلى الابتعاد نسبيا عن سياسة ترامب، وصلت بحزب البديل الألماني المؤيد لترامب، إلى التشدد أكثر في ضرورة إغلاق القواعد الأمريكية في ألمانيا. بينما ميلوني وهي من أنصار ترامب نقد منعت القوات الأمريكية من استعمال الأجواء الإيطالية لضرب إيران.
وهكذا إن سقوط أوربان في انتخابات الأحد، وتراجع شعبية ترامب في الولايات المتحدة بسبب الحرب، يعتبر ضربة قوية للأممية اليمينية الشعبوية، التي استغلت تراجع المشهد السياسي الكلاسيكي بين اليمين واليسار الاشتراكي لتصل إلى السلطة لتطبيق برامج عنصرية، تحمل أفكار التفوق التي جرى الترويج لها في القرن التاسع عشر لاستعمار العالم. وهكذا، تبقى انتخابات هنغاريا عابرة للحدود بتأثيراتها، ويمكن تلخيصها رمزيا بسبب الصراع الأيديولوجي في الغرب في «انتخابات هنغاريا: هزيمة ترامب وفوز سانشيز».

نيسان ـ نشر في 2026-04-14 الساعة 12:39


رأي: حسين مجدوبي

الكلمات الأكثر بحثاً