اتصل بنا
 

جرأة أم لعب بالنار؟!

صحفي وكاتب عمود يومي في جريدة "الدستور"

نيسان ـ نشر في 2026-04-16 الساعة 07:42

نيسان ـ قد تنسى نفسها؛ بعض وسائل الإعلام الدولية الكبيرة، التي تحظى بالمتابعة والاهتمام العالمي، وتنخرط في تجارب جريئة، بأن تقدم الرأي والآخر في وقت الصراع الحرج، وأعني بالحرج الذي تكون فيه الحرب مشتعلة، والصراع محتدما، والتكهنات بمآلاتها صعبة، ومتغيرة.. وتتناسى هذه المنابر الإعلامية، او ربما تثق بنفسها كثيرا، إلى الدرجة التي تجعلها تتغاضى عن أهمية الكلمة أثناء حرب تلك صفاتها وحساسيتها، فتسمح للرأي الآخر أن يعبر إلى جمهورها، ويقدم فكرته ومعلومته وحجته، بسهولة، وبطريقة مجانية، وأعني بمجانية أن الدولة التي يمثلها هذا الرأي الآخر، لو أرادت الوصول لجماهير وسيلة الإعلام تلك، والتأثير على قناعتهم ورأيهم، لأنفقت عشرات المليارات، وما نالت مثل هذا الانتشار لفكرتها.. هذه حالة نادرة، لا أعتبرها جرأة عادية، أو انحيازا للرأي والرأي الآخر، وحيادية، بل وبالنظر لتأثيرها، هي لعب بالنار، وانقلاب السحر على الساحر!!!
لماذا أشعر بأنني ملزم لمصارحة القراء، هذه الفترة، بأنني لا أتابع الإعلام كعادتي، وأن بعض الأخبار تصلني دون بحث مني، وتحتل أهمية في تفكيري، وتدفعني للتعليق عليها والكتابة؟.. ربما أفعلها مصداقية مني وإيماءة بأن كتابتي مهمة..
فمنذ أيام، ويوجد صورة بعينها، لشخص بلحية سوداء، ونظارة على عينيه، تظهر أمامي، وشيئا فشيئا، ودونما اهتمام مني أو بحث، فهمت أنه إيراني، وحتى ساعة كتابة هذه المقالة، أحاول تثبيت اسمه في ذاكرتي، وهو يرسو الآن ويثبت، وليس بجهد مني، بل بسبب غزارة المنشورات في مختلف وسائل الإعلام عنه، وعن الأرقام القياسية التي تم رصدها أمس، والتي تبين ارتفاع أعداد ونسب متابعة وسيلة الإعلام المشار إليها، ووصولها إلى أرقام قياسية وغير مسبوقة في تاريخها، وهذا دفع بكائنات السوشال ميديا بدورها، بأن تتناول الشخص «الترند» وتعيد نشر خبره بشكل فردي، وها هي تفيض بصورته وبمقاطع من حوارياته عبر شاشة وسيلة الإعلام المذكورة، وهنا وعلى صعيد الانتشار أعتقد أن وسيلة الإعلام المذكورة، نجحت في تحقيق هذه الغاية، و»ضربت ضربتها»، لكن لماذا كل هذا الحياد من قبل هذه الجهة الإعلامية؟ وهل هي حقا لن تندم مستقبلا على وثبتها العالية تلك في فضاء خبر الحرب والفكرة وكسر العظم بين المتصارعين؟!
لا شك أن الحيادية معيار عالمي في الصحافة وصناعة وتقديم الخبر، والحقيقة، وثمة مدرسة عالمية كبيرة تنحاز لهذه القيمة المهنية السامية، لكن هل هذه المدرسة هي التي تصنع الفكرة، ويجري ترجمتها في سياسات الدول والعالم؟.. بالطبع ان «لا» ستكون الإجابة الصحيحة، وسيضاف إليها حقيقة دامغة، وتمثلها مدرسة صحفية أخرى، قوية، تعتبر نفسها جيشا او سلاحا أو على الأقل أداة، لترويج جهة ما، وتوصيل أفكارها وقناعاتها للعالم، بل فرضها على السياسة الدولية، حين تمتد علاقات هذه المدرسة، وتجسر مع طبقات السياسة والسوق.. وتدعمها مبادىء وأجندات اقتصادية، وهذا ما يحدث في العالم، فجبهة الصهيونية مثلا، تعتمد على اعلام عالمي مبرمج من ألفه إلى يائه على مصالح الصهيونية وأجندتها وبرامجها، واقتصادها، وشراكاتها.. وهناك منظومة اعلامية جارفة، صهيونية الإدارة والغايات والسلوك.. وبهذا المعنى، والحقيقة الملموسة فإن وجهة النظر التي اعتبر نفسي من أصحابها ودعاتها، أن مصالح الاوطان تتقدم على المعايير المهنية، فالدفاع عن الذات والبلاد وقضاياها، أهم من الالتزام بحيادية لا يحترمها العالم عمليا.
لا أريد ان أتسرع في وصف هذه الجرأة ونتائجها، وأتمنى أن لا تكون سببا صهيونيا آخر مضافا ضد وسيلة الإعلام المشار إليها..

نيسان ـ نشر في 2026-04-16 الساعة 07:42


رأي: ابراهيم عبدالمجيد القيسي صحفي وكاتب عمود يومي في جريدة "الدستور"

الكلمات الأكثر بحثاً