اتصل بنا
 

طاعون جستنيان في جرش.. الموت الجماعي الذي غيّر مدينة كاملة

نيسان ـ نشر في 2026-04-16 الساعة 14:24

طاعون جستنيان في جرش.. الموت الجماعي
نيسان ـ كشف موقع ميدان سباق الخيل القديم في مدينة جرش الأردنية عن واحدة من أكثر القصص التاريخية إثارة حول تأثير الأوبئة في المجتمعات القديمة، حيث تحوّل الموقع إلى مقبرة جماعية لضحايا طاعون جستنيان الذي ضرب الإمبراطورية البيزنطية بين عامي 541 و750 ميلادية وغير وجه المدينة بالكامل.
وتشير الأدلة الأثرية الحديثة إلى أن هذا الوباء لم يكن مجرد حدث صحي عابر، بل قوة أعادت تشكيل الحياة الاجتماعية والأنماط السكانية في المنطقة، وكشفت عن شبكات هجرة وتنقل كانت خفية في الظروف الطبيعية وفق scitechdaily.
وقد قادت دراسة متعددة التخصصات من جامعة جنوب فلوريدا، بالتعاون مع باحثين من جامعات دولية، إلى تقديم رؤية جديدة لفهم آثار الطاعون على مدينة جرش القديمة.
وبحسب الفريق البحثي بقيادة رايز إتش واي جيانغ، الأستاذ المشارك في كلية الصحة العامة بجامعة جنوب فلوريدا، فإن الدراسة تُعد الثالثة ضمن سلسلة أبحاث تهدف إلى فهم أقدم تفشٍ معروف للطاعون الدبلي في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وقد نُشرت النتائج في مجلة العلوم الأثرية، كاشفةً عن أبعاد إنسانية وبيولوجية جديدة للكارثة التي أودت بحياة الملايين.
في موقع جرش، وجد الباحثون أن الضحايا دُفنوا في مساحة عامة كانت مهجورة، حيث وُضعت الجثث بسرعة فوق طبقات من الحطام، في عملية دفن جماعي غير اعتيادية، وتشير الأدلة إلى أن الدفن تم خلال فترة زمنية قصيرة جداً، ربما أيام معدودة، ما يعكس حجم الكارثة وسرعة انتشار المرض.
وتُعد جرش أول موقع يتم فيه التحقق علمياً من ارتباطه المباشر بضحايا الطاعون، من خلال الجمع بين الأدلة الأثرية والتحليل الجيني، وقد أظهرت التحليلات وجود بكتيريا "يرسينيا الطاعونية"، المسببة للطاعون، في بقايا بشرية تعود إلى تلك الفترة، ما يثبت بشكل قاطع طبيعة الوباء الذي اجتاح المدينة.
وتوضح الدراسة أن سكان جرش لم يكونوا مجموعة واحدة متجانسة، بل كانوا مجتمعاً متنوعاً، إلا أن الموت جمعهم في مكان واحد، كاشفاً عن واقع اجتماعي معقد. ففي الظروف الطبيعية، كان السكان يعيشون في مناطق مختلفة ويتنقلون عبرها، لكن الأزمة الصحية أدت إلى تجميعهم في موقع واحد، ما أتاح للباحثين رؤية أنماط الهجرة والتنقل التي يصعب رصدها عادة.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تعيد تشكيل فهمنا لطبيعة المجتمعات في العصور القديمة، حيث يتبين أن التنقل والهجرة كانا أكثر شيوعاً مما تشير إليه الأدلة التقليدية، لكن آثارهما لا تظهر بوضوح إلا خلال الأزمات الكبرى مثل الأوبئة.
وقال الباحث رايز جيانغ إن الهدف من الدراسة لم يكن فقط تحديد العامل المسبب للمرض، بل فهم حياة المتضررين وكيف عاشوا وماتوا داخل سياق حضري حقيقي. وأضاف أن الأوبئة يجب أن تُفهم كأحداث اجتماعية بقدر ما هي بيولوجية، لأنها تكشف عن التفاعلات بين المرض والحياة اليومية والظروف البيئية.
وتُظهر الدراسة أن طاعون جستنيان لم يكن مجرد كارثة صحية، بل هو حدث غيّر بنية المجتمعات، وأعاد تشكيل أنماط العيش في المدن القديمة، كما تسلط الضوء على أهمية ربط الأدلة الجينية بالسياق الأثري لفهم أعمق لتاريخ البشرية.
تقدم جرش نموذجاً حياً حول كيف يمكن للمرض أن يعيد رسم حياة المدن بالكامل، ويترك آثاراً تمتد لقرون، ليس فقط في الأرض، بل في فهم الإنسان لتاريخه.

نيسان ـ نشر في 2026-04-16 الساعة 14:24

الكلمات الأكثر بحثاً