ما السر الذي تخفيه جثة حوت مدفونة على عمق 1444 متراً؟
نيسان ـ نشر في 2026-04-17 الساعة 13:46
في اكتشاف علمي نادر، عثر فريق من علماء الأحياء البحرية على هيكل عظمي لحوت على عمق 1444 مترا (4,737 قدما) تحت سطح البحر في مياه القارة القطبية الجنوبية، في كشفٍ ألقى الضوء على واحدة من أكثر الظواهر غموضا في علم بيولوجيا الأعماق البحرية، والمعروفة باسم "سقوط الحيتان".
وجاء هذا الاكتشاف خلال بعثة بريطانية عام 2010 على متن السفينة البحثية "آر آر إس جيمس كوك"، أثناء عمليات استكشاف قاع المحيط حول جزر ساندويتش الجنوبية في المحيط الجنوبي المتجمد.
وقد تم رصد الهيكل بالصدفة بواسطة مركبة غاطسة تعمل عن بُعد تحمل اسم "إيزيس"، حيث لاحظ الباحثون في أثناء انتهاء إحدى عمليات الغوص صفا من كتل فاتحة اللون، تبين لاحقا أنها فقرات حوت متناثرة على قاع البحر.
وبحسب العلماء المشاركين في البعثة، فإن الحوت كان بطول 10.7 أمتار، وقد وُجد داخل فوهة بحرية في بيئة شديدة البرودة تقترب فيها درجات الحرارة من نقطة التجمد، وهي من أكثر البيئات البحرية قسوة على كوكب الأرض.
وأظهرت التحاليل الجينية لاحقا أن الهيكل يعود إلى حوت المنك القطبي الجنوبي وهو أحد أكثر أنواع الحيتان البالينية انتشارا في محيطات العالم.
وأكد الباحثون أن الجثة كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة جدا من التحلل، بحيث لم يتبق منها سوى الهيكل العظمي تقريبا، بعد أن قامت الكائنات البحرية والبكتيريا بتحليل جميع الأنسجة الرخوة والدهون عبر سنوات طويلة من التعرض في أعماق البحر.
وفي هذه المرحلة المتأخرة من التحلل، تبدأ بكتيريا متخصصة في تفكيك الدهون المخزنة داخل عظام الحوت، مطلقةً طاقة كيميائية تدعم منظومة بيئية كاملة من الكائنات البحرية التي تعتمد على هذه الجثث كمصدر غذاء نادر في بيئة فقيرة بالمغذيات.
فيديووكشف العلماء أن الهيكل كان يعجّ بحياة بحرية دقيقة ومتنوعة، شملت ما لا يقل عن تسعة أنواع جديدة على العلم، من بينها نوع جديد من القشريات يشبه "قمل الخشب" البحري، إضافة إلى نوع غير موصوف سابقا من رخويات بحرية
كما رُصدت أيضا الدودة المعروفة باسم "الدودة الآكلة للعظام" وهي كائن فريد قادر على إفراز أحماض تُمكّنه من إذابة العظام للوصول إلى الدهون والمواد الغذائية داخلها.
ويُعد هذا الاكتشاف من أبرز الأدلة على أهمية "سقوط الحيتان" في دعم الحياة في أعماق المحيطات، حيث تتحول جثث الحيتان الغارقة إلى أنظمة بيئية كاملة قد تستمر في دعم الحياة لعدة أشهر أو سنوات، وأحيانا لعقود، رغم العزلة الشديدة وغياب الضوء في تلك الأعماق السحيقة.
ورغم أهمية هذا الاكتشاف، أشار العلماء إلى أن فهم كيفية وصول هذه الكائنات الدقيقة إلى جثث الحيتان المعزولة في أعماق المحيط لا يزال يمثل أحد أكبر الألغاز في علم بيولوجيا البحار العميقة، خاصة في بيئة واسعة ومترامية مثل المحيط الجنوبي.
وقال البروفيسور جون كوبلي، المتخصص في استكشاف المحيطات بجامعة ساوثهامبتون، إن الطريقة الوحيدة لاكتشاف مثل هذه الظواهر هي المرور فوقها مباشرة باستخدام مركبات غاطسة، مشيرا إلى أن اكتشاف هذا الهيكل جاء "بمحض الصدفة أثناء إنهاء مهمة الغوص".
من جانبه، أوضح الدكتور أدريان غلوفر من متحف التاريخ الطبيعي في لندن أن أحد أكثر الأسئلة العلمية تعقيدا يتمثل في كيفية انتقال هذه الكائنات اللافقارية الصغيرة بين مواقع "سقوط الحيتان" المتباعدة، والتي تمثل جزرا غذائية معزولة في قاع المحيط.
ويؤكد الباحثون أن فرصة رصد مراحل التحلل المبكرة للحيتان الغارقة في مياه القارة القطبية الجنوبية لا تزال نادرة للغاية، إذ تتطلب قدرا كبيرا من الحظ، إلى جانب بعثات علمية طويلة الأمد قادرة على مراقبة أعماق المحيط بشكل مستمر.


