الطفل العنيد
نيسان ـ نشر في 2026-04-17 الساعة 17:07
نيسان ـ منذ اللحظة الأولى لوجودي في هذه الحياة، وكأن الطريق إليّ لم يكن مفروشًا إلا بالشوك. حتى وأنا جنين في بطن والدتي، كان الأطباء يرون أن نزولي أولى، ويصرّون على إنهاء حكايتي قبل أن تبدأ، لكن رحمة الأبوة وحنان الأمومة كانا أقوى من كل تقاريرهم، فأبيتُ إلا أن آتي إلى الدنيا، كأنني منذ أول نبضة في التكوين كنت أتمرّن على العناد، وأتهيأ لصراع طويل مع الحياة. وما كان ذلك الإصرار الطبي في نظرهم إلا رأيًا مهنيًا، أما في نظري اليوم، فقد كان نبوءة مبكرة بما ينتظرني من كبدٍ وشقاء.
ثم مضت بي الأيام إلى مراحل الدراسة، فكنت في الثانوية ممن تكرّموا وتقدّموا، ونلت المرتبة الأولى على دفعتي، حتى خُيّل إليّ أن الطريق بدأ يلين، وأن التعب لا بد أن يثمر. لكن ما إن دخلت مرحلة التوجيهي حتى انقلب المشهد، وتقدّمت النفوس الخبيثة، وتكاثفت العثرات، وغدا الانتصار بعيدًا، لا لأنني كنت عاجزًا، بل لأن الريح لم تكن تسير بما تشتهي السفن. فأعدت تلك المرحلة ما يقارب ثلاث سنوات، وكان الغبش يومها يرفع راية الانتصار خفّاقة فوق أحلامي المكسورة.
ولم تكن تلك الأعذار شماعة أعلّق عليها فشلي، ولا حيلة أهرب بها من مواجهة نفسي، بل كانت واقعًا مريرًا عشته بكل جوارحي، وتقلّبت في تفاصيله المؤلمة، ولي عليه شهود عيان يشهدون أنني لم أكن أفتعل الحزن، بل كنت أتنفسه.
ثم عزمت ألا أستسلم، وألا أجعل السقوط خاتمة الحكاية، فقررت الغربة، وأنا في أول العمر، أبحث عن نافذة للنجاة، وأراهن على نفسي في مواجهة القدر. فتغرّبت، وعشت مرارة البعد، وكانت الغربة قاسية على قلب لم يشتدّ عوده بعد، لكنها كانت ضرورة من ضرورات الحلم، وكان الهدف عندي أسمى من مشقة الطريق، فاحتملت الألم وأنا أقول في نفسي: لا بأس ما دامت الغاية تستحق.
لكن الغربة أيضًا لم تبخل عليّ بامتحان جديد. فبعد سنة من العذاب والكدّ، وعدت إلى الوطن، فإذا بي أُفاجأ بأن نتيجتي لم تظهر، لا لقصور مني، ولا لتفريط في جهد، ولكن لأن الشهادة فُقدت في دولة ليبيا، مع أنني كنت في تركيا، غير أن المدرسة كانت تابعة للدولة الليبية، والتصحيح وإصدار النتائج منها. ويا لها من سخرية موجعة أن يضيع تعبك لا لأنك أخفقت، بل لأن أوراقك ضاعت في دهاليز الجهات والحدود.
وكانت تلك من أشد محطات العمر قسوة. فقدت الشهادة، ولم أبوح لأحد بما في صدري، وعشت ذلك الصراع وحدي، أجرّ وجعي في صمت، وأرى من كانوا معي في الغربة قد دخلوا الجامعات، بينما كنت أنا معلقًا على أملٍ هشّ، بل على سراب لا يكاد يُرى. كانت الأيام تمرّ ثقيلة، وكان الصبر يأكل من القلب شيئًا فشيئًا، حتى إذا ضاق الأمر واتّسعت في النفس هوّة الخوف، جاءني من لطف الله ما يحيي الموات.
فبعد سبعة أشهر من الانتظار والرجاء، اتصل بي رجل ممن كنت أتواصل معهم وأستمد منهم خيطًا رفيعًا من الضوء، وقال لي: لقد وصلت إلى الأردن، وهي في المكان الفلاني. يومها لم يسعفني الصبر، ولم تُمهلني الساعات أن أؤجل الفرح إلى الغد، رغم أنه أخبرني في وقت متأخر. أبيت إلا أن أذهب إليه في تلك الليلة، وعرضت المغريات خشية أن يطول عليّ نهار الغد. ومضيت نحوه وأنا أوقن أنني لو ذهبت على قدميّ لكنت أسرع من السيارة، مع أن المسافة كانت تتجاوز مئةً وعشرين كيلومترًا. وما كان يدفعني آنذاك إلا قلب أنهكه الانتظار، حتى صار يرى الركض نحو الأمل عبادة.
ثم دخلت كلية القانون، وبدأت مرحلة جديدة ظننت أنها ستكون أقل قسوة من سابقاتها، فدرست، واجتهدت، ومضيت في الطريق حتى جاء الفصل الأول، ثم دهمت جائحة كورونا الدنيا بما فيها. ومع ذلك، تجاوزت ما تجاوزت، وصبرت حتى وصلت إلى فصل التخرج. وبعد إقامة حفل مشروع التخرج، وبعد المراسم واستقبال التهاني، وفي اللحظات التي يعرفها طلبة الجامعات جيدًا، حين يظنون أن التعب قد انقضى وأن الفرح اكتمل، ظهر لي أنني محروم في إحدى المواد، لسبب لا يكاد يكون مقنعًا ولا مجديًا. فتعثرت الفرحة في منتصف الطريق، وسقطت من بين يديّ قبل أن ألمس تمامها.
وكم كان الوجع عظيمًا يومها؛ لأن الخيبة إذا جاءت في آخر الطريق كانت أشد وقعًا، كمن قطع الصحراء كلها، فلما لاح له السراب ماءً، اكتشف أنه ما يزال في العطش الأول. لكن الله ساق لي بعد ذلك من لطفه ما يخفف وطأة الموقف، إذ وصلت قضيتي إلى إحدى المسؤولات في ذلك الصرح، فاستمعت إلى واقعي وتفهّمت الحال. وكانت امرأة، لكنها بألف رجل، ولا غرابة في ذلك عن أهل الكرم والمروءة. فشُمت الأمور، وانفرج بعض ما ضاق، غير أن الفرحة لم تعد كاملة كما كانت؛ لأنها مرّت بمرارةٍ نزعت من لحظتها صفاءها، وتركت عليها ندبة لا تخفى.
ثم كان الطريق إلى نقابة المحامين الأردنيين، وهناك أيضًا لم يكن الدرب مفروشًا باليسر، بل خضت في ذلك الصرح مراحل شديدة، وتعرضت لنكسات وفيرة، ومحطات ثقيلة، غير أنني ما زلت ذلك الجنين العنيد، الذي أصرّ يومًا على البقاء، وما زال يصرّ على المضيّ ما بقي في العمر بقيّة. كأنني خُلقت لأقاوم، وكأن الانكسار لا يجد في داخلي مقامًا دائمًا، مهما نزل بي من وجع.
لقد علّمتني الحياة أن بعض الناس يولدون وفي أفواههم ملاعق الراحة، وآخرون يولدون وفي صدورهم قلوب مقاتلين. وأنا كنت من أولئك الذين لم تمنحهم الحياة شيئًا إلا بعد أن تختبر صبرهم، ولم تفتح لهم بابًا إلا بعد أن تذيقهم مرارة الانتظار عند عتبته. ومع ذلك، لم أزل أؤمن أن الله لا يزرع في الروح هذا القدر من المقاومة عبثًا، ولا يطيل ليل العبد إلا وفي الفجر الذي يدّخره له من الجمال ما ينسِيه وحشة الظلام.
أما ما مضى من حياتي، فليس قصة عابر تعب ثم استراح، بل سيرة نفسٍ تصالحت مع الكفاح، واعتادت أن تضمّد جراحها بنفسها، وأن تقوم كلما ظنّ الناس أنها لن تقوم. فإن كنت قد تأخرت في بعض الطرق، فقد تعلّمت من التأخر ما لم يتعلمه الواصلون سريعًا، وإن كنت قد خذلتني الحياة مرارًا، فقد منحتني في المقابل قلبًا يعرف كيف ينهض ولو كان مثخنًا بالخذلان.
وها أنا اليوم، بعد كل ما مرّ، لا أملك إلا أن أسأل الله أن يجمل أيامي القادمة، وأن يجعل في كل خطوة سلامة، وفي كل تأخير حكمة، وفي كل عسر لطفًا خفيًا، وفي كل انكسار جبرًا يليق بكرمه. وأما الأمور العاطفية، فتلك حكاية أخرى، من النكسات فيها ما تعجز الأقلام عن وصفه، وربما لو حاولتُ روايتها لضحكتُ أولًا من شدّة ما أبكتني.
أنا ابن المعاناة، نعم، لكنني أيضًا ابن الرجاء. وما دمت أتنفس، فسأبقى أقاوم، وأؤمن أن القادم، وإن تأخر، لا بد أن يكون أجمل.
ثم مضت بي الأيام إلى مراحل الدراسة، فكنت في الثانوية ممن تكرّموا وتقدّموا، ونلت المرتبة الأولى على دفعتي، حتى خُيّل إليّ أن الطريق بدأ يلين، وأن التعب لا بد أن يثمر. لكن ما إن دخلت مرحلة التوجيهي حتى انقلب المشهد، وتقدّمت النفوس الخبيثة، وتكاثفت العثرات، وغدا الانتصار بعيدًا، لا لأنني كنت عاجزًا، بل لأن الريح لم تكن تسير بما تشتهي السفن. فأعدت تلك المرحلة ما يقارب ثلاث سنوات، وكان الغبش يومها يرفع راية الانتصار خفّاقة فوق أحلامي المكسورة.
ولم تكن تلك الأعذار شماعة أعلّق عليها فشلي، ولا حيلة أهرب بها من مواجهة نفسي، بل كانت واقعًا مريرًا عشته بكل جوارحي، وتقلّبت في تفاصيله المؤلمة، ولي عليه شهود عيان يشهدون أنني لم أكن أفتعل الحزن، بل كنت أتنفسه.
ثم عزمت ألا أستسلم، وألا أجعل السقوط خاتمة الحكاية، فقررت الغربة، وأنا في أول العمر، أبحث عن نافذة للنجاة، وأراهن على نفسي في مواجهة القدر. فتغرّبت، وعشت مرارة البعد، وكانت الغربة قاسية على قلب لم يشتدّ عوده بعد، لكنها كانت ضرورة من ضرورات الحلم، وكان الهدف عندي أسمى من مشقة الطريق، فاحتملت الألم وأنا أقول في نفسي: لا بأس ما دامت الغاية تستحق.
لكن الغربة أيضًا لم تبخل عليّ بامتحان جديد. فبعد سنة من العذاب والكدّ، وعدت إلى الوطن، فإذا بي أُفاجأ بأن نتيجتي لم تظهر، لا لقصور مني، ولا لتفريط في جهد، ولكن لأن الشهادة فُقدت في دولة ليبيا، مع أنني كنت في تركيا، غير أن المدرسة كانت تابعة للدولة الليبية، والتصحيح وإصدار النتائج منها. ويا لها من سخرية موجعة أن يضيع تعبك لا لأنك أخفقت، بل لأن أوراقك ضاعت في دهاليز الجهات والحدود.
وكانت تلك من أشد محطات العمر قسوة. فقدت الشهادة، ولم أبوح لأحد بما في صدري، وعشت ذلك الصراع وحدي، أجرّ وجعي في صمت، وأرى من كانوا معي في الغربة قد دخلوا الجامعات، بينما كنت أنا معلقًا على أملٍ هشّ، بل على سراب لا يكاد يُرى. كانت الأيام تمرّ ثقيلة، وكان الصبر يأكل من القلب شيئًا فشيئًا، حتى إذا ضاق الأمر واتّسعت في النفس هوّة الخوف، جاءني من لطف الله ما يحيي الموات.
فبعد سبعة أشهر من الانتظار والرجاء، اتصل بي رجل ممن كنت أتواصل معهم وأستمد منهم خيطًا رفيعًا من الضوء، وقال لي: لقد وصلت إلى الأردن، وهي في المكان الفلاني. يومها لم يسعفني الصبر، ولم تُمهلني الساعات أن أؤجل الفرح إلى الغد، رغم أنه أخبرني في وقت متأخر. أبيت إلا أن أذهب إليه في تلك الليلة، وعرضت المغريات خشية أن يطول عليّ نهار الغد. ومضيت نحوه وأنا أوقن أنني لو ذهبت على قدميّ لكنت أسرع من السيارة، مع أن المسافة كانت تتجاوز مئةً وعشرين كيلومترًا. وما كان يدفعني آنذاك إلا قلب أنهكه الانتظار، حتى صار يرى الركض نحو الأمل عبادة.
ثم دخلت كلية القانون، وبدأت مرحلة جديدة ظننت أنها ستكون أقل قسوة من سابقاتها، فدرست، واجتهدت، ومضيت في الطريق حتى جاء الفصل الأول، ثم دهمت جائحة كورونا الدنيا بما فيها. ومع ذلك، تجاوزت ما تجاوزت، وصبرت حتى وصلت إلى فصل التخرج. وبعد إقامة حفل مشروع التخرج، وبعد المراسم واستقبال التهاني، وفي اللحظات التي يعرفها طلبة الجامعات جيدًا، حين يظنون أن التعب قد انقضى وأن الفرح اكتمل، ظهر لي أنني محروم في إحدى المواد، لسبب لا يكاد يكون مقنعًا ولا مجديًا. فتعثرت الفرحة في منتصف الطريق، وسقطت من بين يديّ قبل أن ألمس تمامها.
وكم كان الوجع عظيمًا يومها؛ لأن الخيبة إذا جاءت في آخر الطريق كانت أشد وقعًا، كمن قطع الصحراء كلها، فلما لاح له السراب ماءً، اكتشف أنه ما يزال في العطش الأول. لكن الله ساق لي بعد ذلك من لطفه ما يخفف وطأة الموقف، إذ وصلت قضيتي إلى إحدى المسؤولات في ذلك الصرح، فاستمعت إلى واقعي وتفهّمت الحال. وكانت امرأة، لكنها بألف رجل، ولا غرابة في ذلك عن أهل الكرم والمروءة. فشُمت الأمور، وانفرج بعض ما ضاق، غير أن الفرحة لم تعد كاملة كما كانت؛ لأنها مرّت بمرارةٍ نزعت من لحظتها صفاءها، وتركت عليها ندبة لا تخفى.
ثم كان الطريق إلى نقابة المحامين الأردنيين، وهناك أيضًا لم يكن الدرب مفروشًا باليسر، بل خضت في ذلك الصرح مراحل شديدة، وتعرضت لنكسات وفيرة، ومحطات ثقيلة، غير أنني ما زلت ذلك الجنين العنيد، الذي أصرّ يومًا على البقاء، وما زال يصرّ على المضيّ ما بقي في العمر بقيّة. كأنني خُلقت لأقاوم، وكأن الانكسار لا يجد في داخلي مقامًا دائمًا، مهما نزل بي من وجع.
لقد علّمتني الحياة أن بعض الناس يولدون وفي أفواههم ملاعق الراحة، وآخرون يولدون وفي صدورهم قلوب مقاتلين. وأنا كنت من أولئك الذين لم تمنحهم الحياة شيئًا إلا بعد أن تختبر صبرهم، ولم تفتح لهم بابًا إلا بعد أن تذيقهم مرارة الانتظار عند عتبته. ومع ذلك، لم أزل أؤمن أن الله لا يزرع في الروح هذا القدر من المقاومة عبثًا، ولا يطيل ليل العبد إلا وفي الفجر الذي يدّخره له من الجمال ما ينسِيه وحشة الظلام.
أما ما مضى من حياتي، فليس قصة عابر تعب ثم استراح، بل سيرة نفسٍ تصالحت مع الكفاح، واعتادت أن تضمّد جراحها بنفسها، وأن تقوم كلما ظنّ الناس أنها لن تقوم. فإن كنت قد تأخرت في بعض الطرق، فقد تعلّمت من التأخر ما لم يتعلمه الواصلون سريعًا، وإن كنت قد خذلتني الحياة مرارًا، فقد منحتني في المقابل قلبًا يعرف كيف ينهض ولو كان مثخنًا بالخذلان.
وها أنا اليوم، بعد كل ما مرّ، لا أملك إلا أن أسأل الله أن يجمل أيامي القادمة، وأن يجعل في كل خطوة سلامة، وفي كل تأخير حكمة، وفي كل عسر لطفًا خفيًا، وفي كل انكسار جبرًا يليق بكرمه. وأما الأمور العاطفية، فتلك حكاية أخرى، من النكسات فيها ما تعجز الأقلام عن وصفه، وربما لو حاولتُ روايتها لضحكتُ أولًا من شدّة ما أبكتني.
أنا ابن المعاناة، نعم، لكنني أيضًا ابن الرجاء. وما دمت أتنفس، فسأبقى أقاوم، وأؤمن أن القادم، وإن تأخر، لا بد أن يكون أجمل.
نيسان ـ نشر في 2026-04-17 الساعة 17:07
رأي: المحامي فيصل ماجد الربطه


