اتصل بنا
 

ألغام هرمز

نيسان ـ نشر في 2026-04-19 الساعة 11:38

نيسان ـ إيران أزالت، بمساعدة الولايات المتحدة، جميع الألغام البحرية أو هي بصدد فعل ذلك ترامب.
راهنت الولايات المتحدة على أن اغتيال كبار القيادات الإيرانية كفيل بإنهاء هذا النظام ولم يحدث ذلك، ودفع عجز إيران عن مجاراة التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي إلى تبني جملة من الاستراتيجيات، من أبرزها ما يعرف في أدبيات الحروب بـعقيدة الحرب الفسيفسائية (Mosaic Defense Doctrine)، وهي عقيدة تقوم على تفكيك القيادة المركزية إلى وحدات صغيرة مستقلة، بحيث يعمل كل منها بصورة لامركزية، ويتخذ قراراته دون الرجوع إلى القيادة العليا. ومنذ اليوم الأول للحرب، انتهجت إيران هذا الأسلوب، إلا أن غياب التنسيق وتفكك البنية الهرمية العسكرية أفضى إلى حالة من الفوضى والارتباك في إدارة العمليات؛ فغدا المشهد متناقضا، يصرح الساسة بأمر، فيما يمضي القادة العسكريون في اتجاه مغاير تماما.
وقد انعكس ذلك ميدانيا في سلوك بالغ الخطورة؛ إذ عمدت وحدات عسكرية، مستخدمة زوارق صغيرة، إلى زرع ألغام بحرية بصورة عشوائية بهدف ردع سفن العدو. غير أن غياب التنسيق حول هذا الإجراء إلى سلاح مرتد، إذ فقدت إيران القدرة على تحديد إحداثيات تلك الألغام في المضيق؛ فلا خرائط دقيقة، ولا سجلات موثوقة، فيما قد تكون التيارات البحرية قد نقلت بعضها من مواضعه. ويزداد الخطر تعقيدا حين ندرك أن هذه الألغام ليست بدائية، بل ذكية تستشعر الصوت والضغط، فتتعقب مرور السفن الكبيرة والغواصات، وتنفجر تلقائيا عند اقترابها.
لهذا، لا تبدو إزالة الألغام مهمة يسيرة، والتاريخ شاهد على ذلك؛ فما زلنا حتى اليوم نطالع في الأخبار ظهور ألغام في مناطق متفرقة من المملكة رغم مضي نصف قرن على آخر حرب، بل إن ألغام الحرب العالمية الثانية لا تزال تكتشف تباعا في البحار واليابسة.
حتى مع تعهد بريطانيا بإزالة الألغام عقب انتهاء الحرب، ورغم امتلاكها أحدث التقنيات المتخصصة في هذا المجال، تظل المهمة شاقة وطويلة الأمد وغير مضمونة النتائج، ويبقى شبح الانفجار المفاجئ حاضرا، يذكر بأن خطر الألغام لا ينتهي بسهولة.
العامل الحاسم في إضعاف الملاحة في المضيق ليس عسكريا بقدر ما هو مادي؛ فالسفن التجارية استثمارات ضخمة قد تبلغ قيمة الواحدة منها نحو 150 مليون دولار، فيما قد تصل قيمة حمولتها إلى مئات الملايين. ومن ثم، فإن انفجار لغم واحد في أي منها كفيل بإحداث خسائر فادحة تطال السفينة والبضائع معا. لذلك، لا تبحر أي سفينة بلا تأمين؛ إذ ترفض الموانئ والبنوك وشركات الشحن التعامل مع السفن غير المؤمنة، وبغياب التأمين يتوقف الشحن العالمي برمته.
وهنا تكمن المفاجأة الحقيقية: فمصير المضيق لم يعد رهين تصريحات إيران، فتحا أو إغلاقا، بل انتقل عمليا إلى يد شركات التأمين. ومع تصاعد المخاطر قفزت تكلفة التأمين قفزة حادة؛ إذ ارتفعت رسوم «مخاطر الحرب» من نحو 0.25 % من قيمة السفينة إلى ما يقارب 1% أو أكثر، أي ما يتجاوز مليون دولار للرحلة الواحدة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أعلنت سبع شركات تأمين كبرى انسحابها الكامل، وأصدرت إشعارات بإلغاء التغطية خلال 72 ساعة فقط. وهنا وقع التحول الحاسم: فبمجرد فقدان التأمين، شلت حركة الملاحة، وتوقفت السفن عن الإبحار، وانخفض عدد السفن العابرة للمضيق بأكثر من 80 %، فيما بقيت نحو 150 ناقلة نفط راسية في عرض البحر، وأوقفت كبرى شركات الشحن عملياتها، وكأن شريان التجارة العالمية قد جمد بقرار مالي لا عسكري.
سعت الحكومة الأمريكية إلى توفير غطاء تأميني بديل، غير أن هذه المحاولة لم تفلح، كما أن تصريحات الرئيس ترامب بشأن إزالة الألغام لا تنسجم مع الواقع.
عاد ملف فتح المضيق ليتصدر واجهة الأحداث، لكن الحقيقة الأعمق أن مصيره لم يعد يحسم بتصريحات الساسة أو تحركات العسكريين، بل بقرارات خبراء التأمين. فحتى لو توقفت الحرب على الفور، لن تعود السفن إلى الإبحار مباشرة؛ إذ تحتاج شركات التأمين إلى وقت لإعادة تقييم مستوى المخاطر، وهي لا تدير قراراتها بمنطق السياسة، بل بمنطق الأرقام الباردة والبيانات الصارمة.

نيسان ـ نشر في 2026-04-19 الساعة 11:38

الكلمات الأكثر بحثاً