العروبة: أمل وهوية وحضارة أمة
نيسان ـ نشر في 2026-04-19 الساعة 12:43
نيسان ـ كثيرًا ما نسمع في الآونة الأخيرة مقولاتٍ تُحاول اختزال مفهوم العروبة في إطارٍ ضيق، فتُعرّفها بأنها مجرد لغة، ويذهب البعض أبعد من ذلك بالتشكيك في مصطلح “عرب” أو “عربي”، معتبرين أنه مشتق من الفصاحة والبيان فقط، لا من الانتماء إلى أمةٍ يزيد عدد أفرادها على ثلاثمائة مليون إنسان، تجمعهم اللغة والتاريخ والمشاعر والعادات المشتركة. إنها أمةٌ واحدة، فرّقها الاستعمار إلى اثنتين وعشرين دولة وكيانًا، في محاولةٍ لإضعاف وحدتها وتمزيق هويتها.
وعند العودة إلى التاريخ، نجد أن العروبة لم تكن يومًا مجرد لغة، بل كانت هويةً قائمة بذاتها قبل الإسلام. فقد وُجد العرب في الجزيرة العربية، وخاضوا معاركهم، ومنها معركة ذي قار ضد الفرس. كما قامت ممالك عربية عريقة مثل سبأ وحِمْير ومعين وحضرموت في اليمن، إضافة إلى مملكتي المناذرة في العراق والغساسنة في بلاد الشام، وهما مملكتان عربيتان كان لهما ارتباط سياسي بالقوى الكبرى آنذاك، كالفُرس والرومان.
ثم جاء الإسلام برسولٍ عربي، هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبصحابةٍ غالبيتهم من العرب، باستثناء قلةٍ معروفة مثل سلمان الفارسي وصهيب الرومي. وقد ثبّت الخليفة أبو بكر الصديق أركان الدولة الإسلامية عبر حروب الردة، ثم جاء عهد عمر بن الخطاب حيث امتدت الفتوحات إلى بلاد فارس والشام والعراق، واستمرت في العصر الأموي بقيادة قادةٍ عربٍ عظام، أسهموا في نشر الحضارة الإسلامية وترسيخ حضورها.
ومن أبرز تجليات هذه الحضارة ما قامت به الدولة العربية الاسلامية في الاندلس ، التي شكّلت نموذجًا فريدًا لدولةٍ متقدمة في العلوم والمعرفة والعمران. فقد أصبحت مدن مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية مراكز إشعاعٍ علمي وثقافي، يقصدها الأوروبيون للتعلم والاستفادة من منجزاتها في الطب والفلك والهندسة والفلسفة. وأسهمت هذه النهضة في نقل العلوم إلى أوروبا، فكانت أحد الجسور التي مهّدت لنهضتها الحديثة. كما أظهرت تجربة الأندلس قدرة العرب، عندما تتوفر لهم مقومات الوحدة والاستقرار، على بناء حضارةٍ متقدمة تتفوق في مجالاتٍ متعددة، وهو ما أثار انتباه القوى الأوروبية لاحقًا إلى خطورة قيام كيانٍ عربي موحد في المشرق، لما قد يحمله من تأثيرٍ مباشر على مصالحها الاستعمارية في المنطقة.
وفي مطلع القرن العشرين، جاءت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، لتُعبّر عن تطلعات العرب في التحرر والوحدة بعد سنواتٍ من التراجع. وقد كان الهدف الأسمى للثورة توحيد العرب وبناء كيانٍ عربي مستقل، غير أن القوى الاستعمارية، وعلى الرغم من استفادتها من هذه الثورة في إضعاف الدولة العثمانية، لم تكن لتسمح بقيام وحدة عربية، فانقلبت على وعودها ورسمت حدودًا مصطنعة فرّقت الأمة.
فلماذا إذًا يُحاول البعض التقليل من شأن العروبة، وحصرها في مجرد مصطلحٍ لغوي؟
نعم، لا يُنكر أحد أن عددًا من العلماء الذين أسهموا في الحضارة الإسلامية لم يكونوا من أصولٍ عربية، خاصة في مجالات اللغة والطب والعلوم، لكنهم نشأوا في بيئةٍ عربية إسلامية وفّرت لهم أسباب الإبداع والازدهار.
وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: لماذا ننكر قوميتنا، في حين يعتز الآخرون بقومياتهم ويدافعون عنها؟ فالأمم المختلفة تبني مجدها على هويتها، وتستمد قوتها من وحدتها.
فلماذا، إذًا، يُطلب منا نحن العرب أن نتخلى عن هويتنا؟ أليس في ذلك امتدادٌ للفكر الاستعماري الذي عمل على تقسيم الأمة العربية عبر اتفاقيات مثل سايكس-بيكو وسان ريمو؟
إن العروبة ليست مجرد لغة، بل هي هوية حضارية متكاملة، تمتد جذورها في التاريخ، وتنبض بالحياة في الحاضر، وتحمل في طياتها مقومات النهوض في المستقبل. والاعتزاز بها لا يتناقض مع الانفتاح على الآخر، بل يُعزّز من حضورنا بين الأمم.
وعند العودة إلى التاريخ، نجد أن العروبة لم تكن يومًا مجرد لغة، بل كانت هويةً قائمة بذاتها قبل الإسلام. فقد وُجد العرب في الجزيرة العربية، وخاضوا معاركهم، ومنها معركة ذي قار ضد الفرس. كما قامت ممالك عربية عريقة مثل سبأ وحِمْير ومعين وحضرموت في اليمن، إضافة إلى مملكتي المناذرة في العراق والغساسنة في بلاد الشام، وهما مملكتان عربيتان كان لهما ارتباط سياسي بالقوى الكبرى آنذاك، كالفُرس والرومان.
ثم جاء الإسلام برسولٍ عربي، هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبصحابةٍ غالبيتهم من العرب، باستثناء قلةٍ معروفة مثل سلمان الفارسي وصهيب الرومي. وقد ثبّت الخليفة أبو بكر الصديق أركان الدولة الإسلامية عبر حروب الردة، ثم جاء عهد عمر بن الخطاب حيث امتدت الفتوحات إلى بلاد فارس والشام والعراق، واستمرت في العصر الأموي بقيادة قادةٍ عربٍ عظام، أسهموا في نشر الحضارة الإسلامية وترسيخ حضورها.
ومن أبرز تجليات هذه الحضارة ما قامت به الدولة العربية الاسلامية في الاندلس ، التي شكّلت نموذجًا فريدًا لدولةٍ متقدمة في العلوم والمعرفة والعمران. فقد أصبحت مدن مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية مراكز إشعاعٍ علمي وثقافي، يقصدها الأوروبيون للتعلم والاستفادة من منجزاتها في الطب والفلك والهندسة والفلسفة. وأسهمت هذه النهضة في نقل العلوم إلى أوروبا، فكانت أحد الجسور التي مهّدت لنهضتها الحديثة. كما أظهرت تجربة الأندلس قدرة العرب، عندما تتوفر لهم مقومات الوحدة والاستقرار، على بناء حضارةٍ متقدمة تتفوق في مجالاتٍ متعددة، وهو ما أثار انتباه القوى الأوروبية لاحقًا إلى خطورة قيام كيانٍ عربي موحد في المشرق، لما قد يحمله من تأثيرٍ مباشر على مصالحها الاستعمارية في المنطقة.
وفي مطلع القرن العشرين، جاءت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، لتُعبّر عن تطلعات العرب في التحرر والوحدة بعد سنواتٍ من التراجع. وقد كان الهدف الأسمى للثورة توحيد العرب وبناء كيانٍ عربي مستقل، غير أن القوى الاستعمارية، وعلى الرغم من استفادتها من هذه الثورة في إضعاف الدولة العثمانية، لم تكن لتسمح بقيام وحدة عربية، فانقلبت على وعودها ورسمت حدودًا مصطنعة فرّقت الأمة.
فلماذا إذًا يُحاول البعض التقليل من شأن العروبة، وحصرها في مجرد مصطلحٍ لغوي؟
نعم، لا يُنكر أحد أن عددًا من العلماء الذين أسهموا في الحضارة الإسلامية لم يكونوا من أصولٍ عربية، خاصة في مجالات اللغة والطب والعلوم، لكنهم نشأوا في بيئةٍ عربية إسلامية وفّرت لهم أسباب الإبداع والازدهار.
وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: لماذا ننكر قوميتنا، في حين يعتز الآخرون بقومياتهم ويدافعون عنها؟ فالأمم المختلفة تبني مجدها على هويتها، وتستمد قوتها من وحدتها.
فلماذا، إذًا، يُطلب منا نحن العرب أن نتخلى عن هويتنا؟ أليس في ذلك امتدادٌ للفكر الاستعماري الذي عمل على تقسيم الأمة العربية عبر اتفاقيات مثل سايكس-بيكو وسان ريمو؟
إن العروبة ليست مجرد لغة، بل هي هوية حضارية متكاملة، تمتد جذورها في التاريخ، وتنبض بالحياة في الحاضر، وتحمل في طياتها مقومات النهوض في المستقبل. والاعتزاز بها لا يتناقض مع الانفتاح على الآخر، بل يُعزّز من حضورنا بين الأمم.
نيسان ـ نشر في 2026-04-19 الساعة 12:43
رأي: المهندس عبدالفتاح الدرادكة


