اتصل بنا
 

تعفن الدماغ

رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

نيسان ـ نشر في 2026-04-19 الساعة 12:44

نيسان ـ هذا السقوط لم يكن مدويا كما كنا نتخيل السقوط دائما، لم نسمع له ارتطاما، ولم نر له غبارا يتصاعد من حولنا؛ جاء ناعما، مروضا، أقرب إلى انزلاق بطيء على سطح أملس. دقائق صغيرة كنا نقتطعها من تعبنا اليومي، نمنحها لأنفسنا كجائزة مستحقة، فإذا بها تتحول إلى ثقوب سوداء تبتلع الوقت والنية معا. ومع كل تمريرة إصبع، كنا نفقد شيئا لا نراه، حتى إذا ما حاولنا استعادته لاحقا، اكتشفنا أن الخسارة لم تكن في الوقت وحده، وإنما في قدرتنا على أن نكون حاضرين بكامل وعينا.
تغيرت علاقتنا بكل ما يحتاج إلى نفس طويل دون إعلان صريح. الكتاب لم يعد صديقا ثقيلا بالمعرفة، صار امتحانا مؤجلا، والمقال العميق تحول إلى رف مرتفع نؤجل بلوغه. وحتى الفكرة، تلك التي كانت تستدرجنا لنمشي معها حتى آخر الخيط، صارت تثير فينا قلقا خفيا، كأنها تطلب منا جهدا لا نرغب في بذله. الذهن الآن لا يستقر، يرفرف فوق السطح، يكتفي باللمس الخفيف، ويهرب من أي محاولة للغوص. كقطعة فلين، كما لو أن العمق صار مكانا معاديا، أو ذاكرة موجعة، أو عبئا لا طاقة لنا به.
وحين جرى تتويج «تعفن الدماغ» اسما لهذه الحالة، بدا الأمر أقرب إلى اعتراف متأخر بما يحدث في الداخل. نحن أمام عقول تعيش على إيقاع متقطع، تقفز بين ومضات متجاورة لا يجمعها سياق، وتكدس كما هائلا من الشذرات دون أن تبني معرفة قابلة للبقاء. الصورة مكتملة من حيث الكثرة، ومبتورة من حيث المعنى. ومع حضور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي تقدم الإجابات جاهزة ومعلبة، تقلصت المسافة بين السؤال ونهايته، حتى كادت رحلة التفكير نفسها تختفي. تلك الرحلة التي كانت، في جوهرها، تمرينا على الصبر، وعلى الشك، وعلى اكتشاف الذات قبل اكتشاف الجواب.
الأمر لا يقف عند حدود العقل. شيء ما انسحب بهدوء من مشاعرنا أيضا. المآسي التي كانت تقيم فينا طويلا، تمر الآن مرور العابرين، تزاحمها نكتة أو رقصة أو مشهد عابر. التعاطف صار خاطفا، والانفعال صار مؤقتا، وكل شيء قابل للاستبدال في لحظة. الأجيال التي تنمو في هذا الإيقاع اللاهث تبدو كمن يتعلم الحياة من مقاطع مجتزأة، دون أن يمتلك القدرة على ربطها في سياق واحد، أو الصبر على تعقيدها، أو احتمال بطء نضوجها.
في زاوية ما من هذا الضجيج، ما يزال هناك مخرج صغير، يشبه فنجان القهوة الذي يسكب فوق زجاجة ممتلئة. لحظة صمت، قراءة متأنية، جلوس بلا شاشة تراقبنا من طرف خفي. هناك، حيث يضطر العقل أن يواجه نفسه دون وسائط، تبدأ استعادة بطيئة لما فقدناه. ليس الأمر دعوة للانسحاب من العالم، وإنما محاولة لاسترداد إيقاع إنساني كاد أن يندثر. فهل نمنح أنفسنا فرصة للعودة، أم نواصل هذا الانجراف الهادئ، حتى نصبح، دون أن نشعر، مجرد عابرين في عقولنا؟.

نيسان ـ نشر في 2026-04-19 الساعة 12:44


رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

الكلمات الأكثر بحثاً