اتصل بنا
 

الحبْكة والنسيج: آثار عربية وآداب أوروبية

كاتب عربي

نيسان ـ نشر في 2026-04-20 الساعة 12:48

نيسان ـ اختتم «المعهد الثقافي العربي» في ميلانو، في رحاب الجامعة الكاثوليكية العريقة، جلسات الدورة التاسعة لـ«المهرجان الدولي للغة والثقافة العربية»؛ الذي انعقد هذه السنة تحت عنوان «الحبْكَة العربية في نسيج الأدب الأوروبي». وكما سار دأبه خلال الدورات السابقة، ومنذ بدء عمله كأستاذ في الجامعة، أعاد الصديق الكاتب والأكاديمي المصري د. وائل فاروق تأكيد مكانته كأحد كبار رافعي ألوية اللغة والأدب والثقافة العربية في إيطاليا عموماً، وأثبت مجدداً أنه الأبرز بين رعاتها وصانعيها في مدينة ميلانو خصوصاً؛ يعاونه فريق أكاديمي وطلابي، إيطالي وعربي، عالي الكفاءات والمهارات ورفيع التفاني.
جلسات المؤتمر تناولت سبعة محاور، ناقشت العربية والصلات اللغوية في أوروبا، وتأثيرات «ألف ليلة وليلة»، ونماذج السرد العربي، وانبثاق الحداثة العربية، والحوارات الشعرية والأدبية على شواطئ المتوسط؛ إضافة إلى مفهوم «مقاصد الشريعة» وعلاقات القوانين الإسلامية والعربية مع الأوروبية. وحضرتْ، بالطبع، مقارنات معمقة بين نماذج أدبية عربية وأخرى أوروبية، كشفت خلالها بعض الأوراق عن تفاصيل جديدة لافتة.
وهذه السطور تشرفت بالمشاركة في أعمال المؤتمر، بورقة حملت عنوان «كمَوْج البحر: آثار عربية في آداب إنكليزية»، توزعت على أربعة أقسام:
ــ سلسلة السياقات التاريخية التي أفضتْ إلى إحداث تفاعلات عميقة بين الآداب العربية والإنكليزية (الحروب الصليبية، الوجود العربي في جزيرة صقلية، والممالك الأموية في الأندلس)؛ فضلاً عن أقنية اتصال أخرى عرفها التاريخ، عبر الرحلات والتبادل التجاري والاستكشاف والعلاقات الدبلوماسية بين الشعوب، أو عبر طريق الحرير الشهير والامتداد الجغرافي الواسع للإمبراطورية العثمانية.
ــ تاريخانية، وبالتالي إشكالية، اللغة العربية من خلال مداخل ثقافية ودينية وضعت الإسلام أمام «الغرب» عموماً، وأوروبا خصوصاً؛ وجملة الاعتبارات التي اكتنفت التواصل على أصعدة جيو ـ سياسية قبل أن تكون أدبية أو فنية.
ــ سيرورة التأثير في إنكلترا، التي لم تكن موحدة في طبائع استقبالها للآداب العربية، حيث الاعتبارات الفنية والجمالية لمعلقة امرئ القيس كما تأثر بها شاعر إنكليزي مثل ألفرد تنيسون في قصيدته «لكسلي هول»؛ لم تكن مطابقة للبواعث الثقافية والأنثروبولوجية وربما الدينية التي دفعت شاعراً إنكليزياً آخر مثل جيوفري شوسر في «حكايات كانتربري»، إلى التأثر بحكاية واحدة محددة من «ألف ليلة وليلة»؛ أو دانييل ديفو، في روايته الشهيرة «روبنسون كروزو»، وصلاتها الجلية مع عمل ابن طفيل «حيّ بن يقظان».
ــ الترجمة، بين الثقافات العربية والأوروبية، من حيث استراتيجيات القوّة والهيمنة والاستعمار، في ضوء القراءات النقدية المعاصرة عموماً، وما بعد الاستعمارية خصوصاً. ذلك لأنّ فعل الترجمة، من العربية إلى اللغة الإنكليزية خلال القرون الوسطى خصوصاً، كان أشدّ تعقيداً من أن تختصره تعريفات تقليدية تكتفي بالسجال حول مسائل تقنية، مثل الأمانة للأصل أو التزيّد عليه، ومحاكاة الأسلوب أو الاجتهاد فيه.
وكانت للورقة وقفة خاصة عند سنة 1600 حين وصل عبد الواحد بن مسعود إلى بلاط الملكة إليزابيث الأولى، سفيراً للعاهل المغربي مولاي محمد أحمد المنصور، وكانت مهمته الأولى الكبرى والسرّية هي إقناع ملكة إنكلترا بتشكيل تحالف عسكري مشترك يهدف إلى اجتياح إسبانيا؛ الأمر الذي لم يقنع الملكة، ولكن السفارة كانت ذات نفع كبير على صعيد الأدب واللغة. فالسفير مكث ستة أشهر في لندن، واكتسب مكانة سياسية ودبلوماسية رفيعة، وهنالك في متحف برمنغهام لوحة فريدة تصوّره باللباس الحربي المغربي، اعتُبرت أول صورة في بريطانيا لشخص عربي. كذلك كانت إقامة بن مسعود قد تصادفت مع الفترة ذاتها التي شهدت ذروة نشاط وليام شكسبير، فشاهد السفير عدداً من العروض؛ وإلى ذلك الاحتكاك العربي ندين بغالبية الإشارات العربية والإسلامية في مسرح شكسبير، وخاصة في «عطيل» و»العاصفة».
وقفة خاصة أخرى عند تنيسون ومعلقة امرئ القيس، وكان الشاعر الإنكليزي قد قرأها في ترجمة أنجزها وليام جونز لمجموعة من المعلقات، وصدرت في سنة 1782؛ ونعرف من نجل تنيسون وكاتب سيرته أنّ هذه الترجمة ألهمت أباه فكرة قصيدة «لوكسلي هول»، التي رأت النور سنة 1830. لكنّ سمات كثيرة، تخص الموضوع والخيال والصورة الشعرية والمجاز والمناخ الشعوري العام في القصيدة، تؤكد طرازاً من الاستلهام يتجاوز التأثر إلى المحاكاة والمطابقة أحياناً. وهنالك العديد من القواسم المشتركة، مثل الطلل المكاني، وإدارة مونولوغ مع الآخر، وإلحاح العزلة مع الذات، واستعادة الذكريات، والمزج بين الغزل الحسي وكآبة الفقد. ولعل وصف الليل كان الخيار اللافت أكثر لدى تنيسون، خاصة استعارته صور النجوم والثريا والشرر المتطاير، على منوال قول امرئ القيس: «فيالك من ليلٍ كأنّ نجومه/ بكلّ مُغار الفتل شُدّت بيذبل».
بذلك فإنّ النصوص العربية، التي تدفقت تأثيراتها كموج البحر على المشهد الإنكليزي، ليست في نهاية المطاف منفصلة عن مفهوم «الأدب العالمي»؛ كما سيحثّ على استقباله لاحقاً الشاعر الألماني غوته في سنة 1827، وهو في سنّ الـ77، خلال حوار مع تلميذه إكرمان. إنها أيضاً تلك «الحبْكَة» التي أحالها القارئ الإنكليزي إلى نماذج قابلة للتماهي، على هذا النحو أو ذاك، مع مجموعة من القِيَم المعيارية الكونية؛ العابرة للحساسيات الضيقة والبيئات المحلية.

نيسان ـ نشر في 2026-04-20 الساعة 12:48


رأي: صبحي حديدي كاتب عربي

الكلمات الأكثر بحثاً