اتصل بنا
 

عن فرضية الحرب العالمية الثالثة… والأخيرة

كاتب سوداني

نيسان ـ نشر في 2026-04-21 الساعة 12:50

نيسان ـ التصعيد المرتبط بحرب أوكرانيا، التي كفّت منذ أن استخدم الأوكرانيون السلاح الأمريكي لقصف الداخل الروسي، عن أن تكون حرباً بسيطة بين دولتين، وما تلا ذلك من أحداث استمرت حتى الأزمة الحالية في منطقة الشرق الأوسط، كانت تجعل كثيرين يشعرون بالتشاؤم ولا يستبعدون احتمال الانزلاق نحو حرب عالمية ثالثة قد تكون أخيرة بسبب العامل النووي.
يطمئن البعض أنفسهم بالقول، إن حرباً كهذه ليست سهلة الاندلاع، ولا يمكن حتى لأقوى الدول أن تتساهل في بدئها، لما سيكون لذلك من تداعيات. إلا أن المخيف هو أن لا أحد يستطيع التحكم في الأمر، فابتداء الحرب ليس كإنهائها، وكثير من الحروب بدأت حينما اقتنع أصحابها أن بإمكانهم أن يتحكموا فيها، وأن يحسموها خلال أيام. بدأ هذا منذ الحروب العالمية، التي بدأت بشكل غير متوقع، فإذا بها تستهلك ملايين الأرواح خلال سنوات معدودة.
ثمة عامل آخر يجعل من الصعب استبعاد سيناريو الحرب العالمية الجديدة. هذا العامل هو طبيعة الشخصيات المتحكمة في النظام الدولي، التي يبدو بعضها أقرب للجنون من كونه زعيماً مسؤولاً عن حياة شعوب كاملة. هذا ينقل تصور النهاية المترتبة على قرار أحمق، أو على لحظة غضب، أو لمجرد الرغبة في إنهاء العالم من مجرد قصة لأحد أفلام الخيال العلمي الفانتازية، إلى فرضية تتعاظم فرص تحققها.
بعد المأساة، التي شهدها العالم في الحرب العالمية الأولى، ظن الجميع أن الدول الكبرى لن تكرر أخطاءها بعد ما ذاقته، لكن ما حدث كان العكس
هذا محبط بالتأكيد، فبعد المأساة، التي شهدها العالم في الحرب العالمية الأولى، ظن الجميع أن الدول الكبرى لن تكرر أخطاءها بعد ما ذاقته، لكن ما حدث كان العكس، حيث تحولت الفترة في ما بين الحربين إلى ما يشبه الهدنة الطويلة، التي ما أن استعادت الأطراف المتشاكسة أنفاسها بعدها، حتى انخرطت في حرب جديدة. حتى الأمم المتحدة، التي صنعت لتكون منظمة حماية ووقاية، ما لبثت أن تحولت لمنبر بروتوكولي، فظلت عاجزة عن حل أهم صراعات العالم، قبل أن يضمحل دورها تماماً خلال الأعوام الأخيرة. اليوم لا تكاد تسمع للمنظمة الأممية صوتاً حينما يتعلق الأمر بالأزمات الكبرى.
فرضية الحرب القادمة لم تعد مجرد خيال لمتشائمين، بل صارت موضع نقاش سياسي وأكاديمي جاد. أود آرني ويستاد، وهو مؤرخ نرويجي وأستاذ في جامعة يال، ضم صوته لصوت المفكرين بصوت عالٍ في هذا الاحتمال، في كتابه المنشور في شهر آذار/ مارس الماضي، الذي منحه عنواناً كاشفاً ومفصلاً: «العاصفة القادمة: السلطة، الصراع، والتحذيرات من الماضي». خلاصة رأي ويستاد هو أن الظروف، التي قادت لاندلاع الحرب العالمية الأولى، تشابه إلى حد كبير ظروف العالم اليوم، خاصة صعود التيارات القومية اليمينية. يذكرنا ويستاد بأن الأزمة التاريخية، التي تسببت في اندلاع الحرب الكبرى، كانت تتمثل في الاعتداد الألماني الفائق بالأمة والقومية، وهو اعتداد يتجاوز مجرد حب الشعب أو الوطن، بل يمتزج برغبة عارمة في الإخضاع وفي امتلاك القوة.
يضع ويستاد مقارنة جديرة بالانتباه بين حال فرنسا وبريطانيا، اللتين كانتا تخشيان آنذاك من صعود ألمانيا، وامتلاكها القوة والسلاح، بما يجعل منها منافساً شرساً ومهدداً، وبين الصراع الحالي بين كل من الصين والولايات المتحدة. جوهر الصراع اليوم هو خشية الأمريكيين من أن تسحب الصين بساط القوة المادية والنفوذ العالمي من تحت أقدامهم، وهو ما تعمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة بقوة على كبحه، بمحاولة حصار العملاق الآسيوي اقتصادياً، من خلال تعقيد التجارة وفرض الرسوم، وسياسياً عبر تطويقه بشبكة من الحلفاء الإقليميين.
في وقت صدور كتاب ويستاد كان بيتر آبس المراسل والصحافي المتخصص في متابعة الحروب والصراعات الدولية في وكالة «رويترز»، قد نشر كتاباً آخر مهماً بعنوان «الحرب العالمية الثالثة القادمة: العصر الجديد للصراع العالمي والكفاح لإيقافه» وهو كتاب داعم لرؤية ويستاد، وإن كان بلغة أكثر بساطة مقارنة بلغة الأكاديمي المخضرم. وجه الشبه هو أن الكاتبان يتفقان على أن الترسانات النووية في عالم اليوم يتحكم بها أشخاص غريبو الأطوار. لا يكتفي آبس هنا بذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يكاد يتفق الجميع على تهوره، وإنما يضرب مثالاً أيضاً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي شهد انهيار الاتحاد السوفييتي ودفع بلاده لبيع ممتلكاتها، والذي استشهد في مقال، بتاريخ الفايكنج لتبرير حربه ضد أوكرانيا. يحكي آبس أيضاً عن الرئيس الصيني شي جي بينغ، الذي قال إنه يعاني من عقدة بسبب ما تعرض له في شبابه من قمع إبان «الثورة الثقافية»، حينما اتهم والده بخيانة الحزب الشيوعي، وأيضاً بسبب رغبته في الانتقام لما يعرف بـ»قرن الإذلال» الصيني، الذي شهد سابقاً استباحة الصين وتحولها لساحة للتدخل الدولي وفرض التنازلات التجارية.
في تحليلهما للشخصيات السابقة مضافاً إليها شخصية زعيم كوريا الشمالية، الذي ترتبط بلاده بعلاقة وثيقة مع الصين من جهة، وبتحالف عسكري واتفاقية دفاع مشترك مع روسيا من جهة أخرى، يتفق كل من ويستاد وآبس على نقطة قد يوافقهما عليها كثيرون، وهي أن هذه الأسماء المتحكمة في القرار الدولي تهتم بمكانتها وبالظهور بمظهر القوي، أكثر من اهتمامها بتفادي الحروب المدمرة.
الحرب الأمريكية الأخيرة ضد إيران قد تكون مثالاً واضحاً على هذه النقطة، ففي الوقت، الذي كان يحاول فيه الجميع، بمن فيهم الحلفاء الغربيون، إقناع ترامب بأنها ستكون حرباً بلا طائل، وقد تدخل المنطقة كلها، بل العالم، في حالة من عدم الاستقرار، كان ترامب المهووس بإثبات القوة عازماً على تنفيذ مخططه، وعلى إثبات جدارته في إخضاع الجميع مهما كانت التكلفة.
آبس يربط من جهة أخرى بين الحروب والفساد، معتبراً أن اللجوء إلى الحرب قد يكون وسيلة لصرف الرأي العام عن التجاوزات القائمة. بهذا فإنه طالما وجد فساد فسوف يستمر التفكير في إذكاء الحروب. هذا يصدق في حالة كل من ترامب ونتنياهو، اللذين كانت تلاحقهما اتهامات كثيرة مالية وأخلاقية، قبل أن يتم التشويش على كل شيء بفعل حالة العنف والفوضى.
بعد الاقتناع بأن اندلاع الحرب وارد، كما ذهب إلى ذلك هذان الكاتبان وأسماء كثيرة أخرى كالمؤرخ العسكري والكاتب في الـ»إندبندنت» غاي والترز، فإن السؤال، الذي سيبقى هو عن كيفية تجنب هذه النهاية المأساوية للعالم. المحللون لم يقدموا أي إجابة سوى التوصية بأن يتحلى القادة والزعماء بمزيد من الدبلوماسية والقدرة على الجلوس وجهاً لوجه مع الابتعاد عن كل ما قد يثير الغبن، كالتصريحات الأمريكية المستفزة المتعلقة بالتدخل لحماية تايوان. يبدو كل ذلك مجرد أمنيات، فلو كان قادة العالم يمتلكون الحكمة الكافية، التي تجعلهم يتجنبون الحروب ويكونون واعين بشكل حقيقي بما يمكن أن تنتجه من مآسٍ، لما كانت هناك مشكلة بالأساس. المؤسف هو أن ما يشغل القوى الكبرى حالياً ليس السؤال عن كيفية تجنب الحروب المدمرة، وإنما كيفية حسم الصراعات المتوقعة بأقل تكلفة، حتى إن تعلق الأمر بالسلاح النووي، الذي لا تتحدث الدول النووية عن نزعه، بل عن كيفية تطويره وطريقة الصد، أو الرد في أسرع وقت في حال تم توجيهه تجاهها.

نيسان ـ نشر في 2026-04-21 الساعة 12:50


رأي: د. مدى الفاتح كاتب سوداني

الكلمات الأكثر بحثاً