مجزرة في مدرسة تركية
نيسان ـ نشر في 2026-04-21 الساعة 12:51
نيسان ـ فجعت تركيا، الأسبوع الماضي، بأخبار مجزرة مروعة وقعت في إحدى المدارس في مدينة مرعش جنوب شرقي الأناضول. مرتكب المجزرة طفل في الرابعة عشرة من عمره، وضحاياها تسعة تلاميذ في العمر نفسه إضافة إلى أحد المعلمين. فقد دخل هذا التلميذ المدرسة التي ينتمي إليها حاملاً في حقيبته المدرسية خمسة مسدسات مع سبعة مخازن ذخيرة وراح يطلق النار على زملائه داخل الصفوف الدراسية. جريمة سبق وعرفنا مثيلا لها في بعض المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت أولاها في العام 1999. أما في تركيا فهذه هي الثانية. فقبل يوم واحد وقعت جريمة مشابهة في ولاية أورفة أيضاً، خلفت عدداً من الجرحى، قام بها طالب سابق في المدرسة ببندقية صيد ثم انتحر. قاتل أورفة في التاسعة عشرة من عمره، لم يتمكن من إتمام تعليمه، فانتقم “من العالم” بتوجيه غضبه ضد زملائه ومعلميه السابقين. في حين أن الطفل القاتل في جريمة مرعش ما زال تلميذاً في المدرسة، ودخل أثناء الدوام كما يفعل كل صباح. ونقل عنه شهود عيان ممن نجوا من المجزرة أنه صرخ باللغة الإنكليزية قائلاً: “لن ينجو أحد!” (no escape!).
امتلأت أعمدة الصحف والبرامج الإخبارية والحوارية بمحاولات لتفسير دوافع الطفل، وللبحث في أنجع الوسائل الممكنة لعدم تكرار وقوع أحداث مماثلة، وما هي الأسباب الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية التي جعلت هذه الجريمة ممكنة. ولم تخل التحليلات من الميول السياسية لمطلقيها، فمقابل اختزال الأصوات الموالية للسلطة للحدث إلى بعده السيكولوجي الفردي مع اتهام موجه للمسلسلات التلفزيونية وألعاب الفيديو التي تروج للعنف، نزعت الأصوات المعارضة إلى قطع فاتورته لـ”حال البلاد” المسؤولة عنها السلطة السياسية المزمنة.
في جريمة أورفة الدافع معروف، ومن السهل تحميل المسؤولية للنظام التعليمي الذي يضم في تركيا ملايين الطلاب، وينبذ أكثريتهم الساحقة بواسطة مقصلة الامتحانات، فلا تصل إلا نخبة صغيرة منها إلى نهاية الطريق، في بلد يتوقف فيه الارتقاء الاجتماعي على النجاح الدراسي، في حين يتم تهميش البقية التي تنضم إلى جيش العاطلين عن العمل المتضخم باستمرار. ويشكل هؤلاء المهمشون احتياطياً كبيراً لعالم الجريمة المنظمة المزدهر في تركيا.
أول ما يخطر في البال إثر مجزرة المدرسة في مرعش هو التساؤل عن مدى تواصلنا مع أطفالنا ومعرفة ما يدور في أذهانهم الغضة
لكن جريمة مرعش هي الأكثر إثارة للخوف. فالطفل الذي قتل زملاءه هو ابن عائلة من الطبقة الوسطى، أبوه مدير أمن سابق، وأمه معلمة مدرسة. فهو لا يعاني من الحرمان أو الضغوط المعاشية. من الواضح أنه يعاني من مشكلة سيكولوجية. وقد أشار معلموه إلى أنه كان منطوياً على نفسه، بلا أصدقاء، لا يخالط زملاءه، قليل الكلام. وكانت شهادة أبيه صادمة أيضاً حين قال إن الأسلحة التي استخدمها ابنه تعود له، وإنه اصطحبه، قبل يوم واحد من الحادث، إلى نادي الرماية ليتدرب على إطلاق النار! من المحتمل أن الأب كان بصدد “تعزيز رجولة” (!) ابنه المراهق في مجتمع يعلي من شأن مفهوم للرجولة يقترن بالخشونة والعنف والبطولة. فإذا أضفنا إلى ذلك ما يحتمل أن الطفل يتلقاه من عالم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من “قيم” ربما مشابهة، ومن أخبار وبيانات القتلة المشاهير ممن ارتكبوا مجازر مشابهة في بلدان أخرى، لاكتملت صورة مروّعة عن الجيل الذي ينتمي إليه هذا الطفل. جيل منغلق على عالمه الخاص، لا يتواصل مع أهله والبيئة الاجتماعية المحيطة، قليل الحظ من الثقافة التي نشأ عليها أهله ومحيطه، لا يعرف أحد ما يدور في أذهانهم.
لجأت السلطات التركية إلى وضع حدود صارمة لتداول الأخبار المتعلقة بالجريمة، وتم اعتقال كثيرين ممن نشروا على وسائل التواصل الاجتماعي أخباراً وتعليقات اعتبرت تحريضية أو مشجعة للعنف أو أخباراً كاذبة عن مجازر جديدة في مدارس أخرى. وتطايرت على وسائل الإعلام اقتراحات بشأن وضع قيود على استخدام ألعاب الفيديو أو رقابة أكثر صرامة بشأن أفلام ومسلسلات تتناول عالم الجريمة المنظمة التي تمتلئ بمشاهد العنف. لكننا نعرف أن هذه الإجراءات الزجرية قلما كانت مجدية لمنع وقوع أحداث مماثلة، في الوقت الذي تتساهل فيه السلطة القضائية مع جرائم قتل النساء الشائع في تركيا، فلا يمضي أسبوع إلا وتمتلئ وسائل الإعلام بأخبار مقتل نساء وفتيات على يد زوج أو أخ أو حبيب. وعموماً ثمة كم فائض من العنف في المجتمع التركي نترك لعلماء الاجتماع البحث في أسبابه وجذوره. لكن الجديد المضاف هو النزوع إلى مشهدية هذا العنف بواسطة وسائل الاتصال الحديثة، وتأثيرها المعزز. يوم أمس حدث تلاسن بين فتاة “مؤثرة” لها قناة بث على وسائل التواصل الاجتماعي وامرأة في أحد شوارع إسطنبول، وسرعان ما تحولت الملاسنة إلى عراك بالأيدي، فطرحت المؤثرة التي تسمي نفسها “الوردة السوداء” المرأة الأخرى على الأرض واستلت سكيناً راحت تطعنها بها وهي تصور فعلتها وتبثها مباشرةً على قناتها. كان لافتاً أنها استمرت في البث عبر هاتفها المحمول بعد إلقاء القبض عليها ووضعها في سيارة الشرطة! هذه المؤثرة لها جمهور ربما يستحسن جريمتها ويتأثر بها، وإلا ما كانت تباهت بفعلتها أمامه.
ربما أول ما يخطر في البال إثر مجزرة المدرسة في مرعش هو التساؤل عن مدى تواصلنا مع أطفالنا ومعرفة ما يدور في أذهانهم الغضة، والمشكلات الاجتماعية أو النفسية التي قد يعانون منها. فهذه هي قناة تواصلنا مع المستقبل.
امتلأت أعمدة الصحف والبرامج الإخبارية والحوارية بمحاولات لتفسير دوافع الطفل، وللبحث في أنجع الوسائل الممكنة لعدم تكرار وقوع أحداث مماثلة، وما هي الأسباب الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية التي جعلت هذه الجريمة ممكنة. ولم تخل التحليلات من الميول السياسية لمطلقيها، فمقابل اختزال الأصوات الموالية للسلطة للحدث إلى بعده السيكولوجي الفردي مع اتهام موجه للمسلسلات التلفزيونية وألعاب الفيديو التي تروج للعنف، نزعت الأصوات المعارضة إلى قطع فاتورته لـ”حال البلاد” المسؤولة عنها السلطة السياسية المزمنة.
في جريمة أورفة الدافع معروف، ومن السهل تحميل المسؤولية للنظام التعليمي الذي يضم في تركيا ملايين الطلاب، وينبذ أكثريتهم الساحقة بواسطة مقصلة الامتحانات، فلا تصل إلا نخبة صغيرة منها إلى نهاية الطريق، في بلد يتوقف فيه الارتقاء الاجتماعي على النجاح الدراسي، في حين يتم تهميش البقية التي تنضم إلى جيش العاطلين عن العمل المتضخم باستمرار. ويشكل هؤلاء المهمشون احتياطياً كبيراً لعالم الجريمة المنظمة المزدهر في تركيا.
أول ما يخطر في البال إثر مجزرة المدرسة في مرعش هو التساؤل عن مدى تواصلنا مع أطفالنا ومعرفة ما يدور في أذهانهم الغضة
لكن جريمة مرعش هي الأكثر إثارة للخوف. فالطفل الذي قتل زملاءه هو ابن عائلة من الطبقة الوسطى، أبوه مدير أمن سابق، وأمه معلمة مدرسة. فهو لا يعاني من الحرمان أو الضغوط المعاشية. من الواضح أنه يعاني من مشكلة سيكولوجية. وقد أشار معلموه إلى أنه كان منطوياً على نفسه، بلا أصدقاء، لا يخالط زملاءه، قليل الكلام. وكانت شهادة أبيه صادمة أيضاً حين قال إن الأسلحة التي استخدمها ابنه تعود له، وإنه اصطحبه، قبل يوم واحد من الحادث، إلى نادي الرماية ليتدرب على إطلاق النار! من المحتمل أن الأب كان بصدد “تعزيز رجولة” (!) ابنه المراهق في مجتمع يعلي من شأن مفهوم للرجولة يقترن بالخشونة والعنف والبطولة. فإذا أضفنا إلى ذلك ما يحتمل أن الطفل يتلقاه من عالم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من “قيم” ربما مشابهة، ومن أخبار وبيانات القتلة المشاهير ممن ارتكبوا مجازر مشابهة في بلدان أخرى، لاكتملت صورة مروّعة عن الجيل الذي ينتمي إليه هذا الطفل. جيل منغلق على عالمه الخاص، لا يتواصل مع أهله والبيئة الاجتماعية المحيطة، قليل الحظ من الثقافة التي نشأ عليها أهله ومحيطه، لا يعرف أحد ما يدور في أذهانهم.
لجأت السلطات التركية إلى وضع حدود صارمة لتداول الأخبار المتعلقة بالجريمة، وتم اعتقال كثيرين ممن نشروا على وسائل التواصل الاجتماعي أخباراً وتعليقات اعتبرت تحريضية أو مشجعة للعنف أو أخباراً كاذبة عن مجازر جديدة في مدارس أخرى. وتطايرت على وسائل الإعلام اقتراحات بشأن وضع قيود على استخدام ألعاب الفيديو أو رقابة أكثر صرامة بشأن أفلام ومسلسلات تتناول عالم الجريمة المنظمة التي تمتلئ بمشاهد العنف. لكننا نعرف أن هذه الإجراءات الزجرية قلما كانت مجدية لمنع وقوع أحداث مماثلة، في الوقت الذي تتساهل فيه السلطة القضائية مع جرائم قتل النساء الشائع في تركيا، فلا يمضي أسبوع إلا وتمتلئ وسائل الإعلام بأخبار مقتل نساء وفتيات على يد زوج أو أخ أو حبيب. وعموماً ثمة كم فائض من العنف في المجتمع التركي نترك لعلماء الاجتماع البحث في أسبابه وجذوره. لكن الجديد المضاف هو النزوع إلى مشهدية هذا العنف بواسطة وسائل الاتصال الحديثة، وتأثيرها المعزز. يوم أمس حدث تلاسن بين فتاة “مؤثرة” لها قناة بث على وسائل التواصل الاجتماعي وامرأة في أحد شوارع إسطنبول، وسرعان ما تحولت الملاسنة إلى عراك بالأيدي، فطرحت المؤثرة التي تسمي نفسها “الوردة السوداء” المرأة الأخرى على الأرض واستلت سكيناً راحت تطعنها بها وهي تصور فعلتها وتبثها مباشرةً على قناتها. كان لافتاً أنها استمرت في البث عبر هاتفها المحمول بعد إلقاء القبض عليها ووضعها في سيارة الشرطة! هذه المؤثرة لها جمهور ربما يستحسن جريمتها ويتأثر بها، وإلا ما كانت تباهت بفعلتها أمامه.
ربما أول ما يخطر في البال إثر مجزرة المدرسة في مرعش هو التساؤل عن مدى تواصلنا مع أطفالنا ومعرفة ما يدور في أذهانهم الغضة، والمشكلات الاجتماعية أو النفسية التي قد يعانون منها. فهذه هي قناة تواصلنا مع المستقبل.
نيسان ـ نشر في 2026-04-21 الساعة 12:51
رأي: بكر صدقي


