اتصل بنا
 

الأهمية الكبرى للمشاريع الاستراتيجية.. 'الـناقل الوطني وسكة الحديد' نموذجين

نيسان ـ نشر في 2026-04-22 الساعة 10:04

نيسان ـ لماذا يكتسب مشروعَا الناقل الوطني وسكة حديد ميناء العقبة أهمية كبيرة وغير مسبوقة في تاريخ المملكة، وحظيَا باهتمام واسع محليًا وخارجيًا لدى الإعلان عنهما خلال أقل من أسبوع؟
كثيرٌ من الإجابات تندرج تحت هذا السؤال، وأهمها أن الأردن اليوم أمام حقائق واقعيّة تجاوزت حدود التوجّهات والدراسات والقرارات إلى خطوات عمليّة للتنفيذ بعد ماراثون من الجهود التي بُذلت على مدار عقود لمعالجة مشكلتين أساسيتين تُفضيان إلى كثير من المعالجات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتنموية، وتجويد الخدمات، وزيادة الجاذبيّة الاستثماريّة للمملكة على مستويي الإقليم والعالم، كما تُؤسّس توليفة الشركاء لتنفيذ مزيد من المشاريع وتجاوز عقبات التمويل من خلال استثمار المدّخرات الوطنيّة.
يعكس المشروعان التزامًا مؤسّسيًا ووطنيًا بمسارات الإصلاح الثلاثة، ورؤية التحديث الاقتصادي وبرامجها التنفيذيّة، واعتبارها مشروعًا عابرًا للحكومات.
مشكلة نقص المياه تتصدّر اهتمامات الدولة منذ عقود طويلة، حيث يُصنَّف الأردن كثاني أفقر بلد مائيًا في العالم، وحصّة الفرد هي الأقل على الإطلاق لعدم وفرة المصادر الكافية لمختلف الاستخدامات، بخاصّة الشرب، مع الزيادة المُطّردة والاستثنائيّة في عدد السكان. ولم تنجح المشاريع الإقليميّة والاتفاقيات السابقة مع دول مجاورة في الحدّ من تلك الأزمة التي تتفاقم سنويًا، واستُخدمت كورقة ضغط على الأردن لثنيه عن مواقفه القوميّة تجاه القضية الفلسطينيّة، ولكن بقي وما زال قلعة صمود في وجه كافّة الصعوبات.
كما أن مشكلة ضعف شبكات النقل من وإلى ميناء العقبة لغايات نقل البضائع داخل المملكة، ومنها إلى دول المنطقة كسوريا والعراق والخليج العربي، باتت تهدّد الميناء الوحيد للمملكة في ظل ارتفاع المنافسة بين موانئ المنطقة، والقراءات الدقيقة للمستقبل القريب، وترجيح دخول موانئ أخرى على خط التجارة الإقليميّة والدوليّة.
الإعلان عن هذين المشروعين يأتي في توقيت مهم للغاية من حيث تصاعد اضطرابات الإقليم، والصراع على مضيق هرمز، والتداعيات على الاقتصاد العالمي بشكل عام، والمنطقة بشكل خاص، ما يحمل رسائل بشأن قدرة الأردن على مجابهة التحديات، وإصراره على المضي بتنفيذ خططه الإصلاحيّة، لا سيما رؤية التحديث الاقتصادي ومستهدفاتها التي من ضمنها مشروع الناقل الوطني، والمشروعات الاستراتيجيّة الأخرى في قطاعات الطاقة والنقل والبنى التحتيّة وغيرها.
الناقل الوطني للمياه، الذي سيؤدي لتحقيق الأمن المائي بالتوازي مع أمن الطاقة، يُسهم بتغطية 40% من حاجة الأردن للمياه، فيما سكة الحديد تزيد جاذبيّة ميناء العقبة، وتعد أساسًا لشبكة ربط سككي إقليميّة، ومع أوروبا وتركيا لاحقًا، وكذلك العوائد المختلفة للاقتصاد الوطني، وبالتالي فإن المشروعين يُعزّزان السيادة الوطنيّة من خلال الاعتماد على الذات، وعدم الارتهان للاتفاقيات مع دول مجاورة للحصول على حصّة المملكة من المياه، وتعزيز مقدرة الأردن على التعامل مع الظروف المستجدّة، وتعدّد الخيارات المرتبطة بعمل سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة والسلع، والانتقال بالشراكات الاقتصاديّة في عدة مجالات إلى مراحل متقدّمة تخدم الأبعاد التنمويّة العربيّة، وتجنّبها تبعات الأزمات التي يبدو أنها ستبقى تلازم المنطقة.
مشروع الناقل الوطني ليس بالمشروع العادي فنيًا وماليًا، إذ يُعدّ الأول من نوعه في العالم من حيث طول المسافة من مراكز تحلية ومعالجة المياه من خلال «محطة العقبة»، وجرّها إلى مختلف مناطق المملكة، وبمسافة تتجاوز 450 كم ضمن جغرافيا وتضاريس معقّدة تحتاج إلى تقنيات وخبرات متقدّمة للتعامل معها.
الجهود الكبيرة التي بُذلت لتوفير التمويل اللازم للمشروع واستقطاب المستثمرين، بقيادة مباشرة من جلالة الملك، أفضت إلى ما تم الإعلان عنه بالأمس، وتوقيع الاتفاقيّة التي جاءت بشراكة واسعة من الحكومة الأردنيّة والقطاع المصرفي والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، ما يوفّر عوامل النجاح اللازمة وتسريع وتيرة التنفيذ. وسبقها اتفاقيّة سكة الحديد ضمن الشراكة الأردنيّة الإماراتيّة، وجاءت أيضًا بجهود جلالة الملك.
ويُسجَّل للحكومة الحاليّة العمل المؤسّسي، وبتكامليّة قانونيّة وماليّة وفنيّة وإجرائيّة للمضي قدمًا بتنفيذ هذين المشروعين، وما بعدهما من مشروعات في عدّة قطاعات.
التأكيدات الحكوميّة تضمن عدم انعكاس قيمة شراء المياه من المشروع على المواطنين، وأنها ستتحمّل كلفًا إضافيّة للدعم خلال السنوات المقبلة، ما يرفع مديونيّة سلطة المياه إلى حوالي 6 مليارات دينار، بيد أن ملكيّة الناقل الوطني ستؤول بالكامل للحكومة بعد 26 عامًا، وضمن رؤية تنمويّة تراعي أولًا وفرة المياه، وتحسين التزوّد أسبوعيًا، وأبعادًا أخرى تُسهم في تحفيز الاستثمارات السياحيّة والزراعيّة والصناعيّة وغيرها.
الآثار الاقتصاديّة والتنموية للمشروعين متعددة وكبيرة، ويُستدلّ على ذلك بالكلفة الكليّة لتنفيذهما، والمقدّرة بنحو 8.1 مليار دولار، ما يُسهم في تنشيط مختلف القطاعات الاقتصاديّة والخدميّة، وتوفير آلاف فرص العمل.
وتَبرزُ أهمية البناء على ما تحقق من مسارات العمل بهذين المشروعين، والاستفادة من التجربة لجهة تنفيذ مشاريع استراتيجيّة أخرى، والتشبيك بين المستثمرين والممولين داخليًا وخارجيًا، واستثمار المدّخرات الوطنيّة وتوظيفها في هذه المشاريع، كموجودات البنوك التي تجاوزت 75 مليار دينار، والودائع لديها 50 مليار دينار، وتعظيم الاستفادة من المكانة السياسيّة التي رسَّخها جلالة الملك للأردن على مستوى العالم، وتصنيفات المؤسسات الدوليّة مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، ومؤسسة موديز وغيرها.

نيسان ـ نشر في 2026-04-22 الساعة 10:04


رأي: ينال برماوي

الكلمات الأكثر بحثاً