اتصل بنا
 

أي جديد ستحمله جلسات مجلس الأمن حول الصحراء؟

كاتب وسياسي من المغرب

نيسان ـ نشر في 2026-04-24 الساعة 13:59

نيسان ـ قرر مجلس الأمن تنظيم جلستين منفصلتين حول قضية الصحراء، الأولى اليوم الثالث والعشرين من أبريل والتي خصصت لتقديم إحاطة كل من المبعوث الشخصي للأمين العام ستيفان ديميستورا، ورئيس بعثة المينورسو ألكسنندر إيفانكو، فيما ستعقد في الثلاثين من نفس الشهر جلسة ثانية مخصصة لمناقشة المراجعة الاستراتيجية لولاية بعثة المينورسو.
في واقع الأمر، نحن إزاء محطة، تمتزج بها الأبعاد الروتينية (التقرير السياسي والأمني) التي يجري رصد مؤشراتهما كل سنة، والأبعاد الاستراتيجية والسياسية، والتي تلخص حصيلة دينامية دبلوماسية أطراف الصراع، فضلا عن حصيلة عملية التفاوض التي يقودها المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشؤون الإفريقية مسعد بولس.
الخطوط الكبرى الحاكمة لهذه الديناميات جميعها، تحددها من جهة، استحقاقات قرار مجلس الأمن 2797، وما تمخض عنها من تحريك مشاورات المبعوث الشخصي للأمين العام في المنطقة، ومسارات التفاوض التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، وتحددها من جهة أخرى التحديات التي تواجه بعثة السلام التابعة للأمم المتحدة، ليس فقط في المغرب بل في كل مناطق العالم، والمحكومة بتقليص الأدوار وإنهائها نظرا لنقص الموارد المالية، وحالة الجمود التي تعيشها هيئة الأمم المتحدة بسبب الموقف الأمريكي.
في واقع الأمر، ليس لدينا ما يكفي من المعطيات لنحكم على ما يمكن أن يتضمنه تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وإن كان الظاهر أنه لن يزيد عن تقييم حصيلة مشاوراته، ومدى جدية الأطراف في احترام استحقاقات قرار مجلس الأمن 2797، فيما لن يكون هناك تغيير كبير في تقرير بعثة المينورسو، وربما سيكون مهما أن نقرأ في التقرير انعكاس مسار التفاوض السياسي بين الأطراف برعاية الولايات المتحدة الأمريكية على خفض مستوى انتهاك وقف إطلاق النار خاصة من جانب جبهة البوليساريو، فهذه ملحوظة ستكون مهمة من جهتين، جهة إثبات أهمية الحل السياسي لإنهاء النزاع، في شقه السياسي والأمني، ومن جهة ثانية، تبرير عدم الحاجة إلى تجديد مهمة المينورسو، فالندرة المالية داخل الأمم المتحدة، والتي تنسحب على كل بعثات السلام في العالم، ستجد حجة “رشد الموقف” في قضية الصحراء بسبب دخول الأطراف في التفاوض حول الحل السياسي ضمن مقترح الحكم الذاتي المغربي، لتبرير عدم الحاجة لدور البعثة.
في المعطى الأعمق، والمتعلق بالجانب الاستراتيجي والسياسي، لم تنجح الجزائر في تحويل الفورة المالية المؤقتة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى رصيد دبلوماسي يقلب الطاولة أو على الأقل يؤثر على مسار التفاوض، فالرباط، التي تعتبر الأكثر تضررا من تأثيرات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ومن إغلاق مضيق هرمز، ضاعفت عددا آخر من المكاسب إلى صالحها، فقد نجحت في الفترة التي أعقبت قرار مجلس الأمن، في تحقيق ثلاثة مكاسب استراتيجية، يتعلق الأول، بسحب جمهورية مالي الاعتراف بجبهة البوليساريو، ودعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي، والمكسب الثاني الساحة الأوروبية إذ أعلنت السويد في يناير الماضي دعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي، ثم ساحة أمريكا اللاتينية، إذ أعلنت الهندوراس (أبريل 2026)، وبوليفيا (فبراير 2026) سحبهما الاعتراف بالبوليساريو.
والثقب الاستراتيجي الذي كان يشكله موقف مصر، وعلاقتها الملتبسة بالجزائر، تم إقفاله كلية من خلال إنهاء التوتر التجاري على خلفية تطبيق اتفاقية التجارة الحرة، فضلا عن تفاهمات سياسية، لم تخرج إلى اليوم مؤشراتها، فالثابت أن الخلاف التجاري، كان في الجوهر انعكاسا لخلاف أعمق في السياسة والدبلوماسية، ويبدو أن حل الإشكال التجاري، يرمز في الجوهر إلى وجود تسوية سياسية غير معلنة بين البلدين.
أوضاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تثمر إلى حد الآن أي وضع يؤثر على النسق المتصاعد للموقف المغربي، فلم تتغير دائرة التحالفات، ولم تسجل الجزائر أي زخم دبلوماسي مؤثر، وموريتانيا، التي ظلت كما كانت، في دائرة الحياد، تستثمره للضغط على الطرفين، قد حدثت تطورات مهمة وضعتها في دائرة التحدي.
يمكن أن نلاحظ أن نواكشوط بعثت بوزيرها الوزير الأول إلى الجزائر محفوفا بوفد وزاري وازن في إطار فعاليات اللجنة العليا المشتركة الجزائرية الموريتانية، بتزامن مع زيارة المفتش العام للقوات المسلحة الملكية محمد بريظ إليها في إطار فعاليات اللجنة العسكرية المشتركة الموريتانية المغربية، وهوما يؤكد الملاحظة السابقة، وأن الأمر لا يتعلق بكسب جزائري، بقدر ما يتعلق برهان موريتاني على استثمار اللحظة من أجل تحقيق المزيد من المكتسبات، خاصة وأن جل المشاريع التي التزمت بها الجزائر تجاه موريتانيا في لقاء اللجنة العليا المشتركة السابقة (الدورة العشرين)، بقيت معلقة بدون تنفيذ، فكان عنوان الوفد الحكومي الموريتاني، هو تفعيل مخرجات الدورة السابقة، وتسريع تنفيذ الاتفاقيات التي تخص الطاقة والبنية التحتية والتبادل التجاري.
المتغير الجديد الذي سيقيد بدون شك قدرة نواكشوط على المناورة الواسعة، هو دخولها في توتر مع دولتين في حدودها، السينغال التي تعيش أوضاعا اقتصادية صعبة، وتريد أن تراجع اتفاقية عقود النفط والغاز المشتركة مع موريتانيا، ومالي التي تلوح بإلغاء اتفاقية “خايس” الحدودية مما يعني الدخول في حرب بين البلدين. هذان التحديان، فضلا عن التحديات الأمنية التي تواجهها مالي من جراء نشاط الحركات الانفصالية المدعومة من الجزائر والتي تنطلق من أرضين موريتانية وجزائرية، يضعان نواكشوط في منطقة الحرج، بحكم العلاقات المغربية المالية القوية، ويدفعان بقوة إلى التفكير بجدية في مراجعة سياسة الحياد “الابتزازية” للطرفين.
نحن إزاء محطة، تمتزج بها الأبعاد الروتينية (التقرير السياسي والأمني) التي يجري رصد مؤشراتهما كل سنة، والأبعاد الاستراتيجية والسياسية
هذه التطورات جميعها، فضلا عن مخرجات دينامية التفاوض التي قادها مسعد بوليس بين مختلف الأطراف، ترجح أن يحدث تحول مفصلي في جوهر القرار الأممي القادم، إذ من الوارد أن يتم تغيير المنهجية بشكل كامل، بحيث بدل أن يقتصر الأمر على التصويت على قرار جديد يدعم القرار السابق، ويبشر بحصول تطورات مهمة في استحقاقاته، يمكن أن يتجه النقاش إلى عرض الإطار العام للتفاوض، وحصر العناوين العملية لتنزيل المقترح المغربي للحكم الذاتي، وترصيد مجمل العناصر التي تم التوافق حولها، مع حصر الإشكالات المتبقية قيد التفاوض.
في هذا السياق يمكن أن نفهم بعض التسريبات التي تتحدث عن ضغط أمريكي على الجزائر من أجل تفكيك مخيمات جبهة البوليساريو في ظرف أقل من ثمانية أشهر، وحصر المعنيين بالحكم الذاتي المغربي في الذين أحصتهم إسبانيا سنة 1974، والتحديات الأمنية التي يمثلها غير هذه الفئة على المنطقة، وما ينبغي على الجزائر القيام به من مسؤوليات لتحييد هذا الخطر بوصفها دولة حاضنة.
من السابق لأوانه أن نحكم على مصير بعثة المينورسو، فالمغرب يريد إنهاء مهمتها، والأمم المتحدة، لا تجد الموارد الكافية لإبقاء عهدتها، والولايات المتحدة الأمريكية الراعية للتفاوض بين الأطراف، تضغط لحل النزاع في أسرع مدى، بينما الجزائر، تسعى بكل جهدها لتمديد مهمتها، بما يرسخ فكرة استمرار الصراع في بعده السياسي والأمني، وربما حتى العسكري.
مضمون تقرير المبعوث الشخصي للأمين العام، وكذا تقرير رئيس بعثة المينورسو، فضلا عن مخرجات عملية التفاوض التي تديرها واشنطن، ستحكم على إنهاء المهمة، أو منحها أجلا جد ضيق، يتحدد سقفه بنهاية التفاوض التي تديره واشنطن وتتحكم في أجندته وسقفه الزمني.

نيسان ـ نشر في 2026-04-24 الساعة 13:59


رأي: بلال التليدي كاتب وسياسي من المغرب

الكلمات الأكثر بحثاً