الشرق الأوسط تحت الحصار: من إدارة الصراع إلى خنق الاقتصاد العالمي
نيسان ـ نشر في 2026-04-24 الساعة 14:02
نيسان ـ لم تعد هذه الأزمة تُقاس بعدد الضربات العسكرية، بل بمؤشر أكثر حساسية: من يملك القدرة على تعطيل حركة التجارة والطاقة عالميًا. حتى 23 نيسان/أبريل 2026، انتقل مركز الثقل من الجبهات إلى الممرات البحرية. ما يجري ليس تعثّر هدنة، بل تحوّل في طبيعة الصراع: من تبادل النيران إلى حصار متبادل يُدار بدقة.
الولايات المتحدة وسّعت الضغط البحري على السفن المرتبطة بإيران عبر نطاق يتجاوز مياهها الإقليمية، مكوِّنةً شبكة تقييد للتدفقات التجارية. في المقابل، ردّت طهران بأداتها الأكثر حساسية: التحكم بمضيق هرمز. النتيجة: تباطؤ حاد في العبور، قفزة في كلفة التأمين والشحن، وتسعير دائم لمخاطر جيوسياسية في أسواق الطاقة.
في هذه البيئة، لم تعد المفاوضات طريق الحل، بل جزءًا من إدارة الأزمة. الجولة الثانية في إسلام آباد لم تُعقد أصلًا. السبب لم يكن تفصيليًا، بل انهيار الثقة. التناقض في الخطاب الأمريكي—بين تفاؤل مُعلن وتهديدات قصوى—أفقد المسار التفاوضي مصداقيته. الرد الإيراني كان مباشرًا: رفض الحضور وتأجيل غير محدد. أمّا “تمديد وقف النار” فبقي إطارًا إعلاميًا فضفاضًا، يواكب التصعيد بدل أن يوقفه.
هكذا دخلت الأزمة مرحلة عضّ الأصابع:
ضغط اقتصادي مقابل ضغط بحري،
تصعيد محسوب دون حرب شاملة… حتى الآن.
لكن قراءة هذه المعادلة تبقى ناقصة دون إدخال العامل الإسرائيلي بوصفه محرّكًا لشروط اللعبة داخل واشنطن.
إسرائيل لا تعمل فقط في الميدان؛ بل تؤثّر في سقف التفاوض الأمريكي عبر شبكة واسعة من الفاعلين السياسيين ومراكز التأثير في الكونغرس والإدارة. النتيجة العملية هي الدفع نحو سقف مطالب مرتفع للغاية—يتجاوز قابلية القبول الإيراني—ويحوّل التفاوض من مساحة مساومة إلى اختبار إذعان. هذا ليس تفصيلًا إجرائيًا؛ بل آلية لجعل فشل التفاوض نتيجة شبه حتمية.
بالتوازي، تهيّئ إسرائيل نفسها ميدانيًا لاستثمار هذا الفشل:
إبقاء خيار الضربات ضد إيران مفتوحًا،
والاستمرار في العمليات داخل لبنان ضمن عقيدة تقوم على الحسم وكسر الخصم.
هذه الازدواجية—تشدد تفاوضي مدفوع سياسيًا، واستعداد عسكري ميداني—تعني أن المسار الدبلوماسي لا يُستخدم لإنهاء الأزمة، بل لتهيئة مبررات المرحلة التالية.
غير أن هذا النهج يوسّع نطاق المخاطر إلى ما هو أبعد من الإقليم. أي انزلاق نحو مواجهة أوسع مع إيران لن يبقى محدودًا. السيناريو المرجّح يتضمن:
استهدافات متبادلة تشمل قواعد في الخليج،
وتفعيل أدوات الضغط عبر هرمز وباب المندب،
وتحوّل الممرات إلى ساحات صراع مفتوحة.
عندها، لن تكون الكلفة عسكرية فقط، بل اقتصادية عالمية:
اضطراب تدفقات الطاقة،
تعطل سلاسل الإمداد،
وارتفاع جديد في التضخم، في اقتصادات لم تتعافَ بعد.
الأخطر أن استمرار الحصار وغياب الأفق التفاوضي يفتح باب التدويل. الصين، كأكبر مستورد للطاقة من المنطقة، لا يمكنها تحمّل تعطيل مستدام للتدفقات. وروسيا قد ترى في الأزمة فرصة لتعزيز نفوذها عبر دعم تقني وعسكري لإيران. ومع تصاعد المخاطر، لا يمكن استبعاد سيناريوهات حماية بحرية لمصالح كبرى—بما يضع قوى دولية في تماس عملياتي داخل نفس المسار البحري.
عند هذه العتبة، يتغيّر تعريف الأزمة:
لم تعد نزاعًا أمريكيًا–إيرانيًا، بل اختبارًا لمن يملك حق الوصول إلى الممرات الحيوية—ومن يضمنه.
نحن إذن أمام نموذج ثالث للصراع:
ليس حربًا للحسم،
ولا سلامًا للتسوية،
بل إدارة للضغط عبر الاقتصاد والممرات، تُقاس فيها النتائج بكلفة الاستمرار لا بنتائج الانتصار.
لكن هذا النموذج يحمل تناقضه في داخله:
كلما طال أمده، ارتفعت كلفته على الجميع،
ومع ارتفاع الكلفة، يزداد خطر الانفلات.
فالممرات البحرية ليست جغرافيا فقط،
بل أعصاب الاقتصاد العالمي.
وأي خنقٍ مستمر لها لا يضعف خصمًا بعينه،
بل يعيد تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية نفسها—تحت ضغطٍ مفت
الولايات المتحدة وسّعت الضغط البحري على السفن المرتبطة بإيران عبر نطاق يتجاوز مياهها الإقليمية، مكوِّنةً شبكة تقييد للتدفقات التجارية. في المقابل، ردّت طهران بأداتها الأكثر حساسية: التحكم بمضيق هرمز. النتيجة: تباطؤ حاد في العبور، قفزة في كلفة التأمين والشحن، وتسعير دائم لمخاطر جيوسياسية في أسواق الطاقة.
في هذه البيئة، لم تعد المفاوضات طريق الحل، بل جزءًا من إدارة الأزمة. الجولة الثانية في إسلام آباد لم تُعقد أصلًا. السبب لم يكن تفصيليًا، بل انهيار الثقة. التناقض في الخطاب الأمريكي—بين تفاؤل مُعلن وتهديدات قصوى—أفقد المسار التفاوضي مصداقيته. الرد الإيراني كان مباشرًا: رفض الحضور وتأجيل غير محدد. أمّا “تمديد وقف النار” فبقي إطارًا إعلاميًا فضفاضًا، يواكب التصعيد بدل أن يوقفه.
هكذا دخلت الأزمة مرحلة عضّ الأصابع:
ضغط اقتصادي مقابل ضغط بحري،
تصعيد محسوب دون حرب شاملة… حتى الآن.
لكن قراءة هذه المعادلة تبقى ناقصة دون إدخال العامل الإسرائيلي بوصفه محرّكًا لشروط اللعبة داخل واشنطن.
إسرائيل لا تعمل فقط في الميدان؛ بل تؤثّر في سقف التفاوض الأمريكي عبر شبكة واسعة من الفاعلين السياسيين ومراكز التأثير في الكونغرس والإدارة. النتيجة العملية هي الدفع نحو سقف مطالب مرتفع للغاية—يتجاوز قابلية القبول الإيراني—ويحوّل التفاوض من مساحة مساومة إلى اختبار إذعان. هذا ليس تفصيلًا إجرائيًا؛ بل آلية لجعل فشل التفاوض نتيجة شبه حتمية.
بالتوازي، تهيّئ إسرائيل نفسها ميدانيًا لاستثمار هذا الفشل:
إبقاء خيار الضربات ضد إيران مفتوحًا،
والاستمرار في العمليات داخل لبنان ضمن عقيدة تقوم على الحسم وكسر الخصم.
هذه الازدواجية—تشدد تفاوضي مدفوع سياسيًا، واستعداد عسكري ميداني—تعني أن المسار الدبلوماسي لا يُستخدم لإنهاء الأزمة، بل لتهيئة مبررات المرحلة التالية.
غير أن هذا النهج يوسّع نطاق المخاطر إلى ما هو أبعد من الإقليم. أي انزلاق نحو مواجهة أوسع مع إيران لن يبقى محدودًا. السيناريو المرجّح يتضمن:
استهدافات متبادلة تشمل قواعد في الخليج،
وتفعيل أدوات الضغط عبر هرمز وباب المندب،
وتحوّل الممرات إلى ساحات صراع مفتوحة.
عندها، لن تكون الكلفة عسكرية فقط، بل اقتصادية عالمية:
اضطراب تدفقات الطاقة،
تعطل سلاسل الإمداد،
وارتفاع جديد في التضخم، في اقتصادات لم تتعافَ بعد.
الأخطر أن استمرار الحصار وغياب الأفق التفاوضي يفتح باب التدويل. الصين، كأكبر مستورد للطاقة من المنطقة، لا يمكنها تحمّل تعطيل مستدام للتدفقات. وروسيا قد ترى في الأزمة فرصة لتعزيز نفوذها عبر دعم تقني وعسكري لإيران. ومع تصاعد المخاطر، لا يمكن استبعاد سيناريوهات حماية بحرية لمصالح كبرى—بما يضع قوى دولية في تماس عملياتي داخل نفس المسار البحري.
عند هذه العتبة، يتغيّر تعريف الأزمة:
لم تعد نزاعًا أمريكيًا–إيرانيًا، بل اختبارًا لمن يملك حق الوصول إلى الممرات الحيوية—ومن يضمنه.
نحن إذن أمام نموذج ثالث للصراع:
ليس حربًا للحسم،
ولا سلامًا للتسوية،
بل إدارة للضغط عبر الاقتصاد والممرات، تُقاس فيها النتائج بكلفة الاستمرار لا بنتائج الانتصار.
لكن هذا النموذج يحمل تناقضه في داخله:
كلما طال أمده، ارتفعت كلفته على الجميع،
ومع ارتفاع الكلفة، يزداد خطر الانفلات.
فالممرات البحرية ليست جغرافيا فقط،
بل أعصاب الاقتصاد العالمي.
وأي خنقٍ مستمر لها لا يضعف خصمًا بعينه،
بل يعيد تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية نفسها—تحت ضغطٍ مفت
نيسان ـ نشر في 2026-04-24 الساعة 14:02
رأي: المهندس سعيد بهاء المصري


