سوريا.. العودة إلى الحضن التركي
رياض معسعس
كاتب سوري
نيسان ـ نشر في 2026-04-25 الساعة 12:50
نيسان ـ خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي أقيم في 17 أبريل في تركيا (وهو اليوم الذي يصادف ذكرى استقلال سوريا) قال الرئيس السوري أحمد الشرع «إن تركيا كانت مناصرة للثورة السورية طوال 14 عاماً ووقفت إلى جانب الشعب السوري المظلوم»، مشيراً إلى أن البلدين تجمعهما روابط تاريخية وجغرافية قديمة، تعزز من عمق الشراكة الثنائية، وقال الرئيس الشرع في مقابلة مع وكالة أنباء الأناضول التركية: «إن الشراكة السورية التركية تُشكّل قاعدة لبناء مستقبل مستقر للمنطقة والعالم بأكمله»، مضيفاً أن سوريا تحولت من حالة أزمة إلى فرصة تاريخية عظيمة نحو الاستقرار والبناء والإعمار من جديد، وأشار الشرع إلى أن العلاقات بين سوريا وتركيا، استفادت من تحرير البلاد من النظام البائد، الذي سبب عزلة إقليمية لسوريا، لافتاً إلى أن تركيا كانت شريكاً مهماً في إعادة ربط سوريا بالعالم بعد 14 عاماً من المواجهة، كاشفاً عن فرص كبيرة للتكامل الإقليمي بين البلدين، تشمل تطوير مناطق صناعية مشتركة في إدلب، وتوسعة المطارات وربط الموانئ، إلى جانب مشاركة الشركات التركية في إعادة بناء البنية التحتية السورية.
يقوم الرئيس رجب طيب أوردغان على ربط علاقات قوية مع العالم العربي، خاصة سوريا والأردن (أحفاد الشريف حسين)، والمملكة العربية السعودية، في تحالف جديد في المنطقة ستكون له أبعاده
هذا التصريح يعكس مدى دفء ومتانة العلاقات التي تم نسجها مع تركيا التي استقبلت حوالي أربعة ملايين لاجئ سوري، خلال الحقبة السوداء التي مرت بها سوريا بعد اندلاع الثورة في عام 2011، وساهمت مساهمة فعالة في مشاركتها بإسقاط النظام البائد، الذي كان يناصبها العداء، ورفض أن يفتح صفحة جديدة معها، على الرغم من محاولات عديدة من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بترتيب لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أوردغان وبشار الأسد، الذي في عهده وعهد أبيه كانا يناصبان تركيا الجفاء إذا لم نقل العداء، وكانت علاقات سوريا في المنطقة تعتمد على الحليف الإيراني، الذي تم تمتين العلاقات معه بعد أن وقف نظام الأسد إلى جانبه في حربه مع العراق، خلال ثمانينيات القرن الماضي، خاصة بعد انطلاقة الثورة السورية عام 2011، حيث قامت إيران بنشر مجموعة كبيرة من الميليشيات لإنقاذ النظام من السقوط تحت ضربات المعارضة السورية المسلحة. في حين فضلت تركيا دعم المعارضة، ولاسيما هيئة تحرير الشام التي دعمتها لوجستيا وعسكريا للوصول إلى دمشق، وذلك بعد أكثر من نصف قرن ونيف، من العلاقات المتوترة مع نظام الأسدين (كان نظام حافظ أسد يدعم حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، وبعد التهديد التركي بإعلان الحرب على سوريا، اضطر الأسد لإغلاق معسكرات الحزب في سوريا وطرد أوجلان، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله من قبل السلطات التركية، وتم التوقيع على اتفاقية أضنة في عام 1998 التي تحظر أي عمل معاد لتركيا، أو رعاية «الإرهابيين» في حزب العمال الكردستاني ضدها. وفي الملحق رقم 3 تنص الاتفاقية على أن الخلافات الحدودية بين البلدين منتهية، وأن أياً منهما ليست له أي مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر، (وهذا يعني التخلي عن لواء إسكندرون الذي أهدته فرنسا لتركيا إبان الانتداب لسوريا في عام 1939 مقابل عدم دخول تركيا في الحرب العالمية الثانية إلى جانب حليفتها ألمانيا).
وتاريخيا كانت سوريا وخلال أربعة قرون تحت الحكم العثماني، بعد أن أسقط السلطان سليم الأول حكم المماليك في معركة «مرج دابق» في عام 1516 ورحلت السلطنة عن سوريا وباقي الأراضي العربية في عام 1916 بعد إطلاق ما سميت بـ»الثورة العربية الكبرى»، التي قادها الشريف حسين والتي انتهت بنتائج كارثية يعاني العالم العربي ككل منها إلى اليوم، ويذوق الويلات، ويخوض الحروب ضد دولة الاحتلال. إذ اعتمد الشريف حسين على الجاسوس البريطاني توماس إدوارد لورانس المعروف تحت اسم «لورانس العرب»، الذي قال حول تحالف الشريف حسين مع بريطانيا «مفيدةُ لنا لأنها تسيرُ مع أهدافِنا الحاليةِ لكسرِ الكتلةِ الإسلاميةِ، وهزيمةِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ وإسقاطِها، وكذلك لأن الدولَ التي سيقيمها «الشريف حسين» لتخلفَ الأتراكَ ستكون.. غير ضارةٍ لنا. العربُ أقلُّ استقراراً حتى من الأتراك. إذا تعاملنا مع الأمرِ بحرصٍ فسيبقون في حالةٍ من الفسيفساءِ السياسيةِ؛ نسيجٌ من الإماراتِ الصغيرةِ المتحاسدةِ، وغيرِ القادرةِ على التلاحم». وعلى هنري ماكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر الذي تبادل معه المراسلات الشهيرة (10 رسائل)، التي تم من خلالها الاتفاق على إقامة مملكة عربية مستقلة مقابل الاشتراك في الحرب ضد السلطنة العثمانية (هنا يجب الإشارة إلى أن الشريف حسين في هذه الرسائل تنازل عن أضنة ومرسين وماردين والعراق، وعدن، لكنه رفض رفضا قاطعا التنازل عن الساحل السوري بما فيه بيروت لفرنسا كما طلب منه مكماهون)، أعلن الشريف حسين الحرب على السلطنة العثمانية، وساهم مساهمة فعالة في مواجهة الجيوش العثمانية الموجودة في المنطقة، ووفر على الجيش البريطاني انتشارا كبيرا في الأراضي العربية كانت ستكلفه مبالغ طائلة وخسائر في العتاد والأرواح، وخلال الفترة التي تم فيها الاتفاق كانت بريطانيا وفرنسا تحيكان في السر خيوط أكبر مؤامرتين ضد العرب والخيانة للاتفاق مع الشريف حسين: اتفاقية سايكس بيكو بتقسيم سوريا الكبرى، ووعد بلفور بزرع دولة يهودية في فلسطين. إن إبرام مثل هذا الاتفاق حسب رسائل متبادلة فقط مع مندوب سامٍ لا يمكن الاعتماد عليه حتى إن صيغة رسائل مكماهون كانت مبهمة وتحتمل أكثر من تفسير بشكل مقصود، ومهما يكن من أمرها فإن الحرب ضد السلطنة العثمانية، ارتدت على العرب ودخلوا تحت استعمار فرنسي بريطاني صهيوني جديد. كان تحالفا غريبا (بين عرب مسلمين ودولتين مسيحيتين كانتا تاريخيا رأس الحربة في الحروب الصليبية لإسقاط خليفة المسلمين في آستانة)، هذا الموقف اعتبره الاتراك خيانة كبيرة من قبل الشريف حسين، خاصة أن الجيش العثماني كان يضم مئات الآلاف من العرب الذي التحقوا بالجيوش العثمانية بعد نفير «السفر برلك» العثماني، ولو أن الشريف حسين بقي على الحياد أو حتى لو حارب مع العثمانين ضد بريطانيا وفرنسا لم يكن ليصيبه أكثر مما أصابه من خيانتهما. وكان حافظ على علاقات طيبة مع آستانة التي أول ما فعلته بعد انتهاء الحرب بقيادة مصطفى كمال هو التخلي عن الأبجدية العربية، واعتماد العلمانية كنظام سياسي، وقطع علاقاته مع العرب والتوجه نحو الغرب. اليوم وبعد قرن تقريبا من المآسي العربية التي لم تنته بعد من خيانة بريطانيا وفرنسا للشريف حسين باتفاقية سايكس بيكو بدل إنشاء المملكة العربية المتحدة، والعلاقات العربية، والسورية (بشكل خاص) التركية المتوترة يقوم الرئيس رجب طيب أوردغان على ربط علاقات قوية مع العالم العربي، خاصة سوريا والأردن (أحفاد الشريف حسين)، والمملكة العربية السعودية، في تحالف جديد في المنطقة ستكون له أبعاده، وبمفهوم آخر عودة العرب، خاصة سوريا إلى الحضن التركي.
يقوم الرئيس رجب طيب أوردغان على ربط علاقات قوية مع العالم العربي، خاصة سوريا والأردن (أحفاد الشريف حسين)، والمملكة العربية السعودية، في تحالف جديد في المنطقة ستكون له أبعاده
هذا التصريح يعكس مدى دفء ومتانة العلاقات التي تم نسجها مع تركيا التي استقبلت حوالي أربعة ملايين لاجئ سوري، خلال الحقبة السوداء التي مرت بها سوريا بعد اندلاع الثورة في عام 2011، وساهمت مساهمة فعالة في مشاركتها بإسقاط النظام البائد، الذي كان يناصبها العداء، ورفض أن يفتح صفحة جديدة معها، على الرغم من محاولات عديدة من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بترتيب لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أوردغان وبشار الأسد، الذي في عهده وعهد أبيه كانا يناصبان تركيا الجفاء إذا لم نقل العداء، وكانت علاقات سوريا في المنطقة تعتمد على الحليف الإيراني، الذي تم تمتين العلاقات معه بعد أن وقف نظام الأسد إلى جانبه في حربه مع العراق، خلال ثمانينيات القرن الماضي، خاصة بعد انطلاقة الثورة السورية عام 2011، حيث قامت إيران بنشر مجموعة كبيرة من الميليشيات لإنقاذ النظام من السقوط تحت ضربات المعارضة السورية المسلحة. في حين فضلت تركيا دعم المعارضة، ولاسيما هيئة تحرير الشام التي دعمتها لوجستيا وعسكريا للوصول إلى دمشق، وذلك بعد أكثر من نصف قرن ونيف، من العلاقات المتوترة مع نظام الأسدين (كان نظام حافظ أسد يدعم حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، وبعد التهديد التركي بإعلان الحرب على سوريا، اضطر الأسد لإغلاق معسكرات الحزب في سوريا وطرد أوجلان، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله من قبل السلطات التركية، وتم التوقيع على اتفاقية أضنة في عام 1998 التي تحظر أي عمل معاد لتركيا، أو رعاية «الإرهابيين» في حزب العمال الكردستاني ضدها. وفي الملحق رقم 3 تنص الاتفاقية على أن الخلافات الحدودية بين البلدين منتهية، وأن أياً منهما ليست له أي مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر، (وهذا يعني التخلي عن لواء إسكندرون الذي أهدته فرنسا لتركيا إبان الانتداب لسوريا في عام 1939 مقابل عدم دخول تركيا في الحرب العالمية الثانية إلى جانب حليفتها ألمانيا).
وتاريخيا كانت سوريا وخلال أربعة قرون تحت الحكم العثماني، بعد أن أسقط السلطان سليم الأول حكم المماليك في معركة «مرج دابق» في عام 1516 ورحلت السلطنة عن سوريا وباقي الأراضي العربية في عام 1916 بعد إطلاق ما سميت بـ»الثورة العربية الكبرى»، التي قادها الشريف حسين والتي انتهت بنتائج كارثية يعاني العالم العربي ككل منها إلى اليوم، ويذوق الويلات، ويخوض الحروب ضد دولة الاحتلال. إذ اعتمد الشريف حسين على الجاسوس البريطاني توماس إدوارد لورانس المعروف تحت اسم «لورانس العرب»، الذي قال حول تحالف الشريف حسين مع بريطانيا «مفيدةُ لنا لأنها تسيرُ مع أهدافِنا الحاليةِ لكسرِ الكتلةِ الإسلاميةِ، وهزيمةِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ وإسقاطِها، وكذلك لأن الدولَ التي سيقيمها «الشريف حسين» لتخلفَ الأتراكَ ستكون.. غير ضارةٍ لنا. العربُ أقلُّ استقراراً حتى من الأتراك. إذا تعاملنا مع الأمرِ بحرصٍ فسيبقون في حالةٍ من الفسيفساءِ السياسيةِ؛ نسيجٌ من الإماراتِ الصغيرةِ المتحاسدةِ، وغيرِ القادرةِ على التلاحم». وعلى هنري ماكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر الذي تبادل معه المراسلات الشهيرة (10 رسائل)، التي تم من خلالها الاتفاق على إقامة مملكة عربية مستقلة مقابل الاشتراك في الحرب ضد السلطنة العثمانية (هنا يجب الإشارة إلى أن الشريف حسين في هذه الرسائل تنازل عن أضنة ومرسين وماردين والعراق، وعدن، لكنه رفض رفضا قاطعا التنازل عن الساحل السوري بما فيه بيروت لفرنسا كما طلب منه مكماهون)، أعلن الشريف حسين الحرب على السلطنة العثمانية، وساهم مساهمة فعالة في مواجهة الجيوش العثمانية الموجودة في المنطقة، ووفر على الجيش البريطاني انتشارا كبيرا في الأراضي العربية كانت ستكلفه مبالغ طائلة وخسائر في العتاد والأرواح، وخلال الفترة التي تم فيها الاتفاق كانت بريطانيا وفرنسا تحيكان في السر خيوط أكبر مؤامرتين ضد العرب والخيانة للاتفاق مع الشريف حسين: اتفاقية سايكس بيكو بتقسيم سوريا الكبرى، ووعد بلفور بزرع دولة يهودية في فلسطين. إن إبرام مثل هذا الاتفاق حسب رسائل متبادلة فقط مع مندوب سامٍ لا يمكن الاعتماد عليه حتى إن صيغة رسائل مكماهون كانت مبهمة وتحتمل أكثر من تفسير بشكل مقصود، ومهما يكن من أمرها فإن الحرب ضد السلطنة العثمانية، ارتدت على العرب ودخلوا تحت استعمار فرنسي بريطاني صهيوني جديد. كان تحالفا غريبا (بين عرب مسلمين ودولتين مسيحيتين كانتا تاريخيا رأس الحربة في الحروب الصليبية لإسقاط خليفة المسلمين في آستانة)، هذا الموقف اعتبره الاتراك خيانة كبيرة من قبل الشريف حسين، خاصة أن الجيش العثماني كان يضم مئات الآلاف من العرب الذي التحقوا بالجيوش العثمانية بعد نفير «السفر برلك» العثماني، ولو أن الشريف حسين بقي على الحياد أو حتى لو حارب مع العثمانين ضد بريطانيا وفرنسا لم يكن ليصيبه أكثر مما أصابه من خيانتهما. وكان حافظ على علاقات طيبة مع آستانة التي أول ما فعلته بعد انتهاء الحرب بقيادة مصطفى كمال هو التخلي عن الأبجدية العربية، واعتماد العلمانية كنظام سياسي، وقطع علاقاته مع العرب والتوجه نحو الغرب. اليوم وبعد قرن تقريبا من المآسي العربية التي لم تنته بعد من خيانة بريطانيا وفرنسا للشريف حسين باتفاقية سايكس بيكو بدل إنشاء المملكة العربية المتحدة، والعلاقات العربية، والسورية (بشكل خاص) التركية المتوترة يقوم الرئيس رجب طيب أوردغان على ربط علاقات قوية مع العالم العربي، خاصة سوريا والأردن (أحفاد الشريف حسين)، والمملكة العربية السعودية، في تحالف جديد في المنطقة ستكون له أبعاده، وبمفهوم آخر عودة العرب، خاصة سوريا إلى الحضن التركي.
نيسان ـ نشر في 2026-04-25 الساعة 12:50
رأي: رياض معسعس كاتب سوري


