اتصل بنا
 

لماذا يعجز الأوروبيون حيث يستطيع الإسبان؟

نيسان ـ نشر في 2026-04-25 الساعة 12:51

نيسان ـ سأل المذيع الفرنسي أمينةَ منظمة العفو الدولية أنْياس كالامار: إنكم تَنعَوْن على دول العالم سكوتها وتغاضيها عما ترتكبه أمريكا وروسيا وإسرائيل من انتهاكات للقانون الدولي، ولكن ماذا في وسع بقية الدول أن تفعل؟ فأجابت أنياس كالامار: في وسعها الكثير لولا جبنها وتخاذلها! إذا كانت إسبانيا تستطيع المقاومة واتخاذ مواقف ثابتة ومتماسكة من جميع الانتهاكات، سواء كانت روسية أم أمريكية أم إسرائيلية، فلماذا لا تستطيع بقية الدول؟! وإذا كانت إسبانيا عازمة فلِمَ تكون بقية الدول الأوروبية متقاعسة عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، علما أن الدولة العبرية لم تَدَعْ أي ضمانة معيارية إلا انتهكتها!
صدعت كالامار بحقيقة مؤامرة الصمت المخزي هذه يوم أن أصدرت منظمة العفو تقريرها السنوي الذي نددت فيه بسياسات ترامب وبوتين ونتنياهو، قائلة إنهم ما فتئوا يشنون “هجمات افتراسية” على قيم القانون الدولي وفرص التعاون العالمي ومقدرات المجتمعات المدنية، وإن الغاية التي يرمون إليها هي هدم أسس النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لفرض نظام بديل قائم على العنصرية واللامساواة وانتهاك الحقوق الإنسانية. ونادت منظمة العفو بوجوب أن تتوقف الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمعات المدنية عن مهادنة هؤلاء الساسة وأن تقاوم هجماتهم المنذرة للإنسانية جمعاء بسوء المصير.
ما يُعجز الدولَ الأوروبية عن التصدي لدول مارقة مثل أمريكا وإسرائيل إلا جبنُها الأخلاقي المتوارث حكومة إثر حكومة
ومن عجيب الموافقات أن التقرير السنوي لمنظمة العفو صدر يوم اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين للنظر في طلب تعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل. ومثلما كان متوقعا، استخدمت ألمانيا وإيطاليا حق النقض، فضلا عن أنه لم يكن يؤيد طلب التعليق أصلا إلا ثلاث دول هي إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا. إذ لا تزال معظم الدول الأوروبية تحاذر المساس بالبقرة الإسرائيلية المقدسة رغم أن ما لا يقل عن مليون مواطن أوروبي وقعوا عريضة تطالب بتعليق هذه الاتفاقية عقابا لإسرائيل على جرائمها في غزة والضفة ولبنان. غير أن الأكيد أن في يد الاتحاد الأوروبي، لو استطاع أن يستجمع الإرادة السياسية اللازمة للتحرر من عقدة الخوف من أذرع الصهيونية العالمية، سلاحا اقتصاديا فعالا كفيلا بإلزام إسرائيل حدها، وجعلها تدرك مغبة همجيتها، وإجبارها على الإصغاء لصوت العقل الأوروبي الذي ما فتئت تستخف به وتزدريه بكل صلف رغم سخاء المعاملات التفضيلية وعظم المنافع الاقتصادية التي تجنيها من اتفاق الشراكة الذي وقعته مع الاتحاد عام ألفين، ورغم أن إسرائيل تكاد تكون عديمة الوزن، اقتصاديا، بالنسبة للاتحاد الأوروبي، حيث إن المبادلات معها تقل عن 1 بالمائة من إجمالي المبادلات التجارية الأوروبية!
والدليل على انتفاع إسرائيل البالغ من اتفاقية الشراكة أن قيمة المبادلات الأوروبية الإسرائيلية تتجاوز 42 مليار يورو في العام، وأنها تمثل 34 بالمائة من واردات إسرائيل و29 بالمائة من صادراتها، حيث إن الاتحاد الأوروبي هو أول شريك تجاري لإسرائيل في العالم. أما الشريك التجاري الأول لإسرائيل في صلب الاتحاد الأوروبي فهو ألمانيا، بـ7 مليارات ونصف مليار يورو سنويا، ثم هولندا بـ6 مليارات ونصف مليار يورو، فإيرلندا بـ5 مليارات و200 مليون يورو، فإيطاليا بـ4 مليارات و300 مليون يورو، فبلجيكا بـ3 مليارات و300 مليون يورو، وتأتي فرنسا في المرتبة الأخيرة بـمليارين و800 مليون يورو. وتشمل هذه المبادلات مختلف المجالات التكنولوجية والكيميائية والصناعية. واللافت أن ألمانيا هي أيضا الشريك الأوروبي الأول لإسرائيل في مجال مبيعات الأسلحة الثقيلة، بل إنها المزود العسكري الثاني لإسرائيل مباشرة بعد الولايات المتحدة، حيث تحصل إسرائيل على ثلثي احتياجاتها العسكرية (66 بالمائة) من الولايات المتحدة، بينما تزودها ألمانيا بالثلث الباقي (33 بالمائة). ومنذ 7 أكتوبر 2023 حتى نهاية 2025 منحت برلين شركات التصنيع الحربي الألمانية تراخيص تصدير لإسرائيل بقيمة 580 مليون يورو. كما أن إيطاليا تزود هي أيضا إسرائيل عسكريا، ولكن بما لا يتجاوز 1 بالمائة.
أما الصادرات العسكرية الفرنسية لإسرائيل عام 2024 فقد كانت بقيمة 16 مليون يورو، بحيث لم تتجاوز 0،2 بالمائة من إجمالي المبيعات العسكرية الفرنسية التي تبلغ قيمتها حوالي 20 مليار يورو في العام. وإذا كان في هذا دليل إضافي على أن إسرائيل لا تمثل شيئا يذكر بالنسبة للاتحاد الأوروبي سواء على صعيد الاقتصاد أم الدفاع، فإنه أيضا شاهد حي على صحة موقف منظمة العفو: ما يُعجز الدولَ الأوروبية عن التصدي لدول مارقة مثل أمريكا وإسرائيل إلا جبنُها الأخلاقي المتوارث حكومة إثر حكومة وجيلا سياسيا بعد جيل!

نيسان ـ نشر في 2026-04-25 الساعة 12:51


رأي: مالك التريكي

الكلمات الأكثر بحثاً