اتصل بنا
 

'وزارة الحقيقة' في 'فيسبوك'

روائي وصحافي جزائري

نيسان ـ نشر في 2026-04-28 الساعة 12:49

نيسان ـ في الجزائر، تحوّل فيسبوك إلى أرض ألغام، فالدّخول إليه لا يخلو من مخاطر، تنتصب فيه حواجز مزيّفة من شأنها الإيقاع بأي أحد أو توريطه في ما لا يعنيه، وأخطر ما فيه أن يحتكر الحقيقة. ومن يعارض آراء الفيسبوك، أو بالأحرى من يُعارض آراء الأقلية الصاخبة منه، يشعر كمن اقترف جرمًا.
إن ما يحصل في هذه المنصة، لا سيما بين بعض روّادها في الجزائر، يذكّرنا في رواية «1984 « لجورج أورويل، التي ابتكرت تفصيلاً يتطابق مع الحالة التي نعيش فيها، نقصد منه: وزارة الحقيقة. وهي وزارة خيالية، لكنها باتت تطابق الواقع، مهمتها في رواية أورويل تزييف الماضي، بما يتوافق مع آراء «الأخ الأكبر». بينما الفيسبوك يزوّر الواقع بما يتوافق مع معتقدات الأقلية الصاخبة. إنّها أقلية لا تنمو ولا تزهو سوى في جوّ من الحروب الافتراضية، ولا بدّ أن تشّن حربًا على أحد في كلّ مرّة.
وهذه الأيام يحلو لها أن تصوّب رشاش أحقادها صوب الكتّاب. إن هذه الجماعة التي تسطو على الفيسبوك، وتتخذّ من الدّين واجهة لها من أجل استمالة المريدين وجرّهم في مجراها، تحرّف الأحداث مثلما تحرّف الأحاديث. تدّعي أنها وحدها تمتلك الحقيقة.
وفي كلّ مرّة تنعت كاتبًا بالخائن. ماذا خان؟ هذا سؤال لا جواب له. هل أفشى أسرار الدّولة؟ كلا. هل سرق المال العام؟ كلا. هل قتل؟ كلا. يبادرون إلى تشويه سمعة الكاتب، لأن هذا الأخير يقف على النّقيض من «وزارة الحقيقة» في الفيسبوك، على النّقيض من الأقلية الصاخبة، لأن الكاتب لا يدّعي الحقيقة، بل يدافع عن حقّه في الشكّ والسؤال، وطرح السؤال يؤرّق وزارة الحقيقة، يكدّر صفوها وينغّص عيشها.
وفي كلّ مرة تزداد هذه الوزارة اتّساعًا في فيسبوك، فمن حيث لا نعلم تسطع صفحات، من حيث لا نعلم كذلك يسقط في شباكها عشرات الآلاف من الأتباع، والذين يبدؤون يومهم بالتّرحم على شيوخ قطع الرّقاب زمن العشرية السوداء، وبعد أن يتناولون الغداء منتصف النّهار ينصرفون إلى الطعن والتّشكيك في الكتّاب، يصفونهم مرّة بالعلمانيين ومرّة بالملحدين، وكلّ ذلك من غير دليل.
مشكلتهم أن الكاتب يشتغل في التّخييل، فيُحاكمون الكاتب مثلما يحاكمون الكتاب. إن هذه الوزارة التي تنصب خيمتها في الفيسبوك، والتي تزوّر الواقع، تعاني من أزمة أعمق، أزمتها أن أتباعها لم يقرؤوا شيئًا منذ كتاب المدرسة، يظنّون أن الأدب لا بدّ أن يساير أهواءهم، بالتالي عندما يصادفون رواية يهتزّ يقينهم، يشعرون بالحرج، وبدل الخوض في السؤال والنّقاش، وبدل الرّد على الكلمة بالكلمة، يفضلون غلق الباب، يريدون إسكات الكاتب بما يعفيهم من الجدل. يدعون مرّة إلى سجنه، ومرّة أخرى إلى معاقبته، يدعون أهله إلى التّبرؤ منه أو يدعون إلى إسقاط الجنسية عنه، يدعون إلى نفيه أو إزهاق أنفاسه.
يبدو أن ساحة النّقاش تضيق، وكلّما ضاق المكان اتّسعت المخيلة، لأن هذه الحملات في التفكير تزيد الكاتب إصرارًا في عمله، توحي له بأن كتابته على حقّ، فوزارة الحقيقة في فيسبوك تساعده في تأكيد ما كتب. بينما كان الكتّاب في سنين العشرية السوداء يموتون برصاصة أو طعنة سكين، صار الكتّاب يجدون أنفسهم تحت رحمة فتاوى تصدر من «وزارة الحقيقة» في الفيسبوك.
كلّ وزارة لا بدّ أن يقف على رأسها وزير، لكن «وزارة الحقيقة» في فيسبوك لا يحكمها شخص بعينها، بل تحكمها فكرة، وكلّ شخص بوسعه أن يزوّر الوقائع أو يزيّف الأقاويل يصبح من المنتمين إليها.
إن عدد أعضاء والمنتسبين إليها يزداد كلّ يوم، يدخلون إليها مثل مشجعين متعصبين يدخلون إلى ملعب الكرة، يلوّحون بكلام فجّ وينفثون من أفواهم نار التّهديد، لأن الطعن في سمعة كاتب أسهل من القراءة له، لأن الكاتب لا يجد من يحميه، فعلى الرّغم من توافر قوانين في التّصدي لخطاب الكراهية وتواجه ما يحصل من إساءات في «سوشيال ميديا»، فإنها قوانين لا تغادر الورق عندما يتعلّق الأمر بكاتب.
هل تملك الجزائر رأس مال رمزي أعلى مرتبة من الأدب؟ هذا رأس مالها ويبدو أنّه دخل حيّز الخطر. إن من يودّ النيل من شرف الكتاب إنما يطعن في تاريخ البلد وهويته، يطعن في ذاكرته كذلك. لأن الإساءة إلى كاتب في الزّمن الحالي قد تنجر عنها إساءة إلى كاتب آخر من جيل المؤسسين. لأن الحقد مثل كرة الثلج تكبر كلما أغمض النّظر إليها. لقد صار الأدب في الجزائر يعيش حياة سريّة، في العتمة لا في النّور. نكتب في الدّاخل ثم تصدر الأعمال في الخارج. يجري تهريب رأس المال الرّمزي من غير أن يثير الأمر غيرة أحد.
وهروب الأدب إلى الخارج لا يختلف عن تهريب الأثار في ضرره. ووزارة الحقيقة تنظر بعين الرّضا إلى هذا الأمر، فمن صالحها ألاّ تصدر الرّوايات في الدّاخل، بل تخرج من مطابع في لبنان أو مصر، بما يعطّل سهولة توزيعها في المكتبات، ويعطّل أن يطالعها القارئ المحايد، وهو أمر يجعل الأدب كذلك عرضة للقرصنة في غياب الكتاب الورقي في الدّاخل، والقرصنة كذلك تفقر الكاتب في ظلّ عدم تفعيل القوانين التي تحدّ من شأنها.
هكذا هو الحال في «وزارة الحقيقة»، إنها فكرة متخيّلة كتبها جورج أورويل وتحوّلت إلى واقع، وكلّما زاد نشاطها، زاد الكاتب قناعة بأنه على الطّريق الصحيح، يتعرّض إلى الطّعن لأن كتابه أحدث خلخلة في تفكير الأقلية الصاخبة، والكاتب الذي لا يضايق «وزارة الحقيقة» فهو كاتب غير صادق في علاقته بالقارئ.

نيسان ـ نشر في 2026-04-28 الساعة 12:49


رأي: سعيد خطيبي روائي وصحافي جزائري

الكلمات الأكثر بحثاً