حديقة المؤامرات… من يقطف ثمارها؟
سعيد خطيبي
روائي وصحافي جزائري
نيسان ـ نشر في 2026-05-02 الساعة 12:57
نيسان ـ من يتكلم عن قارب يبحر خفية من الجزائر إلى إسبانيا، وعلى متنه مهاجرون غير شرعيين، فسوف يجري اتهامه بالتآمر، من يتحدث عن فشل مؤتمر في البلاد، فسوف يجري اتهامه بالتآمر، من ينتقد منتخب الكرة أو لا يرضى عن خيارات المدرب أو أداء لاعب، فسوف يجري اتهامه بالتآمر، من يحكي عن ضعف الحصاد، سوف يجري اتهامه بالتآمر، من يشتكي من ضعف تساقط المطر، سوف يجري اتهامه بالتآمر، من ينتقد أداء التلفزيون الحكومي، سوف يجري اتهامه بالتآمر، من ينتقد حالة الطرقات سوف يجري اتهامه بالتآمر.
سوف يقولون إن الرجل يبالغ في النقد، وأن النية من كلامه إنما تعميم المخاوف، وبث طاقة سلبية بين الناس، وإنه يعمل لصالح أطراف أجنبية، أو مكلف بزرع البلبلة من جهات خفية، وإنه عميل ويد خارجية.
فقد تطور منذ سنوات قاموس جديد في الجزائر، قاموس في التخوين. وهو قاموس يتسع كل يوم، ويتضمن كلمات كلها من مرادفات، عميل أو خائن أو مندس أو مأجور. يمكن أن نحصي عددا معتبرا من الكلمات التي تفيد كلها هذا المعنى. وعندما يفشل الإعلام الرسمي في تبرير زلة أو خطأ، فإن الحجة جاهزة، بالقول إن ما يحصل إنما تقف وراءه جهات مجهولة. يجري تسويق التهمة جزافا. يجري توزيعها بشكل مجاني مثل من يوزع دعوات حفلة زفاف. وعندما نبحث عن الحجة من وصف فلان بالخائن أو وصف آخر بالعميل، يتعذر أن نعثر على دليل. هل زود جهة معادية بمعلومات سرية؟ هل شكّل جماعة مسلحة؟ هل حرّض على العنف؟ هل تدخل في إثارة ضجيج أو في تحويل قرارات؟ تجيء الإجابة عن هذه الأسئلة بالنفي، فالتهمة حاضرة لكن الحجة غائبة.
ما هي الخطيئة التي يمكن أن يقترفها أحدهم، ثم يدخل في زمرة المغضوب عليهم؟ لا توجد إجابة شافية، لكن نلاحظ أن الكتابة من شأنها أن تصير جرما، لأن إبداء الراي لم يعد أمرا محتملا. من يكتب مقالا يصير عميلا، أو من ينقل خبرا، من يعلق على حدث، أو ينشر تحقيقا أو استطلاعا، من يظهر في الشاشة ويتكلم عما يجري، من يكتفي بالسوشيال ميديا من أجل إبداء وجهة نظر، لم يعد أي متكلم معفى من التهمة، بل يجري الزج بهم بسهولة في زمرة العملاء والخونة.
يصير محل شبهة ويدخل قاموس التآمر. في المقابل تنمو حديقة وارفة، من خلف الحيطان، يتكئ عليها أشخاص ويبذلون جهدا من أجل تلميع الحال، ومهما يحصل فإنهم يصرون على أن البلاد تسير في نهج الأمان والاستقرار، لا يرون عيبا واحدا، بل إن أعينهم ترى في الزلات وفي الأخطاء بيان نجاح وفلاح. وهؤلاء الأشخاص، الذين يقيمون في حديقة التآمر، ويأكلون من ثمارها، يمارسون مهنة واحدة، وهي مهنة تشغل كل وقتهم، لا راحة فيها ولا إجازة، إنها مهنة تصيد كل كاتب أو متكلم ينتقد أو يعلق، يقومون بالتشهير به ونعته بأسوأ كلام.
لقد نصب ساكنة «حديقة التآمر»، أنفسهم مثل القضاة، يراقبون كل من يتكلم ثم يحيلونه إلى غرفة التشهير على السوشيال ميديا، من أجل غسل دماغه وكبح سلوكه في مواصلة الإدلاء بآرائه الشخصية. لأن ساكنة حديقة التآمر يريدون من الآخرين أن يصيروا نسخة واحدة، يريدون منهم نسخة تشبههم. يريدون منهم بشرا يرون ولا يتكلمون. يودون منهم أن يبتلعوا ألسنتهم في حال رأوا قوارب يمتطيها مراهقون في هجرة غير شرعية إلى أوروبا.
لا بد أن يقول، إن تلك القوارب حدث عابر ولا تعبر عن حقيقة الوضع. عندما يرون منتخب الكرة، الذي تصرف من أجله المليارات، وهو يؤدي مباريات سيئة، فلا بد من التجاوز عنه، والقول إن الكرة تحتمل الربح والخسارة. لا بد للكتاب أن يلعبوا دورهم في بلع ألسنتهم من أجل «حماية الوطن»، هكذا جرت العادة. مع أن حماية وطن تقتضي الكشف عن الأعطاب من أجل إصلاحها، فإن سكان حديقة التآمر، لهم تعريف آخر لحماية الوطن، يقتضي السكوت والتجاوز عما يحصل، يقتضي أن ينقلب الناس عن حقهم في الرأي، ولا يمارسون نصيبهم في النقد، على الرغم من نواياهم الحسنة، بل عليهم أن يغمضوا أعينهم ولا يفتحونها إلا إذا وقع أمر مفرح في البلد.
يحاول الكاتب أن يوسع من حيز الحرية، أن يبدي رأيا من أجل الخروج من الجمود ومن الركود، القصد من الكتابة إنما الخروج إلى دائرة النور، هذا هو المتعارف عليه. لكن عندما يبادر الكاتب برأي، فمن المتحمل أن يعثر على صورته، في اليوم التالي، في الجرائد أو حسابات السوشيال ميديا. والأمر لا يتعلق بمدح سلوكه أو روحه المخلصة من أجل تصليح الأعطاب، بل سوف يعثر على صورته مرافقة بكلام يشبه كلام الشوارع.
وقد يقول أحدهم، إن من الأفضل أن يواصل الكاتب عمله، من غير أن يلتفت إلى أولئك الذين يودون ثنيه عن فعله. وهو رأي جميل لا يخلو من مثالية، لكن الكاتب ليس «مقطوعا من شجرة»، مثلما يقول المثل. بل له أهل وعائلة وأقارب، هذه هي الفئة هي التي يستهدفها سكان حديقة المؤامرات. إن محاولات تشويه الكاتب ليس القصد منها الكاتب في حد ذاته، بل من أجل فصله عن المحيط الذي يعيش فيه. من أجل بث الحقد والكراهية مع من يحبه ويعرفه. أولئك الذين عندما يقرؤون ما يُكتب عنه من تهم (لا دليل لها) قد يرتابهم الشك، قد يراجعون علاقتهم به. وذلك هو المبتغى كما يريدون، أن يصير الكاتب معزولا عن بيئته.
في ماض قريب، عندما نتسكع في قسنطينة، أو في وهران، يحصل أن نصادف كاتبا أو اثنين، في الشارع أو في مقهى أو مطعم، ثم تتحول الجلسة إلى حلبة نقاش، لكن في السنين الأخيرة فإننا نذرع المدن والعاصمة، من غير أن نصادف كتابا نعرفهم. فقد تشتتوا بين من هاجر، ومن يفضل الإحجام عن الأمكنة العامة خشية الكلام المسيء.
سوف يقولون إن الرجل يبالغ في النقد، وأن النية من كلامه إنما تعميم المخاوف، وبث طاقة سلبية بين الناس، وإنه يعمل لصالح أطراف أجنبية، أو مكلف بزرع البلبلة من جهات خفية، وإنه عميل ويد خارجية.
فقد تطور منذ سنوات قاموس جديد في الجزائر، قاموس في التخوين. وهو قاموس يتسع كل يوم، ويتضمن كلمات كلها من مرادفات، عميل أو خائن أو مندس أو مأجور. يمكن أن نحصي عددا معتبرا من الكلمات التي تفيد كلها هذا المعنى. وعندما يفشل الإعلام الرسمي في تبرير زلة أو خطأ، فإن الحجة جاهزة، بالقول إن ما يحصل إنما تقف وراءه جهات مجهولة. يجري تسويق التهمة جزافا. يجري توزيعها بشكل مجاني مثل من يوزع دعوات حفلة زفاف. وعندما نبحث عن الحجة من وصف فلان بالخائن أو وصف آخر بالعميل، يتعذر أن نعثر على دليل. هل زود جهة معادية بمعلومات سرية؟ هل شكّل جماعة مسلحة؟ هل حرّض على العنف؟ هل تدخل في إثارة ضجيج أو في تحويل قرارات؟ تجيء الإجابة عن هذه الأسئلة بالنفي، فالتهمة حاضرة لكن الحجة غائبة.
ما هي الخطيئة التي يمكن أن يقترفها أحدهم، ثم يدخل في زمرة المغضوب عليهم؟ لا توجد إجابة شافية، لكن نلاحظ أن الكتابة من شأنها أن تصير جرما، لأن إبداء الراي لم يعد أمرا محتملا. من يكتب مقالا يصير عميلا، أو من ينقل خبرا، من يعلق على حدث، أو ينشر تحقيقا أو استطلاعا، من يظهر في الشاشة ويتكلم عما يجري، من يكتفي بالسوشيال ميديا من أجل إبداء وجهة نظر، لم يعد أي متكلم معفى من التهمة، بل يجري الزج بهم بسهولة في زمرة العملاء والخونة.
يصير محل شبهة ويدخل قاموس التآمر. في المقابل تنمو حديقة وارفة، من خلف الحيطان، يتكئ عليها أشخاص ويبذلون جهدا من أجل تلميع الحال، ومهما يحصل فإنهم يصرون على أن البلاد تسير في نهج الأمان والاستقرار، لا يرون عيبا واحدا، بل إن أعينهم ترى في الزلات وفي الأخطاء بيان نجاح وفلاح. وهؤلاء الأشخاص، الذين يقيمون في حديقة التآمر، ويأكلون من ثمارها، يمارسون مهنة واحدة، وهي مهنة تشغل كل وقتهم، لا راحة فيها ولا إجازة، إنها مهنة تصيد كل كاتب أو متكلم ينتقد أو يعلق، يقومون بالتشهير به ونعته بأسوأ كلام.
لقد نصب ساكنة «حديقة التآمر»، أنفسهم مثل القضاة، يراقبون كل من يتكلم ثم يحيلونه إلى غرفة التشهير على السوشيال ميديا، من أجل غسل دماغه وكبح سلوكه في مواصلة الإدلاء بآرائه الشخصية. لأن ساكنة حديقة التآمر يريدون من الآخرين أن يصيروا نسخة واحدة، يريدون منهم نسخة تشبههم. يريدون منهم بشرا يرون ولا يتكلمون. يودون منهم أن يبتلعوا ألسنتهم في حال رأوا قوارب يمتطيها مراهقون في هجرة غير شرعية إلى أوروبا.
لا بد أن يقول، إن تلك القوارب حدث عابر ولا تعبر عن حقيقة الوضع. عندما يرون منتخب الكرة، الذي تصرف من أجله المليارات، وهو يؤدي مباريات سيئة، فلا بد من التجاوز عنه، والقول إن الكرة تحتمل الربح والخسارة. لا بد للكتاب أن يلعبوا دورهم في بلع ألسنتهم من أجل «حماية الوطن»، هكذا جرت العادة. مع أن حماية وطن تقتضي الكشف عن الأعطاب من أجل إصلاحها، فإن سكان حديقة التآمر، لهم تعريف آخر لحماية الوطن، يقتضي السكوت والتجاوز عما يحصل، يقتضي أن ينقلب الناس عن حقهم في الرأي، ولا يمارسون نصيبهم في النقد، على الرغم من نواياهم الحسنة، بل عليهم أن يغمضوا أعينهم ولا يفتحونها إلا إذا وقع أمر مفرح في البلد.
يحاول الكاتب أن يوسع من حيز الحرية، أن يبدي رأيا من أجل الخروج من الجمود ومن الركود، القصد من الكتابة إنما الخروج إلى دائرة النور، هذا هو المتعارف عليه. لكن عندما يبادر الكاتب برأي، فمن المتحمل أن يعثر على صورته، في اليوم التالي، في الجرائد أو حسابات السوشيال ميديا. والأمر لا يتعلق بمدح سلوكه أو روحه المخلصة من أجل تصليح الأعطاب، بل سوف يعثر على صورته مرافقة بكلام يشبه كلام الشوارع.
وقد يقول أحدهم، إن من الأفضل أن يواصل الكاتب عمله، من غير أن يلتفت إلى أولئك الذين يودون ثنيه عن فعله. وهو رأي جميل لا يخلو من مثالية، لكن الكاتب ليس «مقطوعا من شجرة»، مثلما يقول المثل. بل له أهل وعائلة وأقارب، هذه هي الفئة هي التي يستهدفها سكان حديقة المؤامرات. إن محاولات تشويه الكاتب ليس القصد منها الكاتب في حد ذاته، بل من أجل فصله عن المحيط الذي يعيش فيه. من أجل بث الحقد والكراهية مع من يحبه ويعرفه. أولئك الذين عندما يقرؤون ما يُكتب عنه من تهم (لا دليل لها) قد يرتابهم الشك، قد يراجعون علاقتهم به. وذلك هو المبتغى كما يريدون، أن يصير الكاتب معزولا عن بيئته.
في ماض قريب، عندما نتسكع في قسنطينة، أو في وهران، يحصل أن نصادف كاتبا أو اثنين، في الشارع أو في مقهى أو مطعم، ثم تتحول الجلسة إلى حلبة نقاش، لكن في السنين الأخيرة فإننا نذرع المدن والعاصمة، من غير أن نصادف كتابا نعرفهم. فقد تشتتوا بين من هاجر، ومن يفضل الإحجام عن الأمكنة العامة خشية الكلام المسيء.
نيسان ـ نشر في 2026-05-02 الساعة 12:57
رأي: سعيد خطيبي روائي وصحافي جزائري


