اتصل بنا
 

ترامب يستدعي أشباح الحروب العتيقة.. وخرائط المنطقة تُرسم بالنار والتهجير

نيسان ـ نشر في 2026-05-06 الساعة 16:56

ترامب يستدعي أشباح الحروب العتيقة.. وخرائط
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
حين استحضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حروب فيتنام والعراق وكوريا وهو يتحدث عن إيران، لم يكن يرسل رسالة عسكرية عابرة، بل كان يعلن ــ بوضوح يكاد يكون صادما ــ أن المنطقة تدخل مرحلة صراع طويل ومفتوح، تتجاوز فكرة "الضربة المحدودة" أو "الرد التكتيكي".
الرجل قال للأمريكيين: "كنا في فيتنام 19 عاما، وفي العراق سنوات طويلة، وفي كوريا سبع سنوات".
وحين تُستدعى هذه الحروب تحديدا، فالمقصود ليس استعادة التاريخ، بل تهيئة الرأي العام لفكرة الاستنزاف الطويل، ولحرب يعاد فيها تشكيل التوازنات بالقوة الخشنة، لا بالمفاوضات.
نحن هنا أمام عقلية ترى أن المواجهة مع إيران ليست حدثا مؤقتا، بل جزء من عملية إعادة ترتيب شاملة للمنطقة، تُستخدم فيها النار لإعادة رسم الخرائط، والسياسة لإدارة الفوضى الناتجة عنها.
وفي اللحظة نفسها التي كان فيها ترامب يمهد نفسيا واستراتيجيا لهذا المسار، خرج وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ليقول ما هو أخطر من الحرب نفسها.
سموتريتش لم يتحدث بلغة السياسة التقليدية، بل بلغة المشروع التوسعي الصريح، حين أعلن أن إسرائيل "ستتوسع في سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية"، مضيفا، بفظاظة تكشف طبيعة التفكير القائم، أن عدد القتلى العرب لا يعنيه بقدر ما تعنيه السيطرة على الأرض.
هنا، تسقط كل الأقنعة دفعة واحدة.
ما يجري لم يعد مجرد رد فعل أمني، ولا حتى مواجهة مرتبطة بالسابع من أكتوبر أو تداعياته، بل يبدو أقرب إلى تفعيل مشاريع توسعية مؤجلة، كانت تنتظر لحظة الانفجار الكبرى لتخرج من الأدراج إلى الواقع.
إننا أمام جولة ثانية من الصراع، لكن هذه المرة ليس الهدف فيها فقط إخضاع الخصوم، بل تفكيك البنية الصلبة لما تبقى من الإقليم العربي، وضرب أعمدته المركزية سياسيا وجغرافيا وديمغرافيا.
ومن هنا تحديدا، تصبح "الحالة الأردنية" شديدة الحساسية.
فأي زلزال يضرب سوريا، لا يبقى في سوريا فقط، وأي تغيير جذري في الضفة الغربية لا يتوقف عند حدود الفلسطينيين وحدهم. بالمنطق الاستراتيجي البارد، وبحسابات الجغرافيا التي لا تعترف بالشعارات، فإن الأردن يقف في قلب التحولات المقبلة، لا على هامشها.
لهذا، فإن الحديث عن تغييرات "نووية" في المنطقة ليس مبالغة لغوية، بل توصيف لحجم التحولات التي تلوح في الأفق.
نحن لا نتحدث عن تبدلات سياسية عادية يمكن احتواؤها أو التكيف معها، بل عن عملية "هندسة كبرى" تعاد فيها صياغة الجغرافيا عبر الدم، والديمغرافيا عبر التهجير، وحتى الوعي الجمعي عبر إعادة تشكيل صورة المنطقة وأولوياتها وهويتها.
التغيير لن يتوقف عند الحدود والخرائط، بل سيمتد إلى شكل المدن، وإلى الاقتصاد، وإلى الثقافة، وحتى إلى شكل الغرف الصفية والأجيال التي ستنشأ داخل هذا الركام الجديد.
إنه "تسونامي" سياسي وجغرافي يطوي صفحة كاملة من تاريخ المنطقة.
ربما لهذا يبدو من المبكر الادعاء بمعرفة الشكل النهائي لما سيحدث، لأن الغبار لم ينقشع بعد، ولأن المنطقة ما تزال داخل عين العاصفة. لكن الحقيقة الوحيدة التي يمكن الإمساك بها الآن، هي أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة إعادة تأسيس كبرى، تُغلق معها دفاتر قديمة فُتحت منذ قرون، ويبدأ معها زمن مختلف تماما.
زمن يُراد فيه للمنطقة أن تفقد عمودها الفقري، وأن تدخل مرحلة سيولة سياسية وجغرافية طويلة، قد لا تنتهي آثارها عند حدود هذا الجيل وحده.

نيسان ـ نشر في 2026-05-06 الساعة 16:56

الكلمات الأكثر بحثاً