اتصل بنا
 

دلالات ترؤس الأردن للمجلس التنفيذي للإيسيسكو

نيسان ـ نشر في 2026-05-07 الساعة 10:31

دلالات ترؤس الأردن للمجلس التنفيذي للإيسيسكو
نيسان ـ فيصل تايه
يأتي انتخاب الأردن لرئاسة المجلس التنفيذي لمنظمة الإيسيسكو، ممثلاً بالدكتور نواف العجارمة، خلال أعمال الدورة الدورية التي عُقدت في الرباط وبمشاركة ممثلي الدول الأعضاء، تعبيراً عن ثقة جماعية متراكمة بقدرة الأردن على الإسهام في قيادة العمل التربوي والثقافي والعلمي ضمن منظومة متعددة الأطراف، تتقاطع فيها المصالح وتتباين فيها الأولويات وتحتاج إلى عقل توافقي وخبرة عملية.
وفي هذا السياق، تكتسب هذه اللحظة دلالة أوسع تتجاوز بعدها الإجرائي، لتكشف عن تحول أعمق في طبيعة التموقع داخل منظومات التعليم والثقافة في العالم الإسلامي، حيث تقرأ هذه المواقع بوصفها مؤشرات على إعادة تشكيل هادئة لمراكز التأثير المعرفي، في سياق تتقدم فيه الكفاءة والخبرة على الاعتبارات الشكلية في تحديد وزن الدول داخل المؤسسات الدولية المتخصصة.
وانطلاقاً من هذا التحول، تتصاعد دلالة هذا التطور لتطرح سؤالاً مباشراً : ماذا يعني أن يتصدر الأردن موقعاً في قلب صناعة القرار التربوي داخل العالم الإسلامي، في مرحلة لم يعد فيها التعليم قطاعاً خدمياً نمطياً ، بل أحد أهم ميادين إنتاج المستقبل، وإعادة صياغة موازين القوة الناعمة، وبناء المكانة داخل النظام الدولي الجديد القائم على المعرفة؟
وفي هذا السياق المؤسسي تحديداً ، انعقدت هذه الدورة ضمن أعمال المجلس التنفيذي الاعتيادية، المخصصة لمراجعة تنفيذ الخطة الاستراتيجية للمنظمة، ومتابعة تقدم البرامج في مجالات التربية والعلوم والثقافة، إضافة إلى تحديد أولويات المرحلة المقبلة، خصوصاً في ملفات التعليم الرقمي، وبناء القدرات البحثية، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء. وهي ليست اجتماعات إجرائية، بل محطات تقييم وإعادة توجيه لمسار مؤسسة إقليمية ذات تأثير واسع.
ومن داخل هذا الإطار التقييمي تحديداً، تبرز دلالة أساسية في إمكانية تحويل هذا الموقع إلى “مختبر سياسات” فاعل، لا يقتصر على اعتماد البرامج، بل ينتج معرفة تطبيقية قابلة للتوطين داخل الدول الأعضاء، بما ينقل العمل من مستوى التنسيق إلى مستوى التأثير الفعلي. ويظهر ذلك خصوصاً في تطوير نماذج استدامة التمويل التربوي عبر الأوقاف التعليمية والشراكات مع القطاع الخاص، وهي خبرة أردنية يمكن توسيع أثرها إقليمياً.
وبالانتقال إلى مستوى الحوكمة داخل المنظمة، فإن ترؤس المجلس التنفيذي لا يعني تمثيلاً بروتوكولياً، بل موقعاً مؤثراً في ضبط الإيقاع العام للسياسات داخل الإيسيسكو، حيث تُراجع الاستراتيجيات وتُعاد صياغة الأولويات، وتُقاس الفجوة بين التخطيط والتنفيذ. ومن ثم، فإن هذا الموقع يضع الأردن في قلب عملية صناعة القرار، لا في هامشها.
وانعكاساً مباشراً لهذا التموضع المؤسسي، تبرز أهمية متزايدة لقيادة ملف “أنسنة التحول الرقمي”، في ظل التسارع العالمي نحو الذكاء الاصطناعي، بما يفتح المجال أمام دور أردني في صياغة أطر أخلاقية توازن بين التقدم التكنولوجي وحماية الهوية الثقافية، ضمن مفهوم “الأمن الثقافي” الذي يضمن انفتاحاً واعياً دون فقدان الخصوصية الحضارية.
ومن هذا المنظور الأوسع، فإن هذه النقلة ، وإن بدت إدارية، فهي في جوهرها سياسية–معرفية، إذ إن الدول التي تتقدم إلى مواقع قيادية داخل المنظمات المتخصصة تُقرأ بوصفها قادرة على إنتاج نموذج أو خبرة أو إدارة توازنات داخل بيئات متعددة الأطراف. وفي الحالة الأردنية، يستند ذلك إلى تراكم في قطاع التعليم، الذي شكّل أحد أهم أدوات القوة الناعمة رغم محدودية الموارد.
واستناداً إلى هذا التراكم، يمكن للأردن توظيف، تجربته في التعليم المهني والتقني، مثل نظام "BTEC" ، في دعم بناء إطار مؤهلات موحد بين الدول الأعضاء، بما يعزز الاعتراف المتبادل بالمهارات ويسهّل حركة الكفاءات، ويخدم متطلبات التنمية الاقتصادية. ويوازي ذلك ضرورة الاستثمار في تمكين المعلم والمشرف التربوي باعتباره حجر الأساس في أي إصلاح تعليمي مستدام.
وفي امتداد هذا المسار، تظل الإشارة الأهم أن القيمة الحقيقية لهذا الموقع لا تكمن في رمزيته، بل في قدرته على التحول إلى أداة تأثير داخل منظومة تعليمية ما تزال تواجه فجوات في الجودة وربط التعليم بالاقتصاد ، فالإيسيسكو اليوم ليست مجرد إطار ثقافي، بل مساحة اختبار لمستقبل التعليم وتوجهاته.
ومن هذا الباب تحديداً يفتح هذا الدور المجال أمام تفعيل “دبلوماسية التراث”، حيث يمكن للأردن، بخبرته في الوصاية الهاشمية وإدارة المواقع الأثرية، الإسهام في حماية التراث في مناطق النزاع، وتحويله إلى رافد ثقافي وتنموي مستدام.
وبناءً على ما سبق ، فإن ترؤس الأردن للمجلس التنفيذي يضعه أمام معادلة حاسمة: إما أن يتحول هذا الموقع إلى منصة إنتاج سياسات قابلة للتنفيذ، أو يبقى ضمن حدود الحضور المؤسسي التقليدي. ويتوقف ذلك على قدرة الأردن على أداء دور “الجسر الاستراتيجي” بين الإيسيسكو ونظيراتها الدولية كاليونسكو والألكسو، بما يعزز التكامل ويحد من التشتت في المبادرات، ويفتح المجال أمام استقطاب التمويل الدولي للمشاريع التربوية الكبرى.
في البعد الأوسع، يعكس هذا التطور انتقالاً تدريجياً نحو نماذج تأثير قائمة على المعرفة بدل القوة الصلبة، ما يجعل التجربة الأردنية مثالاً على بناء وزن إقليمي قائم على الكفاءة لا الحجم. إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى الموقع، بل في القدرة على الاستمرار في إنتاج التأثير داخله.
وفي النتيجة ، فإن نجاح هذه الرئاسة لا يُقاس بالموقع الذي تبوّأه ، بل بالنتائج التي تُنتج، وبالانتقال من المؤشرات الشكلية إلى الأثر الفعلي. وهنا تتحدد قيمة المرحلة المقبلة، بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرة الأردن على تحويل الحضور المؤسسي إلى ريادة معرفية، وتعزيز موقعه في قيادة التحول التربوي والثقافي في العالم الإسلامي.
والله ولي التوفيق

نيسان ـ نشر في 2026-05-07 الساعة 10:31

الكلمات الأكثر بحثاً