اتصل بنا
 

الحياة مهنة قاسية

صحفي وكاتب عمود يومي في جريدة "الدستور"

نيسان ـ نشر في 2026-05-07 الساعة 11:20

نيسان ـ لست من أعداء الحياة، لا قدر الله، ولا من المتشائمين فاقدي الأمل بمستقبل أفضل، لكن يصعب حقا أن تتمسك بالمبادىء، وبالقيم الكبيرة، كالصدق مثلا، وتكون في الوقت نفسه -أعني في هذا الزمان- تعيش حياة سلسة، مستقرة، آمنة، ولا يتعلق الأمر بالظروف الاقتصادية وحدها، بل بحالة قسرية جارفة من الاغتراب، تفقد فيها الوجوه المألوفة، وتستبدلها لك الدنيا بفراغ، او بوجوه أخرى، ليس من السهولة أن تألفها، وتطمئن لها.. ويزداد الاغتراب توغلا في تفاصيل يومياتك، مع ارتفاع وتيرة حياة مادية، تخضع للمال والاستغناء عن العقل والأخلاق..
لظروف تطورت، ولم تعد خاصة، مضى شهر تقريبا ولم أكتب مقالة للدستور، وهي مدة طويلة بالنسبة لشخص مضت عقود من حياته، وهو يكتب يوميا للدستور، ولا أقول بأن الدستور نشرت كل ما كتبت، وهذا وضع طبيعي في صحيفة مهنية، فليس كل ما تكتبه سيجري نشره، فالصحيفة مسؤولة قانونيا، ووطنيا، وسياسيا، واجتماعيا، وأخلاقيا، عن كل حرف ينشر على صفحاتها، وهذه بدورها مهنة تحريرية صعبة وحساسة، قد لا يتفهمها كاتب متحمس، او حديث عهد بالكتابة..
وإذ أكتب اليوم هذه المقالة، فإنني كمن يعود من إجازة لممارسة عمل، هو كل الحياة بالنسبة لكثيرين، غيري، فأنا لست وفيا جدا لمهنة الكتابة، وفي مهرجان الاغتراب الشامل الذي يغزو كل العالم، اشعر أن الكتابة بدورها هي جزء من حياة صعبة قاسية، تزداد صعوبتها حرجا وقسوة، حين لا تجد من يقرأ أو من يفهم ما تكتبه، لا سيما إن كنت تكتب في شأن عام، تتحرى الصدق في كتابتك، وتشعر بأن الكلمة أمانة ومسؤولية وفعل عام، قد يبني قناعة طيبة عند الناس، ويكشف التباسا، كان يخيم على العقول، ويرسخ الجهل ويخدم الخطأ ويعمم المفاسد.
الكلمة سلاح، قد يصيب وقد يخيب، وتكون أكثر أهمية وخطورة إن كانت مهنة، لها علاقة بكل تفاصيل حياة تزداد كل يوم اغترابا، وتفقد بريقها فوق فقدانها للاستقرار والثقة والوجوه المألوفة..
سنكتب ونسعى لحياة أكثر سهولة، ونحلم بأخرى، والآخرة خير وأبقى.

نيسان ـ نشر في 2026-05-07 الساعة 11:20


رأي: ابراهيم عبدالمجيد القيسي صحفي وكاتب عمود يومي في جريدة "الدستور"

الكلمات الأكثر بحثاً