اتصل بنا
 

إسرائيل… على طريق جنوب افريقيا في العزلة؟

كاتب فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-05-07 الساعة 13:03

نيسان ـ نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تقريراً عن اعتداء جديد تعرّض له سكان (خربة حمصة) في الأغوار الشمالية التابعة لمحافظة طوباس، لا يكتفي بوصف ما جرى باعتباره احتكاكا، أو مواجهة بين سكان، كما جرت العادة في القاموس الإسرائيلي الرسمي، بل يتحدث بلغة مختلفة تماماً، عن اعتداءات على فتيات، تهديدات بالاغتصاب، تقييد رجال أمام عائلاتهم، نهب ممتلكات، وإذلال جماعي، بل واعتداء جنسي على رجل أمام أفراد أسرته، بينهم أطفال.
خربة حمصة نموذج للاستيلاء الاستيطاني على الأرض بعد طرد السكان وهدم منازلهم اللذين تكررا مرات، وفي كل مرة يحاول فيها السكان العودة لنصب خيامهم وما يأويهم مع حلالهم، يتعرضون من جديد للهجمات والتنكيل والطرد.
في السنوات الأخيرة توالت تقارير كثيرة عن هجمات منظّمة نفذتها مجموعات من المستوطنين في الأغوار وجنوب الخليل وشرق رام الله. لم تعد المسألة تقتصر على إحراق أشجار زيتون، أو كتابة شعارات عنصرية، بل باتت أقرب إلى عمليات اقتحام جماعية، تذكر بعصابات الاستيطان الأولى في تجارب استعمارية قديمة. عشرات الملثمين، مركبات رباعية الدفع، أسلحة، اعتداءات ليلية، سرقة الحلال، تكسير خزانات المياه، إحراق بيوت ومركبات، واعتداءات حتى على متضامنين أجانب وإسرائيليين. بعض التجمعات البدوية أُفرغت فعليا من سكانها تحت ضغط هذا العنف المتواصل، فيما تحولت البؤر الاستيطانية العشوائية، إلى مراكز نفوذ تفرض واقعا جديدا بقوة الترهيب اليومي. هذا المناخ لم يعد هامشياً داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي، بل أصبح جزءا من التيار الأقوى داخل الحكومة والكنيست. حين ظهرت في احتفال بعيد ميلاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير كعكة تحمل صورة مشنقة، لم يكن الأمر مجرد تسلية ثقيلة ظل، بل كان تعبيراً مكثفاً عن ثقافة سياسية يجري فيها تطبيع القتل وتحويله إلى جزء من المشهد الاحتفالي اليومي. المشنقة لم تعد رمزاً صادماً، بل تحولت عند قطاعات واسعة من اليمين الإسرائيلي، إلى لغة شعبوية تختلط فيها الرغبة بالانتقام مع استعراض القوة والتحريض. المشنقة الوحيدة المعروفة وتعرض في متحف سجن عكا، استعملت لقتل الثوار الفلسطينيين في حقبة الاستعمار البريطاني، وفي الوثائق أن البريطانيين شنقوا 66 من المقاومين العرب عام 1938 لوحده، واثنين من اليهود في العام نفسه، لكن المشنقة تعرض في متحف سجن عكا كوسيلة إعدام مورست ضد اليهود على يد الإنكليز، وكجزء من عملية النضال لإقامة دولة إسرائيل مع تجاهل تام لمئات العرب الذين شنقوا فيها خلال فترة انتداب فلسطين من 1920 إلى 1948.
الأنظمة لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريا، بل حين تتحول تدريجياً إلى عبء أخلاقي على العالم، وحين يبدأ حتى بعض أبنائها بالنظر إليها بقلق أمام المرآة
عودة المشنقة وعلى صورة كعكة لوزير تقول الكثير، ليس فقط في فائض التطرّف والدموية، بل تقول أيضاً إن المستعمرين والمحتلين لا يختلفون في جوهرهم في التعامل مع أبناء الأرض الأصليين، ولا في كميات الحقد التي يحملونها عليهم، لأن ابن الأرض يذكر المحتل بالحقيقة التي لا يريد رؤيتها. في سياق التهجير، صدرت مؤخّرا دعوات صريحة وواضحة من شخصيات سياسية إسرائيلية، تدعو إلى ترحيل البدو من النقب إلى سيناء المصرية، و»تسطيح» قراهم على نهج غزة وجنوب لبنان. هذه اللغة كانت قبل عقدين فقط تبدو متطرّفة جداً، وكانت تلقى انتقاداً حتى من المؤسسة الحاكمة نفسها لكنها باتت تجد مكاناً طبيعياً داخل النقاش السياسي والإعلامي الإسرائيلي. في الوقت نفسه يلاحظ وجود وعي في حالة تمدد على مستوى العالم لما يدور في فلسطين، وبدأت إسرائيل تفقد موقع الضحية الضعيفة المحاصرة بالمتخلفين لدى أوساط واسعة في أوروبا وفي معقل قوتها الأساسي أمريكا. أسهم في نشر هذا الوعي ناشطو التواصل الاجتماعي غير الخاضعين لجهات رسمية، وكأن الحقائق بدأت تنجلي بالذات بفضل التطرّف المفرط، الذي يضرب في كل اتجاه، وبغير الذكاء والخبث الذي امتازت به حكومات سابقة، كانت تتحدث بلغة «السلام والورد والحياة المشتركة»، وكما كان يقول شمعون بيرس «عِش وأعط غيرك ليعيش». لا يمكن الحديث عن العنصرية المتوحشة، من دون مقارنتها بأنظمة عنصرية وفاشية أخرى في العالم مثل نظام الفصل العنصري الآفل في جنوب افريقيا.
جنوب افريقيا لم تتحوّل إلى دولة معزولة عالمياً بين ليلة وضحاها، بل عبر تراكم طويل من التقارير والصور والمجازر والمقاطعات والاحتجاجات والضغط الأخلاقي العالمي. في البداية كان العالم يتحدث عن الوضع المعقّد، ثم بدأ يستخدم مصطلحات التمييز والفصل العنصري، إلى أن أصبح الدفاع عن النظام نفسه، عبئاً أخلاقياً وسياسياً، وهو ما تمضي إليه إسرائيل بتسارع كبير، بل إن حلفاءها التاريخيين صاروا يجدون حرجاً في الدفاع عن سياستها، أو في مواصلة عقد صفقات سلاح معها، ودعا البعض إلى مقاطعتها في مجالات مدنية وليس عسكرية فقط، كذلك هنالك دول أوروبية وأصوات قوية تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب في إسرائيل، واحترام محكمة الجنايات الدولية. صحيح أن هناك فروقاً تاريخية وسياسية بين الحالتين، وأن إسرائيل ما تزال تحظى بدعم غربي واسع، لكن فكرة العزل الأخلاقي بدأت تتسع بالفعل، خصوصاً داخل الجامعات والنقابات والحركات الشبابية الغربية، حيث لم تعد إسرائيل تُناقش باعتبارها مجرد دولة تخوض نزاعاً، بل باعتبارها نموذجاً لنظام سيطرة عنصري طويل الأمد على شعب آخر. لهذا تكتسب التحركات التضامنية مع غزة دلالة تتجاوز بعدها الإنساني المباشر، فالسفن التي حاولت الوصول إلى غزة لكسر الحصار، وما رافقها من اعتراض إسرائيلي واحتجاز لناشطين ومتضامنين، أعاد إلى الذاكرة العالمية صور المواجهة بين دولة تمتلك قوة عسكرية هائلة، وحركات مدنية عابرة للحدود تتحرك باسم الضمير الإنساني. والأهم أن منظمي أسطول الحرية وحملات الصمود مع غزة لا يتحدثون عن رحلة واحدة تنتهي، بل يعلنون إصرارهم على العودة مجدداً، وكأن المعركة تحوّلت إلى مواجهة رمزية وأخلاقية مفتوحة.
الدولة التي نجحت لعقود في تقديم نفسها باعتبارها ضحية محاطة بالأعداء، تواجه اليوم تحوّلا متزايداً في الرأي العام العالمي، وباتت قطاعات واسعة ترى الفلسطينيين شعباً يعيش تحت الحصار والاقتلاع والعنف المنظم، فيما تظهر إسرائيل بصورة قوة مهيمنة تستخدم التفوق العسكري لإعادة تشكيل الأرض والسكان، ومستغلة نفوذها في الولايات المتحدة لخدمة مشاريعها. الأنظمة لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريا، بل حين تتحول تدريجياً إلى عبء أخلاقي على العالم، وحين يبدأ حتى بعض أبنائها بالنظر إليها بقلق أمام المرآة. وربما لهذا تبدو التقارير التي تنشرها صحيفة إسرائيلية مثل «هآرتس» أكثر من مجرد تغطية صحافية، بل إشارات إلى خوف داخلي متزايد من الطريق الذي تمضي فيه إسرائيل، ومن الصورة البشعة التي صارت تتشكل لها في العالم، صورة تذكر كثيرين اليوم بجنوب افريقيا قبل سقوط نظام الفصل العنصري، مع فارق أن عالم اليوم يرى ما يجري على البث المباشر، وليس بحاجة لانتظار أشهر وسنوات كي يرى ما يجري على الأرض.

نيسان ـ نشر في 2026-05-07 الساعة 13:03


رأي: سهيل كيوان كاتب فلسطيني

الكلمات الأكثر بحثاً