المثقفون السوريون… شجاعة متأخرة وذاكرة مثقوبة
د. فيصل القاسم
إعلامي سوري
نيسان ـ نشر في 2026-05-09 الساعة 12:50
نيسان ـ أيها المثقفون السوريون، نعم كثير منكم يجب أن يخجل، لا خجلاً عابراً يُنسى، بل خجلاً وجودياً يطارد المرء كلما تكلم عن الأخلاق أو الدولة أو المتطرفين أو الوحشية أو المستقبل. أربعة عشر عاماً لم تكن حادثاً عابراً ولا زلة تاريخية. كانت اختباراً طويلاً ومكشوفاً، سقط فيه عدد كبير منكم سقوطاً مدوّياً. لم تفشلوا في التحليل فقط، بل فشلتم في أبسط امتحان إنساني: أن تقولوا «لا» حين كان قولها مكلفاً.
دعونا نكف عن الكذب على أنفسنا. الصمت الذي مارسه كثيرون منكم لم يكن حياداً، ولم يكن تعقّلاً، ولم يكن حرصاً على «سوريا». كان جبناً صافياً، أو مصلحة عارية، أو طائفية مموّهة بثقافة رخيصة. الحياد بين الجلاد والضحية ليس موقفاً أخلاقياً، بل انحياز مقنّع. ومن صمت وهو يرى السكاكين تُغرس في جسد البلد، لا يحق له اليوم أن يتقمص دور الحَكم والواعظ والساخط والمدافع عن الحقوق المدنية والمهاجم للدواعش والمتطرفين.
أنتم لم تكونوا تجهلون ما يحدث. هذا الادعاء إهانة للعقل. كل شيء كان مكشوفاً: القتل، التعذيب، الإخفاء القسري، تدمير المدن، الحصار حتى الموت، والتهجير الجماعي. تقارير دولية موثقة، شهادات لا تحصى، صور وفيديوهات هزّت العالم. لم يكن ينقصكم «الدليل»، بل كانت تنقصكم الشجاعة وغياب الحرية. الأمم المتحدة وثّقت، ومنظمات حقوق الإنسان صرخت، ومحاكم أوروبية بدأت بمحاكمات حقيقية لمجرمي النظام، بينما كنتم أنتم تكتبون عن الشعر، أو تتحدثون عن «تعقيدات المشهد»، أو تلوذون بالصمت النظيف ظاهرياً المتعفّن أخلاقياً في العمق، أو تؤلفون مسلسلات كوميدية خربانة.
ثم اليوم، فجأة، انطلقت حناجركم. فجأة صرتم حسّاسين تجاه الظلم. فجأة اكتشفتم مخاطر السلطة والتطرف، ومزالق الحكم، وضرورة النقد. لا مشكلة في النقد، بل المشكلة أن توقيته يفضحكم. فالنقد الذي يولد فقط عندما تتغير هوية الحاكم وتصبح الحرية متاحة، لا عندما تتغير طبيعة الظلم، هو نقد انتقائي، أخلاقيته مكسورة من الأساس.
والأقسى من الصمت، ذلك التواطؤ الناعم الذي مارسه بعضكم: تبرير الجريمة بحجج «الدولة»، وتخويف الناس من البديل، والتعامل مع الدم السوري كتكلفة جانبية للحفاظ على «الاستقرار». كم مرة سمعنا منكم أن النظام «سيئ لكن البديل أسوأ»؟ كم مرة استخدمتم الخوف كسلاح فكري لتبرير القتل؟ هذه ليست أخطاء تقدير، بل شراكة فكرية في الجريمة.
اليوم، عندما تهاجمون العهد الجديد، لا تفعلون ذلك انطلاقاً من مبدأ ثابت، بل من قلق إما طائفي أو حزبي عقائدي أو لأن الأشكال الجديدة لا تروق لعلمانجيتكم المزعومة، أو من خسارة نفوذ، أو من شعور بالتهديد. خطابكم ينزلق بسرعة إلى النبرة المذهبية، إلى التخوين الجماعي، إلى تصوير سوريا كملكية مكسورة لطائفة أو جماعة. هنا يسقط القناع نهائياً، ويتبيّن أن الثقافة التي تباهى بها البعض لم تكن سوى ديكور فوق عقل قَبَلي ضيق.
لنكن واضحين أكثر: المثقف الذي واجه نظام الأسد علناً، ودفع ثمن موقفه نفياً أو سجناً أو مطاردة، ثم ينتقد اليوم السلطة الجديدة، هذا شخص يمكن الاختلاف معه أو الاتفاق، لكن لا يمكن الطعن في حقه ولا في شرعيته الأخلاقية. أما المثقف الذي عاش طويلاً في كنف الصمت، أو على هامش النظام، أو تحت مظلته، ولم يرفع صوته حين كان الصمت تواطؤاً، ثم قرر اليوم أن يتقمص دور الثائر في زمن أقل دموية وأكثر انفتاحاً، فهو لا يمارس النقد بقدر ما يحاول تبييض ماضيه، والتعويض المتأخر عن شجاعة غابت حين كانت مطلوبة.
النقد الذي يولد فقط عندما تتغير هوية الحاكم وتصبح الحرية متاحة، لا عندما تتغير طبيعة الظلم، هو نقد انتقائي، أخلاقيته مكسورة
لقد عرفت بعض المثقفين المزعومين الذين كنا كلما نطلب منهم أن يدينوا ما يحدث في سوريا في زمن الأسد، كانوا يقولون إن كلامنا لا يقدم ولا يؤخر. لقد التزموا الصمت المطبق، لكنهم اليوم ما شاء الله تحولوا إلى أسود كاسرة وهم يهاجمون العهد الجديد ويدافعون عن ضحاياه.
المسألة ليست مقارنة أرقام ولا تبييض واقع. نعم، أي سلطة تُحاسَب، وأي حكومة تُنقَد، وأي خطأ يجب أن يُسمّى باسمه. لكن من لم يتحرك ضميره أمام مئات آلاف القتلى وملايين المهجّرين، لا يُصدَّق عندما يتحدث اليوم عن «الخوف على سوريا» أو يقيم الدنيا ولا يقعدها بسبب بعض المجازر. منظمة العفو الدولية وصفت ما جرى بأنه جرائم ضد الإنسانية، لا «تجاوزات»، ولا «أخطاء حرب». من حقكم أن تنتقدوا ارتكاب المجازر في العهد الجديد وتدينوها، لكن أين كانت ضمائركم عندما كان نظام بشار الأسد الهارب يقتل يومياً بالآلاف؟ لماذا أثاركم مقتل بضعة آلاف في الآونة الأخيرة ولم تتحرك ضمائركم عندما سقط أكثر من مليون سوري؟
المؤلم أن بعضكم لا يرى في سوريا وطناً لمواطنيه، بل ساحة صراع هويات. وحين تغيّرت موازين القوة، شعر بأن «سوريته» مهددة، لا لأن الحريات في خطر، بل لأن الامتيازات القديمة تبخّرت. هنا تحديداً يتعرّى مفهوم الثقافة عندكم: ثقافة بلا أخلاق، بلا التزام، بلا استعداد لدفع الثمن.
الثورات لا تُهزم فقط بالرصاص، بل أيضاً بالخيانة الفكرية. والمجتمع لا ينهض فقط بتغيير السلطة، بل بتطهير المجال العام من النفاق. والمثقف، إن لم يكن ضميراً نقدياً دائماً، يتحول إلى عبء. سوريا دفعت ثمناً هائلاً لأنها صدّقت نخباً لم تكن على مستوى اللحظة، نخباً بارعة في الشرح والمسلسلات الكوميدية الرخيصة، ضعيفة في الموقف، سريعة في التبرير، بطيئة في الغضب. ومنزوعة من الأخلاق.
إذا أردتم أن تُسمَع أصواتكم اليوم، فلا تبدأوا بالاتهام، بل بالاعتراف. اعترفوا أنكم أخطأتم حين صمتم. اعترفوا أنكم قدّمتم سلامة موقعكم على سلامة البلد. اعترفوا أنكم خذلتم الناس عندما كانوا بأمسّ الحاجة إلى كلمة حق. من دون هذا الاعتراف، كل ما تقولونه الآن ليس نقداً، بل ضجيجاً متأخراً ممزوجاً بأحقاد طائفية ضيقة، ومحاولة بائسة لإعادة التموضع.
وسوريا، بعد كل هذا الخراب، لم تعد تحتاج إلى مثقفين يتكلمون عندما يصبح الكلام آمناً، بل إلى ضمائر لا تصمت عندما يكون الصمت جريمة.
دعونا نكف عن الكذب على أنفسنا. الصمت الذي مارسه كثيرون منكم لم يكن حياداً، ولم يكن تعقّلاً، ولم يكن حرصاً على «سوريا». كان جبناً صافياً، أو مصلحة عارية، أو طائفية مموّهة بثقافة رخيصة. الحياد بين الجلاد والضحية ليس موقفاً أخلاقياً، بل انحياز مقنّع. ومن صمت وهو يرى السكاكين تُغرس في جسد البلد، لا يحق له اليوم أن يتقمص دور الحَكم والواعظ والساخط والمدافع عن الحقوق المدنية والمهاجم للدواعش والمتطرفين.
أنتم لم تكونوا تجهلون ما يحدث. هذا الادعاء إهانة للعقل. كل شيء كان مكشوفاً: القتل، التعذيب، الإخفاء القسري، تدمير المدن، الحصار حتى الموت، والتهجير الجماعي. تقارير دولية موثقة، شهادات لا تحصى، صور وفيديوهات هزّت العالم. لم يكن ينقصكم «الدليل»، بل كانت تنقصكم الشجاعة وغياب الحرية. الأمم المتحدة وثّقت، ومنظمات حقوق الإنسان صرخت، ومحاكم أوروبية بدأت بمحاكمات حقيقية لمجرمي النظام، بينما كنتم أنتم تكتبون عن الشعر، أو تتحدثون عن «تعقيدات المشهد»، أو تلوذون بالصمت النظيف ظاهرياً المتعفّن أخلاقياً في العمق، أو تؤلفون مسلسلات كوميدية خربانة.
ثم اليوم، فجأة، انطلقت حناجركم. فجأة صرتم حسّاسين تجاه الظلم. فجأة اكتشفتم مخاطر السلطة والتطرف، ومزالق الحكم، وضرورة النقد. لا مشكلة في النقد، بل المشكلة أن توقيته يفضحكم. فالنقد الذي يولد فقط عندما تتغير هوية الحاكم وتصبح الحرية متاحة، لا عندما تتغير طبيعة الظلم، هو نقد انتقائي، أخلاقيته مكسورة من الأساس.
والأقسى من الصمت، ذلك التواطؤ الناعم الذي مارسه بعضكم: تبرير الجريمة بحجج «الدولة»، وتخويف الناس من البديل، والتعامل مع الدم السوري كتكلفة جانبية للحفاظ على «الاستقرار». كم مرة سمعنا منكم أن النظام «سيئ لكن البديل أسوأ»؟ كم مرة استخدمتم الخوف كسلاح فكري لتبرير القتل؟ هذه ليست أخطاء تقدير، بل شراكة فكرية في الجريمة.
اليوم، عندما تهاجمون العهد الجديد، لا تفعلون ذلك انطلاقاً من مبدأ ثابت، بل من قلق إما طائفي أو حزبي عقائدي أو لأن الأشكال الجديدة لا تروق لعلمانجيتكم المزعومة، أو من خسارة نفوذ، أو من شعور بالتهديد. خطابكم ينزلق بسرعة إلى النبرة المذهبية، إلى التخوين الجماعي، إلى تصوير سوريا كملكية مكسورة لطائفة أو جماعة. هنا يسقط القناع نهائياً، ويتبيّن أن الثقافة التي تباهى بها البعض لم تكن سوى ديكور فوق عقل قَبَلي ضيق.
لنكن واضحين أكثر: المثقف الذي واجه نظام الأسد علناً، ودفع ثمن موقفه نفياً أو سجناً أو مطاردة، ثم ينتقد اليوم السلطة الجديدة، هذا شخص يمكن الاختلاف معه أو الاتفاق، لكن لا يمكن الطعن في حقه ولا في شرعيته الأخلاقية. أما المثقف الذي عاش طويلاً في كنف الصمت، أو على هامش النظام، أو تحت مظلته، ولم يرفع صوته حين كان الصمت تواطؤاً، ثم قرر اليوم أن يتقمص دور الثائر في زمن أقل دموية وأكثر انفتاحاً، فهو لا يمارس النقد بقدر ما يحاول تبييض ماضيه، والتعويض المتأخر عن شجاعة غابت حين كانت مطلوبة.
النقد الذي يولد فقط عندما تتغير هوية الحاكم وتصبح الحرية متاحة، لا عندما تتغير طبيعة الظلم، هو نقد انتقائي، أخلاقيته مكسورة
لقد عرفت بعض المثقفين المزعومين الذين كنا كلما نطلب منهم أن يدينوا ما يحدث في سوريا في زمن الأسد، كانوا يقولون إن كلامنا لا يقدم ولا يؤخر. لقد التزموا الصمت المطبق، لكنهم اليوم ما شاء الله تحولوا إلى أسود كاسرة وهم يهاجمون العهد الجديد ويدافعون عن ضحاياه.
المسألة ليست مقارنة أرقام ولا تبييض واقع. نعم، أي سلطة تُحاسَب، وأي حكومة تُنقَد، وأي خطأ يجب أن يُسمّى باسمه. لكن من لم يتحرك ضميره أمام مئات آلاف القتلى وملايين المهجّرين، لا يُصدَّق عندما يتحدث اليوم عن «الخوف على سوريا» أو يقيم الدنيا ولا يقعدها بسبب بعض المجازر. منظمة العفو الدولية وصفت ما جرى بأنه جرائم ضد الإنسانية، لا «تجاوزات»، ولا «أخطاء حرب». من حقكم أن تنتقدوا ارتكاب المجازر في العهد الجديد وتدينوها، لكن أين كانت ضمائركم عندما كان نظام بشار الأسد الهارب يقتل يومياً بالآلاف؟ لماذا أثاركم مقتل بضعة آلاف في الآونة الأخيرة ولم تتحرك ضمائركم عندما سقط أكثر من مليون سوري؟
المؤلم أن بعضكم لا يرى في سوريا وطناً لمواطنيه، بل ساحة صراع هويات. وحين تغيّرت موازين القوة، شعر بأن «سوريته» مهددة، لا لأن الحريات في خطر، بل لأن الامتيازات القديمة تبخّرت. هنا تحديداً يتعرّى مفهوم الثقافة عندكم: ثقافة بلا أخلاق، بلا التزام، بلا استعداد لدفع الثمن.
الثورات لا تُهزم فقط بالرصاص، بل أيضاً بالخيانة الفكرية. والمجتمع لا ينهض فقط بتغيير السلطة، بل بتطهير المجال العام من النفاق. والمثقف، إن لم يكن ضميراً نقدياً دائماً، يتحول إلى عبء. سوريا دفعت ثمناً هائلاً لأنها صدّقت نخباً لم تكن على مستوى اللحظة، نخباً بارعة في الشرح والمسلسلات الكوميدية الرخيصة، ضعيفة في الموقف، سريعة في التبرير، بطيئة في الغضب. ومنزوعة من الأخلاق.
إذا أردتم أن تُسمَع أصواتكم اليوم، فلا تبدأوا بالاتهام، بل بالاعتراف. اعترفوا أنكم أخطأتم حين صمتم. اعترفوا أنكم قدّمتم سلامة موقعكم على سلامة البلد. اعترفوا أنكم خذلتم الناس عندما كانوا بأمسّ الحاجة إلى كلمة حق. من دون هذا الاعتراف، كل ما تقولونه الآن ليس نقداً، بل ضجيجاً متأخراً ممزوجاً بأحقاد طائفية ضيقة، ومحاولة بائسة لإعادة التموضع.
وسوريا، بعد كل هذا الخراب، لم تعد تحتاج إلى مثقفين يتكلمون عندما يصبح الكلام آمناً، بل إلى ضمائر لا تصمت عندما يكون الصمت جريمة.
نيسان ـ نشر في 2026-05-09 الساعة 12:50
رأي: د. فيصل القاسم إعلامي سوري


