أزمات المخطوطات
أمير تاج السر
كاتب سوداني
نيسان ـ نشر في 2026-05-10 الساعة 12:56
نيسان ـ منذ بداية تعرفي على سكة الكتابة، وبدايات النشر، وتلازمني مشكلة كبيرة، وهي أن كثيرين ممن يكتبون يرسلون إلي بمخطوطاتهم، بحثا عن رأي آخر، أو طمعا في تصدير كتبهم للقراء، أو لمجرد التعارف.
في الماضي كانت هذه العملية تتم عبر البريد، أو عن طريق أصدقاء مشتركين، أو أثناء لقاء مصادفة في ممر في السوق، أو ندوة في معرض للكتاب. وكنت أحس بالخوف حين أتواجد في معارض الكتب، أخاف أن يسلمني أحد مخطوط رواية، وأكون ملزما بقراءته والرد، بالرغم من أنني لا أملك وقتا أصلا للقراءة المتعمقة لروايات مخطوطة، ولا تسعفني وظيفتي الصعبة في إيجاد فراغ قليل، أنفذ منه إلى موضوع بعيد عن المهنة. وبمرور الوقت وازدياد شراهة التكنولوجيا، وهيمنتها على كل شيء، أصبح العثور على واحد مثلي سهلا جدا. إنه في موقع للتواصل الاجتماعي، يحاول أن يتابع مجريات الأمور من خلاله، وهو أيضا قريب من الواتس آب الذي يكمن في هاتفه، ولا يمكن الهروب من ومضاته. وصراحة كنت كثيرا ما أجد إشراقات في هذه المخطوطات، وأدلي برأيي بلا مواربة، وأتذكر مخطوطاتي الشخصية حين كنت مبتدئا، وحاولت إرسالها لكتاب معروفين أثق في آرائهم، ولم يفدني أحد أبدا. وأظنني أدركت أن لا أحد منهم قرأ ما أرسلته، بسبب ضيق الوقت غالبا، وذلك الانشغال الذي يمنع تواصل الأجيال بالفعل.
وكانت ثمة حكايات عديدة، رافقت تسلمي لمخطوطات من أصحابها، ووعدي بقراءتها والرد، ولم أستطع أن أفعل. منها حكاية شاب كتب روايته الأولى وجاء بها إلي، لم يكن الرجل يعرفني ولا سمع بي كما أظن، وأرسله المحرر الثقافي في جريدة يومية، كنت أكتب فيها زواية أسبوعية، حين ذهب بمخطوطه إليه، وقد كان المحرر مجرد صحافي عادي يعمل في صفحة الثقافة، ويمكن أن يعمل في صفحات غيرها مثل المحليات والرياضة، والاقتصاد.
كان الوقت عصرا حين جاءني صاحب المخطوط. وكانت زيارته لي في مكان عملي، سجل اسمه في كشوفات المرضى، وانتظر دوره بصبر، وحين دخل لم يسلم، ولم يمد يده، جلس على الكرسي أمامي، وكان في يده ظرف أصفر كبير.
سألته عن سبب الزيارة، ظانا أنه من المرضى، وهنا نطق وكان صوته خافتا، مضطربا، وانتبهت إلى رعشة خفيفة في يده اليمني، قال أنا كاتب روائي، وهذه روايتي الأولى، أريدك أن تقرأها، وتدلي برأيك فيها، وسأكلمك بعد أسبوع، ثم نهض وانصرف من دون أي إضافة.
مؤكد نسيت مخطوط الرجل الذي وضعته في خزانتي، وكنت متعجبا من سلوكه، الذي لم أشاهده في كاتب من قبل. الكتاب الجدد في العادة يحبون الثرثرة عن كتابتهم، ويسعون للمعرفة وإنشاء العلاقات، وغالبا يصبحون أصدقاء في ما بعد.
بعد أسبوع جاءني صوت الرجل عبر الهاتف: هل قرأت الرواية؟
اعتذرت له، فأنا بالفعل نسيتها، ولم أعد إليها مرة أخرى.
بعد أسبوع: قرأت روايتي؟
لا لم أتذكرها، وفي ذلك المساء أخرجتها من مخبئها، حملتها إلى بيتي بنية تصفحها، ولم أتصفحها.
بعد أسبوع، ضغطت على جرس نداء المرضى، ودخل الكاتب النحيل المهتز، وجدته أمامي فجأة، لم يجلس ولم يسلم، واقترب مني كثيرا، أخرج من جيب سرواله جرابا من الجلد، فتحه وأخرج منه سكينا لامعة، قربها من عنقي، كانت لحظة اضطراب عنيفة، ولحظة خوف مؤكد، لأن واحدا مثل هذا يمكن أن يفعل أي شيء، في سبيل مخطوط لرواية لا يعرف أحد إن كانت تستحق عناء قتل أحد من أجلها أم لا؟
تلك الليلة قرأت روايته، وكانت لا بأس بها، عن بلد دكته الحرب وقتلت وشردت أبناءه، وألغت أي بصيص في أمل لمستقبل ما. قرأت كل ذلك في الليلة نفسها، وكتبت تقريرا مبهجا، لم يلتفت إلى كثير من العيوب، وردت في النص، سلمته للرجل حين جاءني في اليوم الثاني، قرأه أمامي وابتسم، ثم ذهب، ولم أره أو أسمع به مرة أخرى. أيضا لم أر ذلك النص منشورا في أي مكان. كان عذابا مرهقا لواحد مضطرب العقل، أراد أن يعرف إن كان كاتبا أم لا؟ بغض النظر إن كان ثمة كتابا منشورا، وقراء عديدين أم لا؟ والآن حين أستعيد تلك الحكاية، أحس بكثير من الغرابة، وأيضا الفضول لمعرفة ما حدث لتلك المخطوطة.
من الحكايات المترفة في غرابتها، أن جاءني واحد يحمل ظرفا كبيرا أيضا، متورما بالأوراق، كتب عليه عنوان فخم، شيء مثل: شتلات المحبة، وعرق الصخور. قال هذه روايتي الأولى أريد تقديما لها. قلت امهلني بعض الوقت، قال لا تحتاج إلى وقت، ركز في عنوان الرواية، واكتب تصديرك لها، ثم فتح الظرف، نثر أوراقه، وكانت خالية تماما، لا يوجد نص من أي نوع، فقط العنوان واسم المؤلف. سألته مستغربا: وأين النص؟
قال موجود عندي، هل تظنني أبله لأعطه لك حتى تقوم بسرقته؟
طبعا ابتسمت أولا، ثم انتبهت إلى اضطرابه هو الآخر، وضحت له إن هناك ثقة لا بد من وجودها بين الناس، وإلا لن تتم أمور كثيرة، أنت تريد مقدمة من عنوان وهذا لن يحدث أبدا، احضر النص وسنرى. لكن الرجل لم يحضر النص بالطبع، ولم أره أو أسمع به مرة أخرى. وكان من غرائب الأمور حين كنت أكتب رواية، قفز إلى ذهني روائي ظل عشرين عاما، يجلس يوميا فاتحا دفتره، يكتب رواية، لنكتشف في النهاية، أنه لم يكتب شيئا على الإطلاق غير العنوان، وبعض التصديرات من أبيات الشعر وأحاديث المتصوفة.
أردت بهاتين الحكايتين أن أنوه إلى خطورة أن تستظل بالكتابة، وتفقد عقلك من أجلها، لا شيء حقيقة يستدعي كل ذلك. فليس كل الناس كتابا أو شعراء أو سفراء أو ضباط شرطة، أو حتى حلاقين، كل عمل يقوم به بعض الناس، وقد يجيدونه، لكن لا أحد ينبغي أن يضيع بسبب كتابته لرواية أو قصيدة شعر.
في الماضي كانت هذه العملية تتم عبر البريد، أو عن طريق أصدقاء مشتركين، أو أثناء لقاء مصادفة في ممر في السوق، أو ندوة في معرض للكتاب. وكنت أحس بالخوف حين أتواجد في معارض الكتب، أخاف أن يسلمني أحد مخطوط رواية، وأكون ملزما بقراءته والرد، بالرغم من أنني لا أملك وقتا أصلا للقراءة المتعمقة لروايات مخطوطة، ولا تسعفني وظيفتي الصعبة في إيجاد فراغ قليل، أنفذ منه إلى موضوع بعيد عن المهنة. وبمرور الوقت وازدياد شراهة التكنولوجيا، وهيمنتها على كل شيء، أصبح العثور على واحد مثلي سهلا جدا. إنه في موقع للتواصل الاجتماعي، يحاول أن يتابع مجريات الأمور من خلاله، وهو أيضا قريب من الواتس آب الذي يكمن في هاتفه، ولا يمكن الهروب من ومضاته. وصراحة كنت كثيرا ما أجد إشراقات في هذه المخطوطات، وأدلي برأيي بلا مواربة، وأتذكر مخطوطاتي الشخصية حين كنت مبتدئا، وحاولت إرسالها لكتاب معروفين أثق في آرائهم، ولم يفدني أحد أبدا. وأظنني أدركت أن لا أحد منهم قرأ ما أرسلته، بسبب ضيق الوقت غالبا، وذلك الانشغال الذي يمنع تواصل الأجيال بالفعل.
وكانت ثمة حكايات عديدة، رافقت تسلمي لمخطوطات من أصحابها، ووعدي بقراءتها والرد، ولم أستطع أن أفعل. منها حكاية شاب كتب روايته الأولى وجاء بها إلي، لم يكن الرجل يعرفني ولا سمع بي كما أظن، وأرسله المحرر الثقافي في جريدة يومية، كنت أكتب فيها زواية أسبوعية، حين ذهب بمخطوطه إليه، وقد كان المحرر مجرد صحافي عادي يعمل في صفحة الثقافة، ويمكن أن يعمل في صفحات غيرها مثل المحليات والرياضة، والاقتصاد.
كان الوقت عصرا حين جاءني صاحب المخطوط. وكانت زيارته لي في مكان عملي، سجل اسمه في كشوفات المرضى، وانتظر دوره بصبر، وحين دخل لم يسلم، ولم يمد يده، جلس على الكرسي أمامي، وكان في يده ظرف أصفر كبير.
سألته عن سبب الزيارة، ظانا أنه من المرضى، وهنا نطق وكان صوته خافتا، مضطربا، وانتبهت إلى رعشة خفيفة في يده اليمني، قال أنا كاتب روائي، وهذه روايتي الأولى، أريدك أن تقرأها، وتدلي برأيك فيها، وسأكلمك بعد أسبوع، ثم نهض وانصرف من دون أي إضافة.
مؤكد نسيت مخطوط الرجل الذي وضعته في خزانتي، وكنت متعجبا من سلوكه، الذي لم أشاهده في كاتب من قبل. الكتاب الجدد في العادة يحبون الثرثرة عن كتابتهم، ويسعون للمعرفة وإنشاء العلاقات، وغالبا يصبحون أصدقاء في ما بعد.
بعد أسبوع جاءني صوت الرجل عبر الهاتف: هل قرأت الرواية؟
اعتذرت له، فأنا بالفعل نسيتها، ولم أعد إليها مرة أخرى.
بعد أسبوع: قرأت روايتي؟
لا لم أتذكرها، وفي ذلك المساء أخرجتها من مخبئها، حملتها إلى بيتي بنية تصفحها، ولم أتصفحها.
بعد أسبوع، ضغطت على جرس نداء المرضى، ودخل الكاتب النحيل المهتز، وجدته أمامي فجأة، لم يجلس ولم يسلم، واقترب مني كثيرا، أخرج من جيب سرواله جرابا من الجلد، فتحه وأخرج منه سكينا لامعة، قربها من عنقي، كانت لحظة اضطراب عنيفة، ولحظة خوف مؤكد، لأن واحدا مثل هذا يمكن أن يفعل أي شيء، في سبيل مخطوط لرواية لا يعرف أحد إن كانت تستحق عناء قتل أحد من أجلها أم لا؟
تلك الليلة قرأت روايته، وكانت لا بأس بها، عن بلد دكته الحرب وقتلت وشردت أبناءه، وألغت أي بصيص في أمل لمستقبل ما. قرأت كل ذلك في الليلة نفسها، وكتبت تقريرا مبهجا، لم يلتفت إلى كثير من العيوب، وردت في النص، سلمته للرجل حين جاءني في اليوم الثاني، قرأه أمامي وابتسم، ثم ذهب، ولم أره أو أسمع به مرة أخرى. أيضا لم أر ذلك النص منشورا في أي مكان. كان عذابا مرهقا لواحد مضطرب العقل، أراد أن يعرف إن كان كاتبا أم لا؟ بغض النظر إن كان ثمة كتابا منشورا، وقراء عديدين أم لا؟ والآن حين أستعيد تلك الحكاية، أحس بكثير من الغرابة، وأيضا الفضول لمعرفة ما حدث لتلك المخطوطة.
من الحكايات المترفة في غرابتها، أن جاءني واحد يحمل ظرفا كبيرا أيضا، متورما بالأوراق، كتب عليه عنوان فخم، شيء مثل: شتلات المحبة، وعرق الصخور. قال هذه روايتي الأولى أريد تقديما لها. قلت امهلني بعض الوقت، قال لا تحتاج إلى وقت، ركز في عنوان الرواية، واكتب تصديرك لها، ثم فتح الظرف، نثر أوراقه، وكانت خالية تماما، لا يوجد نص من أي نوع، فقط العنوان واسم المؤلف. سألته مستغربا: وأين النص؟
قال موجود عندي، هل تظنني أبله لأعطه لك حتى تقوم بسرقته؟
طبعا ابتسمت أولا، ثم انتبهت إلى اضطرابه هو الآخر، وضحت له إن هناك ثقة لا بد من وجودها بين الناس، وإلا لن تتم أمور كثيرة، أنت تريد مقدمة من عنوان وهذا لن يحدث أبدا، احضر النص وسنرى. لكن الرجل لم يحضر النص بالطبع، ولم أره أو أسمع به مرة أخرى. وكان من غرائب الأمور حين كنت أكتب رواية، قفز إلى ذهني روائي ظل عشرين عاما، يجلس يوميا فاتحا دفتره، يكتب رواية، لنكتشف في النهاية، أنه لم يكتب شيئا على الإطلاق غير العنوان، وبعض التصديرات من أبيات الشعر وأحاديث المتصوفة.
أردت بهاتين الحكايتين أن أنوه إلى خطورة أن تستظل بالكتابة، وتفقد عقلك من أجلها، لا شيء حقيقة يستدعي كل ذلك. فليس كل الناس كتابا أو شعراء أو سفراء أو ضباط شرطة، أو حتى حلاقين، كل عمل يقوم به بعض الناس، وقد يجيدونه، لكن لا أحد ينبغي أن يضيع بسبب كتابته لرواية أو قصيدة شعر.
نيسان ـ نشر في 2026-05-10 الساعة 12:56
رأي: أمير تاج السر كاتب سوداني


