استيطان ما بعد الموت: صهيونية نبش القبور
صبحي حديدي
كاتب عربي
نيسان ـ نشر في 2026-05-10 الساعة 12:58
نيسان ـ الخبر يقول إن قطعان المستوطنين نبشوا قبر مواطن فلسطين توفي مؤخراً عن 80 سنة ودُفن في محيط قرية العصاعصة جنوب جنين، على مرأى ومسمع جيش الاحتلال الإسرائيلي، بذريعة أنّ القبر قريب من مستوطنة صانور؛ مما أجبر أسرة الفقيد على نقل الرفات إلى قبر آخر.
وفي حدودها الدنيا، هذه فظاعة تتراوح بين جريمة حرب، وسعار مَرَضي جَمْعي، واعتلال وجودي، وانتهاك أخلاقي؛ وأمّا في حدودها الموصوفة، ذات الصلة بالزمان والمكان، فهي تعبير جديد صارخ، صفيق وسافر ومنحطّ، عن أحدث مستويات الهمجية في السياسات الاستيطانية الإسرائيلية.
صحيح أنّ تاريخ الانتهاكات الصهيونية في فلسطين التاريخية أدرج، ويواصل إدراج، هذه الفظاعة الموصوفة؛ التي حفظ لها التاريخ ملفات عنف ضدّ الموتى والجثامين القبور، ويمكن بالفعل أن تتسع أبعادها لتشمل سياسات بأسرها، استعمارية وإبادية واستيطانية وعنصرية في آن معاً.
صحيح، أيضاً، أنّ أيّ سجلّ موسوعي منصف، فكيف إذا كان عالي الموضوعية والجسارة، سوف يستعيد عشرات الأمثلة على نبش مقابر فلسطينية بأسرها، وليس قبراً أو اثنين أو ثلاثاً؛ كما في نموذج الضفة الغربية، حيث نُبشت نسبة تقارب 40% من مقابر الفلسطينية؛ أو قطاع غزّة، خاصة بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، حيث نُبشت أو جُرّفت 16 مقبرة على الأقلّ، بتوثيق من صحيفة «نيويورك تايمز» وقناة سي ان ان .
وصحيح، كذلك، أنّ هذا الطراز من الانتهاكات الإسرائيلية لم يقتصر على مقابر الفلسطينيين، بل شمل أيضاً مقبرة التفاح حيث قبور جنود الحلفاء قتلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، من جنسيات أسترالية وبريطانية. ليست أقلّ صحة حقيقة عمدت إلى توثيقها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ومفادها أنّ العشرات، إذا لم يكن المئات والآلاف، من الموتى الإسرائيليين يُدفنون في مقابر ذات أغلبية فلسطينية؛ سواء على سبيل التنمّر والاستفزاز والقمع المباشر، أو لاعتبارات استيطانية تفترض أنّ كلّ شبر من أرض فلسطين هو ملكية صهيونية خالصة.
وفي مدينة القدس، تخضع مقبرة مأمن الله إلى عمليات تجريف وتدنيس وتشييد منشآت سياحية وإقامة احتفالات دينية يهودية؛ فضلاً عن مشروع ضخم لإطلاق «متحف التسامح»، على مساحة 25 دونماً من أرضها. وهذه ليست مقبرة عادية، لأنها تجاور باب الخليل، ويعود تأسيسها إلى بدايات الفتح الإسلامي للمدينة في سنة 636 م، كما تضمّ العديد من الأضرحة ورفات الصحابة.
وقبل سنوات قليلة، في فلسطين الـ48 هذه المرة، توجّب خوض معركة ضارية مع سلطات الاحتلال لإجبار بلدية تل أبيب ــ يافا على وقف أعمال تجريف مقبرة الإسعاف؛ وكانت الجريمة سوف تتمّ استناداً إلى مصادرة الاحتلال أملاك «المجلس الإسلامي الأعلى» ابتداء من سنة 1952. في مدينة يافا ذاتها، صادر الاحتلال مساحات من مقبرة القشلة، التي تعود إلى فترات مملوكية؛ وكذلك مقبرة طاسو، التي بيعت بموجب عقود باطلة؛ ومقبرة الجماسين، التي جُرّفت لتوسيع حيّ يهودي؛ ومقبرة الشيخ مؤنس، التي بُني مسكن جامعي على أنقاضها.
والمؤرّخ والناقد السياسي الكاميروني آشيل إمبيبي نظّر، بتفصيل وتعمق وبحث ميداني، لسياسة انتهاك الأموات ونبش القبور؛ في جانب حاسم، بين جوانب أخرى متشابكة، هو ممارسة السيادة عن طريق تنويع الإفناء. ولا عجب أنه توقف عند العنصرية كمحرّك أساس لتلك السياسة، بالنظر إلى أن حياة الشخص الخاضع للتمييز العنصري تستوجب، على نحو منتظم، سلسلة من الإقصاءات، في الحياة كما في الموت.
ولأنّ مستوطنة صانور هي ذاتها التي انسحب منها أرييل شارون مرغماً في سنة 2005، وعاد إليها بتسلئيل سموترش متفاخراً في سنة 2026؛ فإنّ نبش قبور قرية العصاعصة الفلسطينية ليس أقلّ من استئناف لهذا الطراز المحدد من صهيونية معاصرة: استيطان ما بعد الموت!
وفي حدودها الدنيا، هذه فظاعة تتراوح بين جريمة حرب، وسعار مَرَضي جَمْعي، واعتلال وجودي، وانتهاك أخلاقي؛ وأمّا في حدودها الموصوفة، ذات الصلة بالزمان والمكان، فهي تعبير جديد صارخ، صفيق وسافر ومنحطّ، عن أحدث مستويات الهمجية في السياسات الاستيطانية الإسرائيلية.
صحيح أنّ تاريخ الانتهاكات الصهيونية في فلسطين التاريخية أدرج، ويواصل إدراج، هذه الفظاعة الموصوفة؛ التي حفظ لها التاريخ ملفات عنف ضدّ الموتى والجثامين القبور، ويمكن بالفعل أن تتسع أبعادها لتشمل سياسات بأسرها، استعمارية وإبادية واستيطانية وعنصرية في آن معاً.
صحيح، أيضاً، أنّ أيّ سجلّ موسوعي منصف، فكيف إذا كان عالي الموضوعية والجسارة، سوف يستعيد عشرات الأمثلة على نبش مقابر فلسطينية بأسرها، وليس قبراً أو اثنين أو ثلاثاً؛ كما في نموذج الضفة الغربية، حيث نُبشت نسبة تقارب 40% من مقابر الفلسطينية؛ أو قطاع غزّة، خاصة بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، حيث نُبشت أو جُرّفت 16 مقبرة على الأقلّ، بتوثيق من صحيفة «نيويورك تايمز» وقناة سي ان ان .
وصحيح، كذلك، أنّ هذا الطراز من الانتهاكات الإسرائيلية لم يقتصر على مقابر الفلسطينيين، بل شمل أيضاً مقبرة التفاح حيث قبور جنود الحلفاء قتلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، من جنسيات أسترالية وبريطانية. ليست أقلّ صحة حقيقة عمدت إلى توثيقها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ومفادها أنّ العشرات، إذا لم يكن المئات والآلاف، من الموتى الإسرائيليين يُدفنون في مقابر ذات أغلبية فلسطينية؛ سواء على سبيل التنمّر والاستفزاز والقمع المباشر، أو لاعتبارات استيطانية تفترض أنّ كلّ شبر من أرض فلسطين هو ملكية صهيونية خالصة.
وفي مدينة القدس، تخضع مقبرة مأمن الله إلى عمليات تجريف وتدنيس وتشييد منشآت سياحية وإقامة احتفالات دينية يهودية؛ فضلاً عن مشروع ضخم لإطلاق «متحف التسامح»، على مساحة 25 دونماً من أرضها. وهذه ليست مقبرة عادية، لأنها تجاور باب الخليل، ويعود تأسيسها إلى بدايات الفتح الإسلامي للمدينة في سنة 636 م، كما تضمّ العديد من الأضرحة ورفات الصحابة.
وقبل سنوات قليلة، في فلسطين الـ48 هذه المرة، توجّب خوض معركة ضارية مع سلطات الاحتلال لإجبار بلدية تل أبيب ــ يافا على وقف أعمال تجريف مقبرة الإسعاف؛ وكانت الجريمة سوف تتمّ استناداً إلى مصادرة الاحتلال أملاك «المجلس الإسلامي الأعلى» ابتداء من سنة 1952. في مدينة يافا ذاتها، صادر الاحتلال مساحات من مقبرة القشلة، التي تعود إلى فترات مملوكية؛ وكذلك مقبرة طاسو، التي بيعت بموجب عقود باطلة؛ ومقبرة الجماسين، التي جُرّفت لتوسيع حيّ يهودي؛ ومقبرة الشيخ مؤنس، التي بُني مسكن جامعي على أنقاضها.
والمؤرّخ والناقد السياسي الكاميروني آشيل إمبيبي نظّر، بتفصيل وتعمق وبحث ميداني، لسياسة انتهاك الأموات ونبش القبور؛ في جانب حاسم، بين جوانب أخرى متشابكة، هو ممارسة السيادة عن طريق تنويع الإفناء. ولا عجب أنه توقف عند العنصرية كمحرّك أساس لتلك السياسة، بالنظر إلى أن حياة الشخص الخاضع للتمييز العنصري تستوجب، على نحو منتظم، سلسلة من الإقصاءات، في الحياة كما في الموت.
ولأنّ مستوطنة صانور هي ذاتها التي انسحب منها أرييل شارون مرغماً في سنة 2005، وعاد إليها بتسلئيل سموترش متفاخراً في سنة 2026؛ فإنّ نبش قبور قرية العصاعصة الفلسطينية ليس أقلّ من استئناف لهذا الطراز المحدد من صهيونية معاصرة: استيطان ما بعد الموت!
نيسان ـ نشر في 2026-05-10 الساعة 12:58
رأي: صبحي حديدي كاتب عربي


