جوليانا سبار: شعر يقارع الترامبية
صبحي حديدي
كاتب عربي
نيسان ـ نشر في 2026-05-11 الساعة 12:39
نيسان ـ أياً كانت المظانّ التي تطعن في مصداقية جوائز بولتزر الأمريكية، أو المحاسن التي تمنحها فضيلة الشكّ لصالح الجدارة؛ فإنّ لائحة الإصدارات الجديدة التي تتوّج في كلّ عام توفّر بضع مؤشرات دالة، لأنها ببساطة تعكس الكثير من المعطيات السياسية والثقافية والاقتصادية والمهنية (في قطاع النشر تحديداً). وثمة، استطراداً، مشهد يتكامل سنوياً حول ما يُنصح الأمريكي (والقارئ الكوني؟) بقراءته؛ أو ما يُكرّم، من جانب لجان التحكيم على الأقلّ؛ في فئات القصصي، وغير القصصي، والمذكرات، والسيرة الذاتية، والشعر، والسيرة، والتاريخ.
وهذه سطور تبتهج، على نحو خاصّ واستثنائي، لأنّ جائزة الشعر ذهبت هذه السنة إلى الشاعرة الأمريكية جوليانا سبار Spahr، عن مجموعتها الشعرية «فنّ الشعر»، التي تستوحي العنوان الشهير Ars Poetica من الشاعر والناقد الأدبي الإيطالي هوراس (65 ــ 8 ق. م.). وليس هنا المقام المناسب لتعريف بالشاعرة يُدرج مقادير الحدود الدنيا من خصوصياتها في قلب المشهد الشعري الأمريكي الراهن عموماً؛ وذاك الذي لا يخصّ الشاعرات النساء فقط، بل اللواتي يعبّرنَ خصوصاً عن هواجس الشعريات النسوية وإشكاليات تعبير المرأة في معترك (لأنه هكذا في ناظرهنّ!) العلاقة بين الشعر والسياسة.
وأن تفوز سبار بالجائزة، عن هذه المجموعة تحديداً، في هذا الزمن الأمريكي (الواقع تحت نير دونالد ترامب، في كثير وليس في قليل)، أمر فارق وحمّال مستويات متراكبة من المغزى؛ معظمها إيجابي، لأنه بادئ ذي بدء يطمئن قارئ الشعر حول محدودية الأذى الذي يمكن أن تُلحقه الترامبية بهذا الفنّ النبيل، كما ينتصر، تالياً، إلى نهجّ في التفكير حول الشعر لا ينأى به عن عناصر الضرورة في السياسة والتسييس. وقد يصحّ، عند هذه النقطة، التشديد على أنّ لائحة الفائزين بالجائزة تضمّ أسماء كبيرة، أمثال بول مولدون، و. س. مروين، مارك ستراند، شارلزرايت، يوسف كومنياكا، لويز غلوك، شارلز سيميك، ريتا دوف، غالاوي كينيل، ش. ك. وليامز، وسواهم؛ الأمر الذي يتوجب أن يشكل فارقاً نوعياً لصالح شعرية سبار، وشخصيتها الثقافية والنقدية والسياسية أيضاً.
والشاعرة لا تتردد في إطلاق صفة «أزمنة الظلام» على العصر الأمريكي الراهن، ولا عجب استطراداً أنّ مجموعتها الشعرية الفائزة، كما هي الحال في معظم مجموعاتها السابقة، محشوّة حرفياً بالسياسة؛ حيث لا تكترث سبار كثيراً بتصنيفات تلك السياسة، بين يومية وقائعية أو عابرة للأزمنة والسياقات والفضاءات، وداخلية نفسية تخصّ الوجود الفردي أو خارجية عمومية تشمل البشر والمحيط والإنسانية. وفي مقالة فارقة، لأنها كُتبت في أزمنة الظلمة داكنة السود هذه، بعنوان «الشعر في زمن الأزمة»؛ تحثّ سبار على كتابة مزيد من القصائد ذات الصلة بهذه «اللحظات الشاقة» بهدف «تلمّس الصعوبة» و»التطلّع إلى ما هو خارج الداخل».
وكان لافتاً على نحو خاص، وذاك أحد أسباب ابتهاج هذه السطور بفوز سبار، أنّ حيثيات لجنة التحكيم تقصدت عدم التعامي (وكان في وسعها أن تفعل، مجاراة لتقاليد أمريكية راسخة) عن روابط عميقة تشدد عليها مجموعة «فنّ الشعر» بين الاستبداد والانعتاق، الطبيعة والبيئة والتخريب الرأسمالي، الإمبريالية والعسكرة، صعود التيارات الشعبوية وأنماط المقاومة اللازمة… باختصار، على ذمّة سبار نفسها: هذا شعر يتوجب أن يشقّ دروبه في غابة من الأسئلة الشائكة، فيبحث عن دور أو حتى طراز من «التواطؤ» حول دوره الاجتماعي والجمالي في آن معاً.
وليس تفصيلاً عابراً أنّ الموقع الرسمي لجوائز بولتزر ينشر هذه الفقرات من استهلال مادة فوز سبار: «خلال زمن يمين متطرف تتزايد قوّته باضطراد، وكان أيضاً زمن تسارع انقراض الأنواع، كانت جوليانا سبار تعكف على قراءة بريخت. كانت تبحث عن إجابة على سؤال بريخت حول أزمنة الظلام، وما إذا كان الغناء متوفراً أيضاً خلال أزمنة الظلام. الإجابة التي قدّمها بريخت كانت نعم، وأنّ الشعراء يمكن أن يغنوا في أزمنة الظلام. وفي مجموعتها السادسة، «فنّ الشعر»، لا تغنّي سبار في أزمنة الظلام فقط، بل تشدو بالكورال وأغنية التحرر وحبّ الرفاق. إنها لا تكتفي بالكتابة عن التاريخ الغني لما فعلته السياسة بالشعر والعكس، بل عن مزيد يمكن أن يفعلاه معاً».
وإذ تميل هذه السطور إلى تفضيل مجموعتها «ذلك الشتاء حين أتى الذئب»، 2015، بالنظر إلى الأقاصي العالية التي سعت إلى ارتيادها في ربط القصيدة بمعضلات الواقع ومآسي الوجود؛ فإنّ مجموعاتها الأخرى، على غرار «نووي» و»هذا الرباط للكلّ مع الرئات» و»استجابة» ليست أقلّ انخراطاً في تلك الهواجس، حول الإقامة على الأرض كما الترحال فيها عبر القصيدة. ميولها التجريبية الطاغية لا تتوقف عند التبصّر الواعي في تحميل اللغة بطاقات إيحائية عابرة للمألوف، أو بالأحرى مُثرية لما تألفه الدلالة؛ بل تذهب أبعد إلى ما يشبه جرّ قارئها إلى ملاعبة المعنى والشكل معاً، وبعثرة السطور أو ضغطها، وتسخير علامات الوقف لصالح معمار تعبيري مفاجئ بقدر ما هو صانع للاستجابة.
ويبقى أنّ إهاب الشاعرة عند سبار لم يطمس شخصية الناقدة الأدبية والأكاديمية، وكتابها «برقية دي بويس: المقاومة الأدبية واحتواء الدولة»، 2018، مدماك نوعي في الاستئناف النظري لكثير مما عكفت القصائد على التبشير به، خاصة مقارعة الترامبية وضروبها.
وهذه سطور تبتهج، على نحو خاصّ واستثنائي، لأنّ جائزة الشعر ذهبت هذه السنة إلى الشاعرة الأمريكية جوليانا سبار Spahr، عن مجموعتها الشعرية «فنّ الشعر»، التي تستوحي العنوان الشهير Ars Poetica من الشاعر والناقد الأدبي الإيطالي هوراس (65 ــ 8 ق. م.). وليس هنا المقام المناسب لتعريف بالشاعرة يُدرج مقادير الحدود الدنيا من خصوصياتها في قلب المشهد الشعري الأمريكي الراهن عموماً؛ وذاك الذي لا يخصّ الشاعرات النساء فقط، بل اللواتي يعبّرنَ خصوصاً عن هواجس الشعريات النسوية وإشكاليات تعبير المرأة في معترك (لأنه هكذا في ناظرهنّ!) العلاقة بين الشعر والسياسة.
وأن تفوز سبار بالجائزة، عن هذه المجموعة تحديداً، في هذا الزمن الأمريكي (الواقع تحت نير دونالد ترامب، في كثير وليس في قليل)، أمر فارق وحمّال مستويات متراكبة من المغزى؛ معظمها إيجابي، لأنه بادئ ذي بدء يطمئن قارئ الشعر حول محدودية الأذى الذي يمكن أن تُلحقه الترامبية بهذا الفنّ النبيل، كما ينتصر، تالياً، إلى نهجّ في التفكير حول الشعر لا ينأى به عن عناصر الضرورة في السياسة والتسييس. وقد يصحّ، عند هذه النقطة، التشديد على أنّ لائحة الفائزين بالجائزة تضمّ أسماء كبيرة، أمثال بول مولدون، و. س. مروين، مارك ستراند، شارلزرايت، يوسف كومنياكا، لويز غلوك، شارلز سيميك، ريتا دوف، غالاوي كينيل، ش. ك. وليامز، وسواهم؛ الأمر الذي يتوجب أن يشكل فارقاً نوعياً لصالح شعرية سبار، وشخصيتها الثقافية والنقدية والسياسية أيضاً.
والشاعرة لا تتردد في إطلاق صفة «أزمنة الظلام» على العصر الأمريكي الراهن، ولا عجب استطراداً أنّ مجموعتها الشعرية الفائزة، كما هي الحال في معظم مجموعاتها السابقة، محشوّة حرفياً بالسياسة؛ حيث لا تكترث سبار كثيراً بتصنيفات تلك السياسة، بين يومية وقائعية أو عابرة للأزمنة والسياقات والفضاءات، وداخلية نفسية تخصّ الوجود الفردي أو خارجية عمومية تشمل البشر والمحيط والإنسانية. وفي مقالة فارقة، لأنها كُتبت في أزمنة الظلمة داكنة السود هذه، بعنوان «الشعر في زمن الأزمة»؛ تحثّ سبار على كتابة مزيد من القصائد ذات الصلة بهذه «اللحظات الشاقة» بهدف «تلمّس الصعوبة» و»التطلّع إلى ما هو خارج الداخل».
وكان لافتاً على نحو خاص، وذاك أحد أسباب ابتهاج هذه السطور بفوز سبار، أنّ حيثيات لجنة التحكيم تقصدت عدم التعامي (وكان في وسعها أن تفعل، مجاراة لتقاليد أمريكية راسخة) عن روابط عميقة تشدد عليها مجموعة «فنّ الشعر» بين الاستبداد والانعتاق، الطبيعة والبيئة والتخريب الرأسمالي، الإمبريالية والعسكرة، صعود التيارات الشعبوية وأنماط المقاومة اللازمة… باختصار، على ذمّة سبار نفسها: هذا شعر يتوجب أن يشقّ دروبه في غابة من الأسئلة الشائكة، فيبحث عن دور أو حتى طراز من «التواطؤ» حول دوره الاجتماعي والجمالي في آن معاً.
وليس تفصيلاً عابراً أنّ الموقع الرسمي لجوائز بولتزر ينشر هذه الفقرات من استهلال مادة فوز سبار: «خلال زمن يمين متطرف تتزايد قوّته باضطراد، وكان أيضاً زمن تسارع انقراض الأنواع، كانت جوليانا سبار تعكف على قراءة بريخت. كانت تبحث عن إجابة على سؤال بريخت حول أزمنة الظلام، وما إذا كان الغناء متوفراً أيضاً خلال أزمنة الظلام. الإجابة التي قدّمها بريخت كانت نعم، وأنّ الشعراء يمكن أن يغنوا في أزمنة الظلام. وفي مجموعتها السادسة، «فنّ الشعر»، لا تغنّي سبار في أزمنة الظلام فقط، بل تشدو بالكورال وأغنية التحرر وحبّ الرفاق. إنها لا تكتفي بالكتابة عن التاريخ الغني لما فعلته السياسة بالشعر والعكس، بل عن مزيد يمكن أن يفعلاه معاً».
وإذ تميل هذه السطور إلى تفضيل مجموعتها «ذلك الشتاء حين أتى الذئب»، 2015، بالنظر إلى الأقاصي العالية التي سعت إلى ارتيادها في ربط القصيدة بمعضلات الواقع ومآسي الوجود؛ فإنّ مجموعاتها الأخرى، على غرار «نووي» و»هذا الرباط للكلّ مع الرئات» و»استجابة» ليست أقلّ انخراطاً في تلك الهواجس، حول الإقامة على الأرض كما الترحال فيها عبر القصيدة. ميولها التجريبية الطاغية لا تتوقف عند التبصّر الواعي في تحميل اللغة بطاقات إيحائية عابرة للمألوف، أو بالأحرى مُثرية لما تألفه الدلالة؛ بل تذهب أبعد إلى ما يشبه جرّ قارئها إلى ملاعبة المعنى والشكل معاً، وبعثرة السطور أو ضغطها، وتسخير علامات الوقف لصالح معمار تعبيري مفاجئ بقدر ما هو صانع للاستجابة.
ويبقى أنّ إهاب الشاعرة عند سبار لم يطمس شخصية الناقدة الأدبية والأكاديمية، وكتابها «برقية دي بويس: المقاومة الأدبية واحتواء الدولة»، 2018، مدماك نوعي في الاستئناف النظري لكثير مما عكفت القصائد على التبشير به، خاصة مقارعة الترامبية وضروبها.
نيسان ـ نشر في 2026-05-11 الساعة 12:39
رأي: صبحي حديدي كاتب عربي


