الصفحة الواحدة
نيسان ـ نشر في 2026-05-11 الساعة 12:40
نيسان ـ سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ منصفا- الإمام الشافعي.
في الأخبار، تتفاوض الولايات المتحدة وإيران على مذكرة تفاهم من صفحة واحدة، تضم أربعة عشر بنداً لإنهاء الحرب، من بينها إعادة فتح مضيق هرمز، وتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين خمس وعشرين سنة، ورفع العقوبات، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية. ويقول ترامب إن الاتفاق قد يُبرم خلال أسبوع، فيما تصف طهران عدداً من بنوده بأنها «غير مقبولة».
وفي الأثناء، أطلقت البحرية الأمريكية النار على دفة ناقلة نفط إيرانية في خليج عُمان لفرض الحصار، بينما لا تزال نحو 1600 سفينة عالقة قرب مضيق هرمز. وحذّر ترامب من أنه إذا لم توافق إيران على الاتفاق، فإن القصف سيُستأنف «بمستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من قبل». غير أنّ إيران، كالعروس التي تتدلّل، لم تُعطِ ردّها حتى لحظة كتابة المقال.
أما الحدث الذي لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام، فهو زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين، ولقاؤه بنظيره الصيني وانغ يي، الذي أعقبه تصريح مقتضب قال فيه: «إيران تثق بالصين وتتوقع منها دوراً فاعلاً في تعزيز السلام». وربما تختصر هذه الجملة وحدها المشهد بأكمله.
فكل جبهة تفتحها الولايات المتحدة يكون هدفها النهائي الصين؛ فاستنزاف روسيا، واختطاف رئيس فنزويلا، واستهداف إيران، كلها تصب في إطار السعي إلى محاصرة الصين. ولا يمكن النظر إلى هذه الحروب بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها أجزاء من استراتيجية واحدة تهدف إلى تفكيك المحور المقابل للولايات المتحدة لاضعاف ومحاصرة الصين.
إذن، ما الذي يجري حقاً على طاولة هذه المفاوضات؟ ترامب لا يتفاوض مع إيران من أجل السلام، بل يختبر مدى استعداد طهران للابتعاد عن الصين مقابل إنهاء الحرب. فإذا قبلت إيران، فإنها تُضعف آخر حليف عظيم تتكئ عليه. أما إذا رفضت، فستعود القنابل، وسيزداد النظام الإيراني إنهاكاً وضعفاً، فيما تخسر الصين أحد حلفائها المهمين. وفي الحالتين، تتحقق الغاية الاستراتيجية ذاتها: تقليص شبكة نفوذ بكين واستنزافها تدريجياً.
لكن تبقى هناك معضلة هيكلية أساسية: فالضغط الاقتصادي والقصف، بمفردهما، لا يكفيان لإسقاط الأنظمة. كوريا الشمالية ما تزال صامدة، وكوبا ما تزال صامدة، وحتى النظام السوري نجا لعقود من العزلة والعقوبات قبل أن تسقطه عوامل وآليات أخرى. ولهذا، ما لم يحدث تصدع داخلي حقيقي، داخل الحرس الثوري، أو داخل الأجهزة الأمنية، أو في التوازنات الفصائلية التي حافظت على تماسك طهران منذ وفاة خامنئي، فإن هذه النظرية ستبقى مجرد حبر على ورق.
لذلك، وبرأيي، فإن الخلاصة الأهم تكمن في زيارة عراقجي إلى بكين، رغم أنها كانت الحدث الأقل حظاً من التغطية الإعلامية. فهذه الزيارة تكشف أن حسابات طهران الحقيقية لا تتمحور حول نسب التخصيب أو رسوم عبور مضيق هرمز، بقدر ما تتعلق بالسؤال الأعمق: أين تقف الصين مما يجري؟ وهل ستواصل دعم إيران؟ وفي المقابل، كانت بكين بدورها تحاول استشراف ما إذا كانت إيران ستبقى ضمن معسكرها الاستراتيجي، أم أنها تستعد للقفز إلى المركب الأمريكي.
المسرحية الحقيقية ليست في المذكرة نفسها؛ فحرب بحجم الحرب على إيران لا تُحسم بورقة من صفحة واحدة، مليئة بالنقاط الغامضة التي يرفضها الطرفان علناً. هناك عوامل أعمق بكثير هي التي ستحدد مصير هذه الورقة ومسار الحرب بأكمله: طبيعة العلاقة بين الصين وإيران، وحدود الدور الذي ستختار بكين أن تلعبه في هذا الصراع، ثم قدرة إيران نفسها على الصمود. أما ما تبقى، فليس سوى تفاصيل.
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ منصفا- الإمام الشافعي.
في الأخبار، تتفاوض الولايات المتحدة وإيران على مذكرة تفاهم من صفحة واحدة، تضم أربعة عشر بنداً لإنهاء الحرب، من بينها إعادة فتح مضيق هرمز، وتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين خمس وعشرين سنة، ورفع العقوبات، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية. ويقول ترامب إن الاتفاق قد يُبرم خلال أسبوع، فيما تصف طهران عدداً من بنوده بأنها «غير مقبولة».
وفي الأثناء، أطلقت البحرية الأمريكية النار على دفة ناقلة نفط إيرانية في خليج عُمان لفرض الحصار، بينما لا تزال نحو 1600 سفينة عالقة قرب مضيق هرمز. وحذّر ترامب من أنه إذا لم توافق إيران على الاتفاق، فإن القصف سيُستأنف «بمستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من قبل». غير أنّ إيران، كالعروس التي تتدلّل، لم تُعطِ ردّها حتى لحظة كتابة المقال.
أما الحدث الذي لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام، فهو زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين، ولقاؤه بنظيره الصيني وانغ يي، الذي أعقبه تصريح مقتضب قال فيه: «إيران تثق بالصين وتتوقع منها دوراً فاعلاً في تعزيز السلام». وربما تختصر هذه الجملة وحدها المشهد بأكمله.
فكل جبهة تفتحها الولايات المتحدة يكون هدفها النهائي الصين؛ فاستنزاف روسيا، واختطاف رئيس فنزويلا، واستهداف إيران، كلها تصب في إطار السعي إلى محاصرة الصين. ولا يمكن النظر إلى هذه الحروب بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها أجزاء من استراتيجية واحدة تهدف إلى تفكيك المحور المقابل للولايات المتحدة لاضعاف ومحاصرة الصين.
إذن، ما الذي يجري حقاً على طاولة هذه المفاوضات؟ ترامب لا يتفاوض مع إيران من أجل السلام، بل يختبر مدى استعداد طهران للابتعاد عن الصين مقابل إنهاء الحرب. فإذا قبلت إيران، فإنها تُضعف آخر حليف عظيم تتكئ عليه. أما إذا رفضت، فستعود القنابل، وسيزداد النظام الإيراني إنهاكاً وضعفاً، فيما تخسر الصين أحد حلفائها المهمين. وفي الحالتين، تتحقق الغاية الاستراتيجية ذاتها: تقليص شبكة نفوذ بكين واستنزافها تدريجياً.
لكن تبقى هناك معضلة هيكلية أساسية: فالضغط الاقتصادي والقصف، بمفردهما، لا يكفيان لإسقاط الأنظمة. كوريا الشمالية ما تزال صامدة، وكوبا ما تزال صامدة، وحتى النظام السوري نجا لعقود من العزلة والعقوبات قبل أن تسقطه عوامل وآليات أخرى. ولهذا، ما لم يحدث تصدع داخلي حقيقي، داخل الحرس الثوري، أو داخل الأجهزة الأمنية، أو في التوازنات الفصائلية التي حافظت على تماسك طهران منذ وفاة خامنئي، فإن هذه النظرية ستبقى مجرد حبر على ورق.
لذلك، وبرأيي، فإن الخلاصة الأهم تكمن في زيارة عراقجي إلى بكين، رغم أنها كانت الحدث الأقل حظاً من التغطية الإعلامية. فهذه الزيارة تكشف أن حسابات طهران الحقيقية لا تتمحور حول نسب التخصيب أو رسوم عبور مضيق هرمز، بقدر ما تتعلق بالسؤال الأعمق: أين تقف الصين مما يجري؟ وهل ستواصل دعم إيران؟ وفي المقابل، كانت بكين بدورها تحاول استشراف ما إذا كانت إيران ستبقى ضمن معسكرها الاستراتيجي، أم أنها تستعد للقفز إلى المركب الأمريكي.
المسرحية الحقيقية ليست في المذكرة نفسها؛ فحرب بحجم الحرب على إيران لا تُحسم بورقة من صفحة واحدة، مليئة بالنقاط الغامضة التي يرفضها الطرفان علناً. هناك عوامل أعمق بكثير هي التي ستحدد مصير هذه الورقة ومسار الحرب بأكمله: طبيعة العلاقة بين الصين وإيران، وحدود الدور الذي ستختار بكين أن تلعبه في هذا الصراع، ثم قدرة إيران نفسها على الصمود. أما ما تبقى، فليس سوى تفاصيل.
نيسان ـ نشر في 2026-05-11 الساعة 12:40
رأي: اسماعيل الشريف


