اتصل بنا
 

الغرب يخطب ود تركيا عسكريا… ماذا عن العرب؟

نيسان ـ نشر في 2026-05-12 الساعة 12:08

نيسان ـ من نتائج الشرخ الحاصل بين أوروبا والولايات المتحدة هو رهان الأوروبيين على شركاء في المجال العسكري، حيث أصبحوا يخطبون ود تركيا، بسبب جيشها الكبير وأساسا صناعتها الحربية، التي أصبحت مدهشة خلال العقد الأخير. وهذا يجر إلى سؤال عريض وشائك: هل سيحذو العرب حذو الأورالغرب يخطب ود تركيا عسكريا… ماذا عن العرب؟
من نتائج الشرخ الحاصل بين أوروبا والولايات المتحدة هو رهان الأوروبيين على شركاء في المجال العسكري، حيث أصبحوا يخطبون ود تركيا، بسبب جيشها الكبير وأساسا صناعتها الحربية، التي أصبحت مدهشة خلال العقد الأخير. وهذا يجر إلى سؤال عريض وشائك: هل سيحذو العرب حذو الأوروبيين في الرهان على الأتراك.
وعودة إلى الوراء عشرين سنة، سنجد كيف كانت تركيا بمثابة العضو الذي يلفظه الجسم الأوروبي، فقد أرادت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها وجدت معارضة قوية من طرف بعض الدول، خاصة من طرف فرنسا خلال فترة رئاسة نيكولا ساركوزي، فرنسا اللائكية، التي رفع بعض سياسييها الدين المسيحي لتبرير رفض الأتراك، لأنهم يعتنقون الديانة الإسلامية.
الغرب يراهن على تركيا، على الرغم من اختلاف ثقافتها وديانتها، في حين يبقى العالم العربي، خاصة الشرق الأوسط ينظر إلى هذا البلد بنظرة التخوف والتوجس
ودائما تحمل العلاقات الدولية الكثير من المفاجآت بسبب التغيرات التي تشهدها. وهكذا، في أعقاب الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وبعد الشرخ المستمر في التفاقم بين الولايات المتحدة وأوروبا، أصبحت الدول الأوروبية تفكر ببراغماتية بالمستقبل، وذلك بالبحث عن شركاء لتعزيز أمنها القومي، وفي سعيها نحو بناء جيش أوروبي بعد التصدع الحاصل في منظمة شمال الحلف الأطلسي، جراء الاختلافات العميقة الحاصلة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، وقد تستمر مستقبلا مع إدارات مقبلة. وكان موقع «ميتا ديفانس» العسكري الفرنسي قد أورد منذ شهور أن أوروبا تفكر في بناء نظام عسكري يكون رادعا للولايات المتحدة والصين وروسيا. وهكذا، تجد أوروبا في تركيا المخاطب والحليف الأساسي في هذا المسلسل العسكري. وهذا الرهان يعود إلى عاملين رئيسيين، الأول وهو قوة الجيش التركي الذي يعتبر الثاني في الحلف الأطلسي، بعد الولايات المتحدة على مستوى العدد، وأن تركيا هي السد الواقي للحدود الجنوبية لأوروبا. بينما العامل الثاني هو تطور الصناعة العسكرية التركية، التي يمكنها سد الخصاص الحاصل في العتاد الأوروبي الآن ومستقبلا. لقد تقدمت الصناعة العسكرية التركية بشكل مدهش خلال العقد الأخير، ومساهمتها في إرساء مفهوم جديد للحرب عن مسافة وكذلك الحرب غير المتكافئة، فهي رائدة في عالم الطائرات المسيرة (الدرون)، وفي المروحيات الجديدة وفي صنع الذخيرة، بما في ذلك القنابل الضخمة، وفاجأت العالم خلال الأسبوع الماضي بصنعها صاروخا فرط صوتي وهو «يلدريم خان» ويعني (سيد البرق)، وهو متعدد المدى وسرعته ما بين 9 إلى 25 ماخ، أي أكثر من 11 ألف كيلومتر في الساعة إلى قرابة 31 ألف كيلومتر في الساعة، وهو بهذا سيكون ثاني أسرع صاروخ فرط صوتي في العالم بعد الروسي «أفنغارد» بسرعة 27 ماخ. وتنضم إلى نادي الدول المصنعة لهذا النوع من الصواريخ وهي روسيا والصين وإيران والولايات المتحدة وربما كوريا الشمالية. وسيكون المنعطف ابتداء من 2029 بدخول الخدمة المقاتلة «كآن» من الجيل الخامس وبعض مميزات الجيل السادس، أي تحكم الربان في مقاتلته وطائرات مسيرة ترافقه.
وعلى الرغم من حاجة أوروبا المتزايدة إلى السلاح والحلفاء، فإن اعتبارات الكبرياء السياسي والصناعي لدى كثير من دولها مثل فرنسا وألمانيا تجعلها تتردد في التوجه نحو الصناعات الدفاعية التركية. غير أن هذا التردد بدأ يتراجع تدريجيا في السنوات الأخيرة، مع تصاعد كفاءة الصناعات العسكرية التركية وارتفاع تنافسيتها، فإيطاليا تدرس إمكانية تزويد حاملة الطائرات كافور بدرونات قتالية تركية من النصف الثالث لبيرقدار، بينما وقّعت إسبانيا صفقة لاقتناء 30 طائرة تدريب من طراز هورجيت، وقد تصبح بكل تأكيد أول دولة أوروبية تقدم على شراء المقاتلة التركية كآن. في المقابل، كانت كل من بولندا وأوكرانيا قد سبقتا إلى اقتناء الدرونات التركية، التي أثبتت فعاليتها في عدة ساحات قتال ومنها الحرب الروسية – الأوكرانية.
وتبقى المفارقة أن الغرب يراهن على تركيا، على الرغم من اختلاف ثقافتها وديانتها، في حين يبقى العالم العربي، خاصة الشرق الأوسط ينظر إلى هذا البلد بنظرة التخوف والتوجس، والأدهى أن بعض الدول العربية ترى في الولايات المتحدة وإسرائيل الحليفين الرئيسيين، وها هي ترى كيف يتسبب هذا التحالف في زيادة الخطر عليها بعد شنهما الحرب ضد إيران، لأن الكيان وواشنطن لهما أجندة لا تعترف نهائيا بمصالح الآخرين ساعة الحقيقة. عمليا ومنطقيا، كان الأجدى بالدول العربية خاصة في الشرق الأوسط، الانخراط في حوار عميق مع تركيا في المجال العسكري على مستويين، الأول وهو تعزيز الثقة المتبادلة وتجاوز مخلفات الماضي على أرضية أجندة واضحة تقود نحو تعاون دفاعي بحكم قوة جيشها وعدده الكبير، وبالتالي فهي قادرة على توفير جزء من الحماية إبان الأزمات لآخرين. وتبنت بعض الدول هذه السياسة مثل قطر، وبقيت أخرى مترددة مثل السعودية، في حين طبقت أخرى مثل الإمارات العربية سياسة مغايرة بالاقتراب من إسرائيل ومحاولة تقزيم الحضور التركي. بينما المستوى الثاني هو ضرورة الاستثمار في المشاريع العسكرية التركية، خاصة المقاتلة «كآن».
في هذا الصدد، لا يمكن فهم كيف أن دولا عربية تعقد صفقات عسكرية باهظة الثمن مع الغرب لا تنفعها كثيرا في الحروب، ولا تستثمر كثيرا في المشاريع العسكرية لدول إسلامية مثل تركيا وباكستان.
وتتبنى أوروبا البراغماتية وتتخلى تدريجيا عن كبريائها، وأصبحت تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكا عسكريا رئيسيا في مشروع بناء قوة أوروبية أكثر استقلالا عن واشنطن، وقادرة على مواجهة الصين وروسيا. فمن باب الأولوية التاريخية تفكير العالم العربي في توسيع وتطوير تعاونه مع أنقرة، خاصة في ظل وجود اتفاقيات ثنائية وروابط تاريخية وجغرافية وثقافية تسهّل هذا التقارب. فتركيا لا تقدم فقط صناعة عسكرية متطورة وبتكلفة أقل نسبيا، بل تعرض أيضا نماذج شراكة تقوم على نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، وهو ما تحتاجه دول المنطقة للخروج من منطق التبعية العسكرية للخارج. وما ينطبق على تركيا ينطبق كذلك على التعاون مع باكستان.

نيسان ـ نشر في 2026-05-12 الساعة 12:08


رأي: حسين مجدوبي

الكلمات الأكثر بحثاً