اتصل بنا
 

العفاريت

نيسان ـ نشر في 2026-05-14 الساعة 12:36

نيسان ـ في كل عصر، تظهر “عفاريته” الخاصة.
قديمةً كانت تسكن الكهوف والحكايات الشعبية، تُخيف الأطفال وتُفسِّر ما لا نفهمه من ظواهر الطبيعة. واليوم، لم تعد العفاريت تختبئ تحت الأسرّة أو خلف الأبواب القديمة، بل أصبحت تسكن الخوارزميات، وتظهر في الشاشات، وتتسلل إلى اللغة، وتعيش معنا داخل الآلات التي صنعناها بأيدينا.
الغريب أن التكنولوجيا، كلما ازدادت ذكاءً، ازدادت غرابة.
مؤخرًا، لاحظ باحثون في OpenAI أن نماذج الذكاء الاصطناعي بدأت تُكثر من استخدام استعارات “العفاريت” و”الغيلان” و”المخلوقات الغريبة” في ردودها، حتى بدا الأمر وكأن الآلة تُطوّر خيالًا خاصًا بها. لم يكن ذلك خطأً برمجيًا مباشرًا، بل نتيجة تراكمات صغيرة في التدريب، ومكافآت خفية شجعت هذا الأسلوب دون قصد. شيئًا فشيئًا، انتشرت “العفاريت” داخل اللغة الرقمية، حتى اضطر الباحثون للبحث عن أصل الحكاية نفسها.
لكن القصة، في جوهرها، ليست عن “عفريت” لغوي داخل نموذج ذكاء اصطناعي.
القصة عن الإنسان.
عنّا نحن.
عن الطريقة التي تنتقل بها الأفكار الصغيرة، ثم تكبر دون أن ننتبه. عن الكلمات التي نقولها مازحين ثم تتحول إلى ثقافة. عن السلوكيات التي نكافئها بصمت حتى تصبح جزءًا من النظام.
العفاريت لا تظهر فجأة… بل نُربّيها.
في المؤسسات، هناك "عفاريت بيروقراطية" صغيرة تبدأ بإجراء “مؤقت”، ثم تتحول إلى جدار دائم. وفي الإعلام، هناك عفاريت التكرار، حين تصبح "الوجوه" ذاتها مثل ..... والخطابات ذاتها جزءًا من المشهد حتى نظن أن لا أحد غيرهم موجود. وفي العلاقات، هناك عفاريت الأنا، التي تُعيد كتابة ذاكرتنا، وتُجمّل أخطاءنا، وتُقنعنا دائمًا أننا الضحية أو الأذكى أو الأصدق.
حتى داخل التكنولوجيا نفسها، ليست المشكلة في الآلة فقط، بل في القيم التي نُدخلها إليها. فالذكاء الاصطناعي لا يخترع انحيازاته من فراغ، بل يتعلمها منا، من بياناتنا، ومن لغتنا، ومن مزاجنا الجمعي. لذلك، حين تظهر “العفاريت” داخل النموذج، فهي ليست كائنات رقمية بقدر ما هي انعكاس خفي للبشر الذين درّبوه.
وهنا تكمن الفكرة الأخطر:
ليست المشكلة فيما نصنعه… بل فيما نزرعه داخله دون أن نشعر.
العالم اليوم مليء بعفاريت حديثة:
عفريت الضجيج الذي يجعلنا نخلط بين الشهرة والقيمة.
وعفريت السرعة الذي يدفعنا لاتخاذ القرارات قبل التفكير.
وعفريت المقارنة الذي يجعل الإنسان يشعر بالنقص حتى وهو ناجح.
وعفريت الخوارزمية الذي يعرف ماذا نحب، وماذا نخاف، وماذا قد نشتري… أكثر مما يعرفه بعض المقرّبين منا.
ومع ذلك، ليست كل العفاريت شريرة.
بعضها مجرد إشارات صغيرة تخبرنا أن شيئًا ما يحتاج إلى مراجعة. أحيانًا تكون “العفاريت” مجرد أعراض لنظام فقد توازنه. فالذكاء الاصطناعي الذي يكرر استعارات غريبة، أو المؤسسة التي تعيد الأخطاء نفسها، أو الإنسان الذي يعيش داخل دوامة المقارنات… كلها رسائل تقول لنا إن هناك خللًا عميقًا في طريقة التفكير، لا في النتيجة فقط.
لهذا، لا يكفي أن نحذف “العفريت” من الشاشة، بل علينا أن نسأل:
من أين جاء أصلًا؟
في النهاية، أخطر العفاريت ليست تلك التي نراها…
بل تلك التي تعيش داخل "العادات، والأنظمة، والأفكار"، حتى تصبح “طبيعية” لدرجة أننا لا نعود نلاحظها.
وحين يصل الإنسان إلى مرحلة لا يرى فيها عفاريته الخاصة…
يبدأ بالخوف من عفاريت الآخرين فقط.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

نيسان ـ نشر في 2026-05-14 الساعة 12:36


رأي: د. صالح سليم الحموري

الكلمات الأكثر بحثاً