هل بدأت نهاية الهيمنة الأمريكية فعلا؟
لطفي العبيدي
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-05-15 الساعة 12:32
نيسان ـ في السياسة الدولية، لا تُقاس الهزائم دائما بعدد القتلى أو حجم الدمار، بل باللحظة التي يكتشف فيها العالم أن القوة الأعظم لم تعد قادرة على فرض إرادتها، كما في السابق. هذا بالضبط ما جعل المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران تتجاوز حدود نزاع إقليمي عابر. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن قصف أكثر، أو من دمّر منشآت أكثر، بل بما كشفته الحرب نفسها عن طبيعة النظام الدولي الذي يتشكّل أمام أعيننا.
لأوّل مرة منذ عقود، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمتلك تفوّقا عسكريّا هائلا، دون قدرة حقيقية على تحويله إلى نصر سياسي حاسم. وهنا تبدأ المشكلة. فالهيمنة الأمريكية لم تقم يوما على القوة العسكرية وحدها، بل على فكرة أعمق، وهي أنّ واشنطن قادرة دائما على فرض النهاية التي تريدها في أي صراع كبير. قد تتعثر، قد تخسر معارك، قد تنسحب من حروب طويلة، لكن النظام العالمي كان يقوم على افتراض ثابت: في النهاية، تبقى الولايات المتحدة القوة القادرة على إعادة ضبط التوازنات.
لكن ما حدث في الخليج كشف شيئا مختلفا تماما، فبعد أسابيع طويلة من القصف المكثف، والاغتيالات، وتدمير جزء مهم من البنية العسكرية الإيرانية، لم يتحقق الهدف السياسي المركزي: لا سقط النظام الإيراني، ولا قُدّمت تنازلات حقيقية، ولا استعادت واشنطن القدرة الكاملة على فرض قواعد اللعبة في المنطقة. وهنا تظهر المفارقة الأخطر في هذه الحرب، وتتمثل في أنّ التفوق العسكري الأمريكي كان واضحا، لكن العجز الاستراتيجي كان أوضح. فالولايات المتحدة تستطيع تدمير أهداف، لكنها لم تعد قادرة دائما على إنتاج نظام سياسي جديد بعد التدمير. وهذه ليست مشكلة تكتيكية، بل أزمة في طبيعة القوة الأمريكية نفسها.
القرن الحادي والعشرون لا تحسمه الجيوش وحدها، بل القدرة على تعطيل خصم أقوى، ورفع تكلفة هيمنته، ودفعه إلى التراجع، من دون تحقيق أهدافه السياسية
لقد اعتادت واشنطن، منذ نهاية الحرب الباردة، إدارة العالم بمنطق الردع المطلق. القوة البحرية تؤمّن التجارة العالمية، والتفوق العسكري يمنع الخصوم من تحدّي النظام الدولي، والدول الحليفة تتحرّك تحت المظلة الأمريكية، باعتبارها الضامن النهائي للاستقرار. لكن الخليج كشف حدود هذا النموذج. فإيران، رغم الفارق الهائل في موازين القوة، نجحت في فرض معادلة مختلفة: ليس مطلوبا هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، بل يكفي جعل تكلفة الانتصار الأمريكي أعلى من قدرة واشنطن على تحمّلها سياسيا واقتصاديا. وهذا ما يمنح مضيق هرمز أهميته الاستثنائية. المشكلة ليست فقط في إمكانية إغلاق المضيق، بل في قدرة إيران على تحويله إلى ورقة ضغط دائمة على الاقتصاد العالمي، فالعالم الحديث لا يعيش فقط على الجيوش، بل على تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد واستقرار الأسواق، وأي اضطراب طويل في هذه الشبكة لا يهدّد الشرق الأوسط وحده، بل يهدد بنية الاقتصاد العالمي بأكملها. هنا تحديدا يظهر التحوّل التاريخي. في السابق، كانت السيطرة الأمريكية على البحار تعني أنّ واشنطن تمتلك الكلمة الأخيرة في حماية التجارة العالمية. أما اليوم، فإنّ مجرد قدرة قوة إقليمية مثل إيران على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تكشف أنّ النظام القديم لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها، ولهذا لم يكن تراجع إدارة الرئيس دونالد ترامب مجرد قرار عسكري، بل اعترافا ضمنيا بحدود القوة الأمريكية. فالخيار لم يعد بين النصر والهزيمة، بل بين هزيمة يمكن احتواؤها، وحرب أكبر قد تتحوّل إلى كارثة اقتصادية عالمية.
المعضلة أنّ هذا الإدراك لا يبقى داخل واشنطن وحدها، فالقوى الكبرى تراقب أيضا. في الصين التي سيزورها ترامب قريبا، يُقرأ المشهد باعتباره مؤشرا على تراجع القدرة الأمريكية على خوض صراعات طويلة ومكلفة. وفي روسيا، يُنظر إليه كدليل إضافي على أن النظام الدولي يدخل مرحلة إنهاك تدريجي للهيمنة الغربية. أمّا حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا، فقد بدأوا يطرحون السؤال الأخطر بالتوازي مع تهديد ترامب بسحب القوات الأمريكية من حلف الناتو: ماذا لو لم تعد الولايات المتحدة قادرة فعلا على حماية النظام الذي بنته بنفسها؟ هذا السؤال وحده كفيل بتغيير العالم، لأن الهيمنة لا تسقط فقط عندما تُهزم القوة العظمى عسكريا، بل عندما تبدأ الدول الأخرى بالشك في قدرتها على الاستمرار كضامن نهائي للاستقرار.
وهنا تظهر إيران بصورة مختلفة تماما عن الصورة التقليدية التي حاول الغرب ترسيخها لسنوات. فطهران لا تبدو اليوم كقوة قادرة على الانتصار العسكري المباشر على أمريكا، بل كدولة نجحت في تطوير استراتيجية تقوم على استنزاف التفوق الأمريكي، بدل مواجهته بشكل كلاسيكي.. وهذا فارق جوهري. فالقرن الحادي والعشرون لا تحسمه الجيوش وحدها، بل القدرة على تعطيل خصم أقوى، ورفع تكلفة هيمنته، ودفعه إلى التراجع، دون تحقيق أهدافه السياسية. ومن هذه الزاوية، تبدو المواجهة الأخيرة أكثر من مجرد أزمة شرق أوسطية، إنها اختبار لنموذج القوة الأمريكية نفسه. فواشنطن التي أسقطت أنظمة خلال أسابيع في العقود الماضية، تبدو اليوم أقل قدرة على تحمّل نتائج إسقاط أي نظام كبير، لأن العالم تغيّر، وأسواق الطاقة تغيّرت، والاقتصاد العالمي أصبح أكثر هشاشة وترابطا، فيما أصبحت الحروب نفسها أكثر تعقيدا وأقل قابلية للحسم السريع.
لكن ربما تكون النتيجة الأخطر للحرب هي تلك التي لا تظهر في البيانات العسكرية. ما يتغيّر الآن ليس فقط ميزان القوى في الخليج، بل صورة الولايات المتحدة في الوعي العالمي. الدول التي كانت ترى في واشنطن قوة لا تُردع، بدأت ترى قوة متردّدة، متعبة، تحسب كلفة المواجهة قبل خوضها، وتبحث عن مخرج سياسي حتى بعد استخدام أقصى درجات التفوق العسكري، وهذا التحوّل النفسي في السياسة الدولية أخطر أحيانا من الخسائر الميدانية نفسها، لأن النظام العالمي لا يقوم فقط على حاملات الطائرات، بل على الإيمان بقدرة القوة العظمى على استخدام هذه الحاملات حتى النهاية إذا لزم الأمر.
السؤال الآن ليس ما إذا كانت أمريكا قد خسرت الحرب مع إيران بشكل كامل، بل ما إذا كان العالم قد بدأ يتصرف فعلا على أساس أنّ مرحلة الهيمنة الأمريكية المطلقة تقترب من نهايتها. إذا كان ذلك صحيحا، فإنّ ما جرى في الخليج في تقديري لن يكون مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية تشبه اللحظات التي يكتشف فيها العالم أنّ ميزان القوة القديم لم يعد قادرا على تفسير الواقع الجديد. وعندها، لن تكون المشكلة في صعود إيران وحدها، بل في عالم كامل يدخل مرحلة إعادة توزيع القوة والنفوذ، من دون قواعد واضحة، ومن دون ضامن نهائي للاستقرار.
لأوّل مرة منذ عقود، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمتلك تفوّقا عسكريّا هائلا، دون قدرة حقيقية على تحويله إلى نصر سياسي حاسم. وهنا تبدأ المشكلة. فالهيمنة الأمريكية لم تقم يوما على القوة العسكرية وحدها، بل على فكرة أعمق، وهي أنّ واشنطن قادرة دائما على فرض النهاية التي تريدها في أي صراع كبير. قد تتعثر، قد تخسر معارك، قد تنسحب من حروب طويلة، لكن النظام العالمي كان يقوم على افتراض ثابت: في النهاية، تبقى الولايات المتحدة القوة القادرة على إعادة ضبط التوازنات.
لكن ما حدث في الخليج كشف شيئا مختلفا تماما، فبعد أسابيع طويلة من القصف المكثف، والاغتيالات، وتدمير جزء مهم من البنية العسكرية الإيرانية، لم يتحقق الهدف السياسي المركزي: لا سقط النظام الإيراني، ولا قُدّمت تنازلات حقيقية، ولا استعادت واشنطن القدرة الكاملة على فرض قواعد اللعبة في المنطقة. وهنا تظهر المفارقة الأخطر في هذه الحرب، وتتمثل في أنّ التفوق العسكري الأمريكي كان واضحا، لكن العجز الاستراتيجي كان أوضح. فالولايات المتحدة تستطيع تدمير أهداف، لكنها لم تعد قادرة دائما على إنتاج نظام سياسي جديد بعد التدمير. وهذه ليست مشكلة تكتيكية، بل أزمة في طبيعة القوة الأمريكية نفسها.
القرن الحادي والعشرون لا تحسمه الجيوش وحدها، بل القدرة على تعطيل خصم أقوى، ورفع تكلفة هيمنته، ودفعه إلى التراجع، من دون تحقيق أهدافه السياسية
لقد اعتادت واشنطن، منذ نهاية الحرب الباردة، إدارة العالم بمنطق الردع المطلق. القوة البحرية تؤمّن التجارة العالمية، والتفوق العسكري يمنع الخصوم من تحدّي النظام الدولي، والدول الحليفة تتحرّك تحت المظلة الأمريكية، باعتبارها الضامن النهائي للاستقرار. لكن الخليج كشف حدود هذا النموذج. فإيران، رغم الفارق الهائل في موازين القوة، نجحت في فرض معادلة مختلفة: ليس مطلوبا هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، بل يكفي جعل تكلفة الانتصار الأمريكي أعلى من قدرة واشنطن على تحمّلها سياسيا واقتصاديا. وهذا ما يمنح مضيق هرمز أهميته الاستثنائية. المشكلة ليست فقط في إمكانية إغلاق المضيق، بل في قدرة إيران على تحويله إلى ورقة ضغط دائمة على الاقتصاد العالمي، فالعالم الحديث لا يعيش فقط على الجيوش، بل على تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد واستقرار الأسواق، وأي اضطراب طويل في هذه الشبكة لا يهدّد الشرق الأوسط وحده، بل يهدد بنية الاقتصاد العالمي بأكملها. هنا تحديدا يظهر التحوّل التاريخي. في السابق، كانت السيطرة الأمريكية على البحار تعني أنّ واشنطن تمتلك الكلمة الأخيرة في حماية التجارة العالمية. أما اليوم، فإنّ مجرد قدرة قوة إقليمية مثل إيران على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تكشف أنّ النظام القديم لم يعد يعمل بالكفاءة نفسها، ولهذا لم يكن تراجع إدارة الرئيس دونالد ترامب مجرد قرار عسكري، بل اعترافا ضمنيا بحدود القوة الأمريكية. فالخيار لم يعد بين النصر والهزيمة، بل بين هزيمة يمكن احتواؤها، وحرب أكبر قد تتحوّل إلى كارثة اقتصادية عالمية.
المعضلة أنّ هذا الإدراك لا يبقى داخل واشنطن وحدها، فالقوى الكبرى تراقب أيضا. في الصين التي سيزورها ترامب قريبا، يُقرأ المشهد باعتباره مؤشرا على تراجع القدرة الأمريكية على خوض صراعات طويلة ومكلفة. وفي روسيا، يُنظر إليه كدليل إضافي على أن النظام الدولي يدخل مرحلة إنهاك تدريجي للهيمنة الغربية. أمّا حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا، فقد بدأوا يطرحون السؤال الأخطر بالتوازي مع تهديد ترامب بسحب القوات الأمريكية من حلف الناتو: ماذا لو لم تعد الولايات المتحدة قادرة فعلا على حماية النظام الذي بنته بنفسها؟ هذا السؤال وحده كفيل بتغيير العالم، لأن الهيمنة لا تسقط فقط عندما تُهزم القوة العظمى عسكريا، بل عندما تبدأ الدول الأخرى بالشك في قدرتها على الاستمرار كضامن نهائي للاستقرار.
وهنا تظهر إيران بصورة مختلفة تماما عن الصورة التقليدية التي حاول الغرب ترسيخها لسنوات. فطهران لا تبدو اليوم كقوة قادرة على الانتصار العسكري المباشر على أمريكا، بل كدولة نجحت في تطوير استراتيجية تقوم على استنزاف التفوق الأمريكي، بدل مواجهته بشكل كلاسيكي.. وهذا فارق جوهري. فالقرن الحادي والعشرون لا تحسمه الجيوش وحدها، بل القدرة على تعطيل خصم أقوى، ورفع تكلفة هيمنته، ودفعه إلى التراجع، دون تحقيق أهدافه السياسية. ومن هذه الزاوية، تبدو المواجهة الأخيرة أكثر من مجرد أزمة شرق أوسطية، إنها اختبار لنموذج القوة الأمريكية نفسه. فواشنطن التي أسقطت أنظمة خلال أسابيع في العقود الماضية، تبدو اليوم أقل قدرة على تحمّل نتائج إسقاط أي نظام كبير، لأن العالم تغيّر، وأسواق الطاقة تغيّرت، والاقتصاد العالمي أصبح أكثر هشاشة وترابطا، فيما أصبحت الحروب نفسها أكثر تعقيدا وأقل قابلية للحسم السريع.
لكن ربما تكون النتيجة الأخطر للحرب هي تلك التي لا تظهر في البيانات العسكرية. ما يتغيّر الآن ليس فقط ميزان القوى في الخليج، بل صورة الولايات المتحدة في الوعي العالمي. الدول التي كانت ترى في واشنطن قوة لا تُردع، بدأت ترى قوة متردّدة، متعبة، تحسب كلفة المواجهة قبل خوضها، وتبحث عن مخرج سياسي حتى بعد استخدام أقصى درجات التفوق العسكري، وهذا التحوّل النفسي في السياسة الدولية أخطر أحيانا من الخسائر الميدانية نفسها، لأن النظام العالمي لا يقوم فقط على حاملات الطائرات، بل على الإيمان بقدرة القوة العظمى على استخدام هذه الحاملات حتى النهاية إذا لزم الأمر.
السؤال الآن ليس ما إذا كانت أمريكا قد خسرت الحرب مع إيران بشكل كامل، بل ما إذا كان العالم قد بدأ يتصرف فعلا على أساس أنّ مرحلة الهيمنة الأمريكية المطلقة تقترب من نهايتها. إذا كان ذلك صحيحا، فإنّ ما جرى في الخليج في تقديري لن يكون مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية تشبه اللحظات التي يكتشف فيها العالم أنّ ميزان القوة القديم لم يعد قادرا على تفسير الواقع الجديد. وعندها، لن تكون المشكلة في صعود إيران وحدها، بل في عالم كامل يدخل مرحلة إعادة توزيع القوة والنفوذ، من دون قواعد واضحة، ومن دون ضامن نهائي للاستقرار.
نيسان ـ نشر في 2026-05-15 الساعة 12:32
رأي: لطفي العبيدي كاتب تونسي


