اتصل بنا
 

الحقيقية والمزايدات الإعلامية في قضايا الكهرباء والطاقة

نيسان ـ نشر في 2026-05-15 الساعة 12:36

نيسان ـ في ظل غياب التغطية الإعلامية الكافية لبعض مشاريع الطاقة، وضعف المساءلة القانونية تجاه ما يُنشر من معلومات مضللة، لا يزال البعض يعتقدون أنهم اكتشفوا ما لم يكتشفه أحد من قبلهم، فينشرون الأخبار والتحليلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مقاطع فيديو أو منشورات هدفها الإثارة وجذب الانتباه فقط، مقدمين أنفسهم على أنهم خبراء في واحد من أكثر القطاعات تعقيدًا وحساسية، وهو قطاع الكهرباء والطاقة.
ومع غياب التغطية الإعلامية الكاملة والدقيقة، بات بعض هؤلاء يستغلون حصولهم على معلومة قد تكون غير صحيحة أو غير مكتملة، ليبنوا عليها روايات وقصصًا عن “الفساد”، كما يسمونها، الأمر الذي يؤدي إلى تضليل الرأي العام، وإثارة البلبلة، والتشكيك في المؤسسات الوطنية والهيئات التنظيمية وشركات الكهرباء، مستفيدين من حالة اهتزاز الثقة القائمة بين الحكومة والمواطنين، نتيجة ظروف وتحديات تؤثر على المنطقة عمومًا، وعلى الأردن بشكل خاص.
ولا يزال كثيرون يزايدون تحت عنوان الحرص على المال العام، والتشكيك في كل اتفاقية أو مشروع تعقده الدولة، خصوصًا في قطاع الطاقة، مستندين إلى مناخ عام من عدم الثقة بالإجراءات الحكومية. ورغم أن النقد الموضوعي حق مشروع وضرورة وطنية، فإن تحويله إلى مزايدات شعبوية قائمة على معلومات غير دقيقة يضر بالمصلحة العامة أكثر مما يخدمها.
إن بعض من يظهرون في هذه الفيديوهات يتصرفون وكأنهم اكتشفوا ما غاب عن المتخصصين، وكأنهم سبقوا مراكز الأبحاث وخبراء الطاقة والمهندسين وأساتذة الجامعات والباحثين الذين قاموا بدراسة هذا القطاع وتحليله ومتابعة تفاصيله الدقيقة. ولو كان في تلك الادعاءات جزء من الحقيقة، لكانت هذه الجهات العلمية والفنية أول من يثيرها ويناقشها أمام الرأي العام.
فعلى سبيل المثال، ظهر أحد الأشخاص على إحدى منصات التواصل الاجتماعي في منشور أعقبه بمقطع فيديو تناول فيه عددًا من المشاريع والإجراءات المتعلقة بقطاع الكهرباء، وآخرها الإعلان عن توقيع معالي وزير الطاقة والثروة المعدنية اتفاقية استثمار لإنتاج 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء باستخدام 550 ميغاواط من الطاقة المتجددة.
وقد علّق هذا الشخص على الخبر بطريقة تعكس جهلًا واضحًا بطبيعة المشروع، متسائلًا بسخرية: كيف يتم توقيع اتفاقية لإنتاج الكهرباء بقدرة 550 ميغاواط، في حين أن لدى الأردن قدرة توليد تصل إلى 6500 ميغاواط، بينما لا تتجاوز حاجته 4200 ميغاواط؟
وهنا يظهر الخلط الكامل وعدم الإلمام بالموضوع، وذلك للأسباب التالية:
أولًا:
الاتفاقية التي تم توقيعها ليست لإنتاج الكهرباء بهدف تغذية الشبكة الوطنية، وإنما لإنتاج الأمونيا الخضراء. وهذا المشروع يحتاج إلى إنشاء محطة طاقة متجددة بقدرة 550 ميغاواط لتوفير الكهرباء اللازمة لعملية الإنتاج الصناعي للأمونيا، أي أن الكهرباء هنا وسيلة للإنتاج الصناعي وليست غاية بحد ذاتها.
ثانيًا:
أما الرقم الذي أورده بشأن وجود قدرة توليد تبلغ 6500 ميغاواط، فمن غير المعروف مصدره، وهو رقم غير دقيق. فالقدرة المتاحة في النظام الكهربائي الأردني، وفقًا لما تعلنه الجهات الرسمية، تبلغ حاليًا نحو 4400 ميغاواط فقط، وفي الموجات الحارة صيفا لا يمكن الحصول على اكثر من 4200 ميغا واط ،في حين وصل الحمل الأقصى خلال صيف العام الماضي إلى نحو 4800 ميغاواط، ما يعني وجود عجز تجاوز 500 ميغاواط، جرى تغطيته من خلال استيراد الكهرباء من مصر، ولولا الربط الكهربائي الأردني المصري لحدثت انقطاعات في التيار الكهربائي.
أما الطاقة المتجددة، والتي تبلغ مساهمتها في النظام الكهربائي نحو 1500 ميغاواط، فلا يمكن الاعتماد عليها وحدها لتغطية أحمال الذروة، لأن تلك الأحمال تسجل غالبًا خلال ساعات المساء، حين تغيب الشمس وتضعف الرياح في معظم الأحيان. وهذا يؤكد أن التحدي الحقيقي ليس فائضًا في الإنتاج، بل الحاجة إلى مزيد من مصادر الطاقة الموثوقة.
ثالثًا:
أما فيما يتعلق بالتشكيك في مشروع العطارات للصخر الزيتي، فمن الضروري التأكيد على أن هذا المشروع أصبح جزءًا حيويًا وأساسيًا من منظومة الكهرباء الأردنية، ويمثل تجربة استراتيجية مهمة، لأنه يعتمد على مصدر طاقة محلي، وهي ميزة جوهرية في تعزيز أمن التزود بالطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق العالمية وتقلباتها.
أما ما يُثار حول سعر شراء الكهرباء من المشروع، فهو غالبًا يُطرح بصورة مجتزأة أو غير دقيقة. وقد أثبت المشروع أهميته خلال الحرب الأخيرة، حين انقطع الغاز القادم من البحر المتوسط، وأسهم بشكل واضح في تعزيز أمن التزود بالكهرباء، خاصة في ظروف تعطل أو انقطاع سلاسل توريد الوقود اللازمة لتوليد الطاقة.
إن النقد مطلوب، والمساءلة ضرورة، لكن ما نحتاجه اليوم هو النقد العلمي المسؤول، لا الإثارة الإعلامية الرخيصة. فالكهرباء ليست موضوعًا للشعبوية أو وسيلة لجمع المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي، بل هي قطاع سيادي يرتبط بأمن الدولة واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا، فإن مسؤولية الجميع مواطنين، وإعلاميين، وخبراء أن يتحققوا من المعلومات قبل تداولها، وأن يميزوا بين الرأي المبني على العلم والمعرفة، والرأي المبني على المزايدة والانفعال. لأن تضليل الناس لا يضعف المؤسسات فقط، بل يهدد الثقة الوطنية، ويزرع الشك في كل إنجاز حقيقي تحقق على أرض الواقع.
والله من وراء القصد.

نيسان ـ نشر في 2026-05-15 الساعة 12:36


رأي: المهندس عبدالفتاح الدرادكة

الكلمات الأكثر بحثاً