اتصل بنا
 

النجم الرياضي محركا لسواكن الوعي السياسي!

نيسان ـ نشر في 2026-05-16 الساعة 12:56

نيسان ـ قبل أيام قليلة شاهدت على قناة «ماسبيرو زمان» الغنية بكنوز أرشيف التلفزيون المصري مقاطع من حوار أداره المذيع طارق حبيب عليه رحمة الله.
ولا أدري إن كان الجمهور العربي خارج دار الكنانة لا يزال يتذكر هذا المذيع القدير ذا النبرة الهادئة والأسلوب المحبب. أما أنا فلا أزال أذكر أول مرة شاهدته، حيث كانت التلفزة التونسية تبث أيام صباي وشبابي مختارات من البرامج الثقافية المصرية غالبا، واللبنانية أحيانا. أذكر أني شاهدت طارق حبيب أول مرة، ربما عام 1977 أو 1978، في حوار شيق مع توفيق الحكيم. كان انبهاري مزدوجا. انبهار برؤية توفيق الحكيم وسماع صوته لأول مرة واكتشاف طريقة حديثه العفوية التي تكاملت آنذاك مع ما استقر في ذهني كقارئ عن بساطة أسلوبه الأدبي وغلبة عمق التفكير عنده على جماليات التعبير، مع أنه كان أجدر جيل الكبار بلقب الفنان. فالرأي عندي اليوم، والأمر من الجلاء بحيث لا أظن أن ثمة أدنى مجال للمراء، أن طه حسين هو نموذج الأديب بحُسن بيانه الآسر حتى في كتاباته التاريخية والنقدية، بينما كان أحمد أمين رائد البحث العقلاني الجريء في التاريخ الإسلامي. أما عباس محمود العقاد، فهو مثال المفكر الحر الأصيل. صحيح أن ثلاثتهم، وخصوصا طه حسين والعقاد، ألفوا في مباحث متعددة، حيث لم تكن مسألة التخصص الضيق واردة في ذلك العهد. ولكن الحقيقة الجديرة بالتقرير هي أن العقاد كان في الأساس مفكرا واسع الآفاق عميق الغور وفائق القدرة على جمع شتات مختلف الأفكار في نثر صارم البناء متناسق المقومات. وفضلا عن هذا فقد كان يمتاز ببلاغة أخاذة، بل إنه كان شاعرا مجيدا ومجددا. وأذكر أن حسين أحمد أمين رحمه الله قال لي عن العقاد (فقد كان يعرفه معرفة شخصية بحكم صداقته مع والده أحمد أمين) إنه كان معجبا به شاعرا أولا، ثم مفكرا. بل إن طه حسين نفسه لم يتردد عام 1934، أي بعد عامين من وفاة شوقي، في أن يعقد لواء إمارة الشعر للعقاد!
هذا الشاب المتفوق لاعبا، المستنير المتيقّظ مواطنا هو بحق «سفير فرنسا لدى العالم»!
تضافر الانبهار برؤية توفيق الحكيم مع الانبهار باكتشاف هذا المذيع المثقف الذي يخص كل فرد من جمهور الأمة العربية ببهجة مجالسة صفوة الأدباء والكتاب. وأذكر أن الوالدة حفظها الله حضرت بعضا من هذا الحوار ولفتت نظري، بإعجاب، كيف أن توفيق الحكيم أشاد بطارق حبيب في ختام اللقاء ودوّن له في سجل البرنامج تحية ثناء وتقدير! أما الحوار الذي شاهدتُه قبل أيام فقد أجراه طارق حبيب مع لاعب كرة قدم مصري سابق لا أذكر اسمه. ولكن الذي فهمته أنه صار أثناء السبعينيات من كبار أعضاء الهيئة الإدارية لفريق الأهلي. رجل وقور الطلعة منظم الفكر دقيق العبارة، كل شيء فيه يشي بسجايا الشخصية القيادية، مع حرص على تحصين مجال الشباب والرياضة بقيم الالتزام الوطني. هذا الحوار ذكّرني بأنه «يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر»، وأن بين أهل الرياضة من هم أجدر بالقيادة من كثير من الرؤساء والوزراء ومن مديري كبريات المؤسسات.
كما أن من أهل الرياضة من يتخذ مواقف سياسية شجاعة تحرك السواكن وتنير الرأي العام. مثالان بارزان: الأول هو اللاعب الإنكليزي السابق غاري لينكر الذي تجرأ قبل ثلاثة أعوام على التنديد بإجراءات السلطات البريطانية اللاإنسانية ضد اللاجئين. وبذلك اضطلع النجم الرياضي، كما كتبنا عنه آنذاك، بدور المثقف العضوي الذي يتقاعس عنه معظم المثقفين. أما المثال الأحدث فهو فنان الكرة البارع، قائد المنتخب الفرنسي، كيليان مبابي الذي أعرب قبل أيام عن قلقه من احتمال فوز مرشح اليمين المتطرف جوردان بارديلا بالرئاسة في انتخابات العام المقبل، منذرا من «العواقب التي يمكن أن يجُرّها على بلادي وصول أمثال أولئك القوم إلى الحكم». وطالب مبابي، بصفته مواطنا، بحقه في اتخاذ مواقف علنية من الشأن العام، واعترض على وجهة النظر القائلة بأن «على لاعب كرة القدم أن يكتفي باللعب ويلزم الصمت». وكان قد سبق لمبابي أن نعت فوز مرشحي حزب «التجمع الوطني» العنصري في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية عام 2024 بأنه كارثة، ودعا الناخبين إلى تدارك الأمر في الجولة الثانية بسد الطريق على من يبثون بذور التشرذم والفرقة.
مواقف تقدمية تشهد بحسن عبارة مجلة فانتي فير: هذا الشاب المتفوق لاعبا، المستنير المتيقّظ مواطنا هو بحق «سفير فرنسا لدى العالم»!

نيسان ـ نشر في 2026-05-16 الساعة 12:56


رأي: مالك التريكي

الكلمات الأكثر بحثاً