الكهوف الرقمية
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-05-17 الساعة 09:03
نيسان ـ حين تخيل مارشال ماكلوهان العالم قرية كونية، لم يكن يحلم بتقنية أسرع فحسب، إنما كان يراهن على الإنسان نفسه. كان يظن أن المسافات حين تنهار ستقترب القلوب أيضا، وأن الصورة العابرة للقارات ستجعل البشر أكثر قدرة على فهم أوجاع بعضهم، وأكثر استعدادا للإصغاء إلى الحكاية الأخرى. غير أن العالم الذي بين أيدينا اليوم يبدو كأنه النسخة الساخرة من ذلك الحلم القديم. فالقارات اقتربت فعلا، لكن الأرواح تباعدت على نحو مخيف.
في الظاهر نحن أكثر اتصالا من أي وقت مضى. ملايين البشر يتحدثون في اللحظة ذاتها، يتبادلون الصور والأخبار والانفعالات بسرعة الضوء، غير أن هذا الضجيج الكوني أخفى عزلة هائلة تنمو في الداخل مثل صدع بطيء في جدار بيت قديم. لم تعد هناك ساحة عامة يتقابل عندها المختلفون. صار لكل جماعة كهفها الرقمي، ولكل كهف يقينه الخاص، ومرآته التي لا تعكس سوى وجوه أصحابه.
الخوارزميات التي دخلت حياتنا بصفة الخادم المطيع تحولت بهدوء إلى مهندس خفي للوعي. إنها لا تفرض علينا الأفكار بالقوة، وهذه خطورتها تحديدا. إنها تداعب ميولنا، وتربت على أكتاف قناعاتنا، وتطعمنا كل يوم ما يشبهنا وتؤكد ما نحب تصديقه. ومع الوقت تتشكل حول الإنسان فقاعة ناعمة الجدران، دافئة، مطمئنة، حتى يظن أن العالم كله يفكر بالطريقة ذاتها، ويحزن بالطريقة ذاتها، ويغضب بالطريقة ذاتها أيضا.
الإنسان في جوهره لا يحب القلق المعرفي. يخاف الأسئلة التي تخلخل يقينه، ويميل بفطرته إلى الجماعة التي تمنحه شعورا بالأمان ولو كانت تمشي نحو الوهم. ولهذا ولدت القبائل الرقمية الجديدة. قبائل لا تحمل رايات من قماش، إنما تحمل روايات مغلقة عن العالم، وتعيش داخل حصون من التكرار اليومي، حتى غدت الحقيقة نفسها مادة رخوة قابلة للتشكيل بحسب الرغبة والانحياز والخوف.
وحين تشتعل الحروب اليوم لا تدور المعارك على الأرض وحدها. هناك حرب أخرى أكثر ضراوة تجري داخل الشاشات. كل طرف يصنع قصته الخاصة، ويقصي الرواية الأخرى كأنها لم تكن. الصورة الواحدة تستطيع أن تتحول إلى ألف معنى. والدم ذاته قد يبدو بطولة عند جماعة، وجريمة عند جماعة أخرى. يا له من زمن مرتبك حين تفقد المآسي معناها الإنساني المشترك.
حتى المؤسسات الإعلامية الكبرى التي لعبت يوما دور الساحة الجامعة تآكلت هيبتها وانكمش تأثيرها. اختفى الوسيط الذي كان يمنح الناس مرجعية واحدة ولو كانت ناقصة ومتحيزة أحيانا. والآن يتحدث الجميع دفعة واحدة. ضجيج كثيف يشبه سوقا هائجة في ليلة عاصفة. كل الأصوات مرتفعة، وكل فرد يظن أنه يمتلك الحقيقة كاملة في جيبه.
ربما لم تمت قرية ماكلوهان تماما. ربما تشظت فقط إلى آلاف القرى الصغيرة المتلاصقة. قرى تتجاور دون أن تتحاور، وتتبادل الصراخ دون أن تسمع بعضها. والأسوأ أن الإنسان وسط هذا الزحام الهائل لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يريحه. كأن العالم كله صار غرفة أصداء كبيرة، يسمع فيها كل واحد صوته، ثم يظنه صوت البشرية جمعاء.
في الظاهر نحن أكثر اتصالا من أي وقت مضى. ملايين البشر يتحدثون في اللحظة ذاتها، يتبادلون الصور والأخبار والانفعالات بسرعة الضوء، غير أن هذا الضجيج الكوني أخفى عزلة هائلة تنمو في الداخل مثل صدع بطيء في جدار بيت قديم. لم تعد هناك ساحة عامة يتقابل عندها المختلفون. صار لكل جماعة كهفها الرقمي، ولكل كهف يقينه الخاص، ومرآته التي لا تعكس سوى وجوه أصحابه.
الخوارزميات التي دخلت حياتنا بصفة الخادم المطيع تحولت بهدوء إلى مهندس خفي للوعي. إنها لا تفرض علينا الأفكار بالقوة، وهذه خطورتها تحديدا. إنها تداعب ميولنا، وتربت على أكتاف قناعاتنا، وتطعمنا كل يوم ما يشبهنا وتؤكد ما نحب تصديقه. ومع الوقت تتشكل حول الإنسان فقاعة ناعمة الجدران، دافئة، مطمئنة، حتى يظن أن العالم كله يفكر بالطريقة ذاتها، ويحزن بالطريقة ذاتها، ويغضب بالطريقة ذاتها أيضا.
الإنسان في جوهره لا يحب القلق المعرفي. يخاف الأسئلة التي تخلخل يقينه، ويميل بفطرته إلى الجماعة التي تمنحه شعورا بالأمان ولو كانت تمشي نحو الوهم. ولهذا ولدت القبائل الرقمية الجديدة. قبائل لا تحمل رايات من قماش، إنما تحمل روايات مغلقة عن العالم، وتعيش داخل حصون من التكرار اليومي، حتى غدت الحقيقة نفسها مادة رخوة قابلة للتشكيل بحسب الرغبة والانحياز والخوف.
وحين تشتعل الحروب اليوم لا تدور المعارك على الأرض وحدها. هناك حرب أخرى أكثر ضراوة تجري داخل الشاشات. كل طرف يصنع قصته الخاصة، ويقصي الرواية الأخرى كأنها لم تكن. الصورة الواحدة تستطيع أن تتحول إلى ألف معنى. والدم ذاته قد يبدو بطولة عند جماعة، وجريمة عند جماعة أخرى. يا له من زمن مرتبك حين تفقد المآسي معناها الإنساني المشترك.
حتى المؤسسات الإعلامية الكبرى التي لعبت يوما دور الساحة الجامعة تآكلت هيبتها وانكمش تأثيرها. اختفى الوسيط الذي كان يمنح الناس مرجعية واحدة ولو كانت ناقصة ومتحيزة أحيانا. والآن يتحدث الجميع دفعة واحدة. ضجيج كثيف يشبه سوقا هائجة في ليلة عاصفة. كل الأصوات مرتفعة، وكل فرد يظن أنه يمتلك الحقيقة كاملة في جيبه.
ربما لم تمت قرية ماكلوهان تماما. ربما تشظت فقط إلى آلاف القرى الصغيرة المتلاصقة. قرى تتجاور دون أن تتحاور، وتتبادل الصراخ دون أن تسمع بعضها. والأسوأ أن الإنسان وسط هذا الزحام الهائل لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يريحه. كأن العالم كله صار غرفة أصداء كبيرة، يسمع فيها كل واحد صوته، ثم يظنه صوت البشرية جمعاء.
نيسان ـ نشر في 2026-05-17 الساعة 09:03
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


