اتصل بنا
 

البلديات متعددة الرؤوس.. مشروع قانون الإدارة المحلية وازدواجية القرار

نيسان ـ نشر في 2026-05-17 الساعة 13:29

نيسان ـ نشر ديوان الرأي والتشريع على صفحته الإلكترونية مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، الذي يعتبر من التشريعات الطامحة لإعادة هيكلة الإدارة المحلية في الأردن، لما يحمله من توجهات نحو الحوكمة والتخطيط والتنمية والاستثمار، غير أن هذا الطموح التشريعي يخفي في داخله بعض الإشكاليات التي قد تتحول إلى معوقات في التطبيق العملي للقانون، وتتمثل هذه الإشكالية في وجود احتمالية تضارب الصلاحيات بين أطراف الإدارة المحلية المختلفة، وعلى رأسها: الرئيس المنتخب، والمدير التنفيذي، والمجلس البلدي، والوزارة، والحاكم الإداري.
وفي الوقت الذي يبدو فيه النص القانوني حريصاً على توزيع الأدوار، فإنَّ القراءة المتعمقة تكشف عن مناطق رمادية واسعة قد تنتج عنها نزاعات إدارية متكررة، وتفتح الباب أمام ازدواجية القرار، وتداخل المرجعيات، وإرباك الأداء البلدي والتنفيذي.
إدارة محلية أم تعدد مراكز قرار؟
يمنح مشروع القانون المجلس البلدي صلاحيات واسعة في الإقرار والتخطيط والموازنات والاستثمار، بينما يمنح الرئيس المنتخب سلطة التمثيل والإشراف والمتابعة، ويُنشئ في الوقت ذاته منصب «المدير التنفيذي» بوصفه رئيس الجهاز الإداري والتنفيذي، وآمر الصرف، والمسؤول المباشر عن حسن سير العمل.
ظاهرياً، يبدو هذا التقسيم قريباً من النماذج الحديثة في الإدارة المحلية، التي تفصل بين «القرار السياسي» و«الإدارة التنفيذية». لكن الإشكالية تبدأ حين تتداخل حدود التنفيذ، والإشراف، والرقابة، والتوقيع.
وهنا، ينشأ لدينا وضع شائك؛ فالرئيس المنتخب يمتلك شرعية شعبية مباشرة، ويرى نفسه المسؤول الأول أمام المواطنين عن مستوى الخدمات والإنجازات، بينما يمتلك المدير التنفيذي أدوات الإدارة اليومية والسلطة الإدارية والمالية الفعلية. أما المجلس البلدي، فيعتبر نفسه صاحب القرار الأعلى باعتباره الجهة المنتخبة المخولة بإقرار الخطط والموازنات والمشاريع.
هنا ننتظر جواباً لسؤالٍ جوهري: من يحكم البلدية فعلياً؟
المدير التنفيذي… موظف إداري أم مركز قوة جديد؟
استحداث منصب المدير التنفيذي يعد من أبرز التحولات في مشروع القانون؛ فالقانون يمنحه موقعاً متقدماً كرئيس للجهاز الإداري والتنفيذي، وآمر للصرف، مع صلاحيات واسعة في إدارة العمل اليومي، وإعداد الخطط، ورفع التقارير، والإشراف على التنفيذ.
لكن هذا التحول قد يُنتج ازدواجية في القيادة داخل البلدية.
هنا لا بد من الانتباه إلى أن الرئيس المنتخب، بحكم موقعه السياسي والشعبي، قد يعتبر نفسه المرجعية العليا للإدارة والتنفيذ، في حين قد يتمسك المدير التنفيذي بالنصوص القانونية التي تمنحه سلطات تشغيلية وإدارية واسعة.
ومع غياب حدود فاصلة ودقيقة بين «الإشراف السياسي» و«الإدارة التنفيذية»، قد تتحول العلاقة بين الطرفين إلى ساحة صراع خفي أو معلن، خاصة في مجالات: توقيع العقود، إدارة المشاريع، متابعة العطاءات، التعيينات والنقل الإداري، ترتيب الأولويات التنموية، التعامل مع الشكاوى والرقابة.
وفي التجارب الإدارية المقارنة، فإنَّ أي غموض في توزيع الصلاحيات بين القيادة المنتخبة والإدارة التنفيذية غالباً ما يؤدي إلى شلل إداري، أو ازدواجية قرار، أو صراعات نفوذ داخل المؤسسة. ومثال ذلك، بلدية بيروت بعد أزمة انفجار المرفأ؛ فبعد انفجار مرفأ بيروت، ظهرت بشكل حاد أزمة تضارب الصلاحيات داخل الإدارة البلدية.
المجلس البلدي بين الرقابة والإدارة
القانون يمنح المجلس البلدي دوراً رقابياً وتخطيطياً وإقرارياً واسعاً، لكنه في الوقت ذاته يُدخله في تفاصيل تنفيذية عبر اللجان والقرارات والمتابعة.
وهنا تظهر معضلة أخرى: هل المجلس البلدي جهة تشريعية رقابية محلية؟ أم جهة تنفيذية تدير العمل اليومي؟
هنا، يقول الواقع أنه كلما توسع المجلس البلدي في التدخل بالتفاصيل التنفيذية، تقلصت قدرة الإدارة المهنية على العمل بكفاءة، وازدادت احتمالات: تعطيل المشاريع، وتسيس القرارات الفنية، بالإضافة إلى تضارب التعليمات، وتضخم البيروقراطية.
ومن جانب آخر، قد يخلق تعدد اللجان المنبثقة عن المجلس تضارباً في المرجعيات داخل البلدية نفسها، خصوصاً إذا دخلت هذه اللجان في تفاصيل تشغيلية يفترض أن تكون من اختصاص الإدارة التنفيذية.
الوزارة… وصاية تنظيمية أم مركزية مقنعة؟
رغم أن مشروع القانون يتحدث عن استقلال مالي وإداري للبلديات، إلا أن الوزارة ما تزال تحتفظ بصلاحيات مؤثرة مثل: الرقابة والتفتيش، إصدار التعليمات، الموافقات، المتابعة، تشكيل لجان التفتيش، الإشراف على الأنظمة الإلكترونية، التأثير في بعض القرارات الجوهرية.
وهذا يطرح تساؤلاً حساساً:
هل نحن أمام إدارة محلية مستقلة فعلاً، أم أمام لامركزية إدارية تحت سقف مركزية قوية؟
في مثل هذا الوضع، قد تجد البلديات نفسها مضطرة للعودة المستمرة إلى الوزارة في قضايا متعددة، ما قد يبطئ القرار المحلي ويخلق تضارباً بين الأولويات المحلية والتوجهات المركزية.
الحاكم الإداري… اللاعب الصامت في المعادلة
رغم إنَّ مشروع القانون يسعى لإبراز الطابع المدني التنموي للإدارة المحلية، إلا أنَّ الحاكم الإداري ما يزال حاضراً في ملفات عديدة، مثل: الإغلاقات، المخالفات، إزالة التعديات، الرقابة، الأمن المجتمعي، بعض الإجراءات التنفيذية.
وهذا الحضور قد يكون ضرورياً من زاوية حفظ النظام العام، لكنه قد يتحول في بعض الحالات إلى مصدر ازدواجية في القرار، خصوصاً عندما تتقاطع صلاحيات البلدية مع صلاحيات الإدارة المحلية التقليدية التابعة لوزارة الداخلية.
وفي بعض الحالات، قد تجد البلدية نفسها أمام قرارين مختلفين: قرار بلدي تنموي،وقرار إداري أمني أو تنظيمي.
الخطر الأكبر: نزاعات استنزاف داخلي
المشكلة الحقيقية في تضارب الصلاحيات لا تكمن فقط في النصوص، بل في أثرها العملي على الأداء العام؛ فعندما تتعدد مراكز القرار داخل المؤسسة الواحدة، تتحول الطاقة الإدارية من خدمة المواطنين إلى: صراع صلاحيات، وتبرير إجراءات، تبادل مسؤوليات، تعطيل قرارات، إدارة أزمات داخلية.
وفي النهاية، يصبح المواطن هو الخاسر الأكبر؛ فالبلدية التي يفترض أن تكون محركاً للتنمية المحلية قد تتحول إلى ساحة تنازع إداري بين:الشرعية الانتخابية والسلطة التنفيذية، والرقابة المركزية، والمرجعيات الإدارية.
ما الحل؟
نجاح مشروع القانون لن يعتمد على النصوص وحدها، بل على قدرة المشرّع على:
• وضع حدود دقيقة للصلاحيات.
• الفصل الواضح بين الرقابة والتنفيذ.
• حماية الإدارة المهنية دون إضعاف القيادة المنتخبة.
• تقليص التداخل بين الوزارة والبلديات.
• بناء آليات حسم قانونية سريعة للنزاعات الإدارية.
• تطوير أنظمة مساءلة شفافة تمنع تضارب النفوذ.
وقبل كل شيء علينا أن تذكر أن الإدارة المحلية الحديثة لا تقوم على تعدد السلطات داخل المؤسسة الواحدة، بل على وضوح الأدوار، وتكامل الوظائف، وسرعة القرار، والمساءلة الواضحة.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، فإن أي غموض في البنية الإدارية المحلية قد يتحول من مجرد إشكال قانوني إلى عائق مباشر أمام التنمية والاستثمار وجودة الخدمات.
ولهذا، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام مشروع القانون ليس فقط في إقراره… بل في ضمان ألا تتحول البلديات إلى مؤسسات متعددة الرؤوس، متنازعة الصلاحيات، بطيئة القرار، ومستهلكة في صراعاتها الداخلية بدل أن تكون منصات فعالة للتنمية المحلية الحديثة.

نيسان ـ نشر في 2026-05-17 الساعة 13:29


رأي: المحامي ثائر مصبح القبيلات

الكلمات الأكثر بحثاً