الجزائر: كبش الدولة الريعية الذي يباع عبر المنصات الإلكترونية
ناصر جابي
كاتب جزائري
نيسان ـ نشر في 2026-05-18 الساعة 12:52
نيسان ـ المقصود بالكباش هنا هي أضاحي العيد، التي جرت العادة في الجزائر أن تكون أغناما وليس ماعزا أو بقرا، أو حتى جمالا، رغم توفرها بأعداد معقولة في مختلف مناطق البلاد. كباش قررت الدولة هذه السنة استيرادها لصالح المواطنين بأسعار مدروسة، من أكثر من بلد أوروبي، نظرا للأسعار المرتفعة للغنم المحلي الذي يبقى الطلب عليه أكبر، نتيجة ذوقه الأطيب تعود عليه المواطن.
أغنام تباع عبر منصة رقمية يطلب من المواطن التسجيل فيها للحصول على كبش العيد، خوفا من المضاربة التي هدد رئيس الجمهورية شخصيا الأطراف التي يمكن أن تلجأ لها بالويل والثبور وعظائم الأمور.
يعيش المواطن الجزائري في أجواء انتظار كبش العيد أياما قبل العيد، وعينه على العجلتين المطاطيتين التي يحق له شراءها لسيارته كل سته أشهر، حسبما تم الترويج له إعلاميا. عبر منصة رقمية أصبح اللجوء لها نوعا من الحتمية تجنبا للمضاربة، التي تكثر في هذا الاقتصاد الريعي الذي ما زالت تسيطر عليه بيروقراطية الدولة، بعد عقود من الإعلان الرسمي عن دخول اقتصاد السوق رسميا في الجزائر، في وقت تعرف فيه سوق العجلات المطاطية ندرة مزمنة دامت لسنوات، أدت إلى تفشي ظاهرة حوادث الطرق، التي أصبحت الجزائر تصدرها إلى جيرانها كما حصل في المدة الأخيرة في المنطقة الحدودية مع تونس. بعد انقلاب حافلة جزائرية سجلت 50 جريحا وقتيلا واحدا.
أغنام تباع عبر منصة رقمية يطلب من المواطن التسجيل فيها للحصول على كبش العيد، خوفا من المضاربة التي هدد رئيس الجمهورية الأطراف التي يمكن أن تلجأ لها بالويل والثبور
ضحايا هذا الحادث الذين يُرجح أن يكونوا من المواطنين الجزائريين المتوجهين إلى تونس برا للاستفادة من منحة السفر التي أقرتها الدولة لصالح المواطنين بالعملة الصعبة كل سنة (750 أورو للبالغين و350 للقصر كل سنة). أصبحت العادة أن يتوجه المواطن الجزائري مع افراد عائلته إلى تونس برا لتبرير الحصول عليها بشكل قانوني والعودة بسرعة إلى البلد، من دون صرفها في تونس بالطبع. عملية تحولت إلى وجع رأس كبير للسلطات العمومية التي أقرت هذا القانون صعب التطبيق على أرض الواقع، الذي لم يفرق فيه صاحب القرار بين الدولة الاجتماعية والدولة الريعية. قرار لا يساعد بالطبع على طرح السؤال الاقتصادي العقلاني البعيد عن المنطق الشعبوي السائد لدى حكامنا في الجزائر. الذي عادة ما يعود بقوة إلى السطح، كلما تحسنت الوضعية المالية للدولة. كما حصل في فترة حكم الرئيس الشاذلي، الذي أشبع لفترة الجزائريين من فاكهة الكيوي والموز. منطق ريعي يفضل ألا يخوض في الأسئلة المعقدة، الحاضرة في عمق هذه الأزمات التي يسارع صاحب القرار لمنحها بعدا اقتصاديا وماليا طاغيا، على حساب الأبعاد الأخرى الحاضرة الأكثر تنوعا، بسبب قدرته على التعامل مع العوامل الاقتصادية التي يستطيع التحكم فيها عبر الريع المالي. عكس المتغيرات الثقافية والدينية الأخرى، التي يتخوف من طرحها لما قد تثيره من حساسية لدى المواطن. ننطلق في طرحها من منطقة الهضاب العليا في الجزائر، التي تخصصت في الرعي كنشاط اقتصادي رئيسي. في وقت لم تعد قادرة على تلبية حاجيات الجزائريين من اللحوم الحمراء بأسعار معقولة، من قبل موال، يشير الكثير من المؤشرات، إلى أنه بقي بعيدا عن شروط الإنتاج العصري. ليس فقط كآليات وأسلوب إنتاج، بل حالة ثقافية كذلك. مقارنة مع فلاح الشمال والجنوب (بسكرة وواد سوف)، الذي اتجه نحو عصرنة بدأت نتائجها الإيجابية في الظهور على مستوى نوعية الإنتاج وكميته، ساعدت على انخفاض الأسعار.
لتبقى إنتاجية هذه المناطق من الهضاب العليا غير قادرة على التنافس مع الأسواق الدولية، التي تعيش حالة عصرنة متطورة، كما تبينه الأسعار المقترحة للمستهلك الجزائري في مجال اللحوم الحمراء، التي يكثر الطلب عليها كثقافة غذائية تاريخية لدى الجزائريين. فمنطقة الهضاب العليا بما تمثله من ولايات سهوبية واسعة ما زالت من أفقر المناطق على المستوى الوطني في انتشار التعليم بين سكانها، ينعكس بالضرورة على النشاط الاقتصادي الرئيسي لهذه الولايات، المتمثل في الرعي. كما يمثله الموال كفاعل اقتصادي رئيسي. لم يعرف كيف يدخل آليات التسيير العصري على هذه المهنة المتوارثة عن الأجداد منذ عصور قديمة. في وقت عرفت فيه الطبيعة تقلصا واضحا، في ما توفره من إمكانيات علف. لم تعد قادرة على توفيرها.
منطق ريعي مربوط مع نظرة شعبوية طاغية، نجده حاضرا ونحن نشاهد كيف تتعامل مؤسسات الدولة مع الأبعاد الثقافية والدينية الأخرى التي يحيل إلى هذا السلوك الاقتصادي للمواطن. ترفض أن تناقشه بغية تغييره، تحولت بموجبه الأضحية إلى فرض عين لمن استطاع، ولمن هو ليس قادرا، بعيدا عن التعليمات الدينية الواضحة في هذا المجال، بعد تغلب العرف والممارسة الاجتماعية على الأبعاد الدينية الصرفة. المنطق نفسه الذي نجده حاضرا ونحن نتكلم عن العطلة السياحية في الخارج التي لم تتمكن الهياكل الوطنية السياحية من توفيرها للمواطن، الذي زاد طلبه عليها، بأسعار معقولة مقارنة بما هو متوفر عند الجيران، حتى لا نذهب بعيدا في المقارنة. بالطبع الأمر هنا كذلك لا يتعلق بالأبعاد الاقتصادية الفجة المرتبطة بالعرض والطلب في مجال السياحة فقط. الذي تريد ولوجه فئات واسعة من المواطنين، لم تعد مقتصرة على الشرائح العليا من الفئات الوسطى والميسورة. فالجزائري كأي سائح عادي يريد كذلك أن يعيش أياما يتحرر فيها من الضغوط اليومية للحياة.. لا يجدها داخل البلاد بعد توسع الطلب وتنوعه، دون العرض الذي بقي من دون تغيير نوعي جدي. زيادة على إشكال الأسعار المستعصي، الذي يحيل إلى ما يميز الفئات المهنية المسيرة لهذا القطاع، التي ما زالت تسير بمنطق حرفي بسيط خائف لا يملك شروط التوسع والمنافسة الدولية. كان يمكن أن يتغلب من خلالها على صعوبات الأسعار المرتفعة التي تميز الخدمات السياحية في الجزائر.
أمثلة عن قرارات اقتصادية لا تزال الدولة تقحم فيها نفسها، عبر جهازها البيروقراطي المتهم من قبل الكثير من الفاعلين الاقتصاديين بالفساد، وعدم الفعالية بهدف التغلب على الندرة المستشرية داخل هذا الاقتصاد الريعي، الذي لم يفطم من تبعيته للمال العام. لعل وعسى يكون عبر المنصات الإلكترونية التي لجأ لها صاحب القرار، كحل سحري قد تساعد على تحسين أداء النشاط الاقتصادي، حتى إن أدى ذلك إلى القضاء على أسواق المواشي المشهورة، بزحمها الاجتماعي ـ الاقتصادي والثقافي، المرتبط بها قد تفتقدها أجيال صغيرة من الجزائريين.
أغنام تباع عبر منصة رقمية يطلب من المواطن التسجيل فيها للحصول على كبش العيد، خوفا من المضاربة التي هدد رئيس الجمهورية شخصيا الأطراف التي يمكن أن تلجأ لها بالويل والثبور وعظائم الأمور.
يعيش المواطن الجزائري في أجواء انتظار كبش العيد أياما قبل العيد، وعينه على العجلتين المطاطيتين التي يحق له شراءها لسيارته كل سته أشهر، حسبما تم الترويج له إعلاميا. عبر منصة رقمية أصبح اللجوء لها نوعا من الحتمية تجنبا للمضاربة، التي تكثر في هذا الاقتصاد الريعي الذي ما زالت تسيطر عليه بيروقراطية الدولة، بعد عقود من الإعلان الرسمي عن دخول اقتصاد السوق رسميا في الجزائر، في وقت تعرف فيه سوق العجلات المطاطية ندرة مزمنة دامت لسنوات، أدت إلى تفشي ظاهرة حوادث الطرق، التي أصبحت الجزائر تصدرها إلى جيرانها كما حصل في المدة الأخيرة في المنطقة الحدودية مع تونس. بعد انقلاب حافلة جزائرية سجلت 50 جريحا وقتيلا واحدا.
أغنام تباع عبر منصة رقمية يطلب من المواطن التسجيل فيها للحصول على كبش العيد، خوفا من المضاربة التي هدد رئيس الجمهورية الأطراف التي يمكن أن تلجأ لها بالويل والثبور
ضحايا هذا الحادث الذين يُرجح أن يكونوا من المواطنين الجزائريين المتوجهين إلى تونس برا للاستفادة من منحة السفر التي أقرتها الدولة لصالح المواطنين بالعملة الصعبة كل سنة (750 أورو للبالغين و350 للقصر كل سنة). أصبحت العادة أن يتوجه المواطن الجزائري مع افراد عائلته إلى تونس برا لتبرير الحصول عليها بشكل قانوني والعودة بسرعة إلى البلد، من دون صرفها في تونس بالطبع. عملية تحولت إلى وجع رأس كبير للسلطات العمومية التي أقرت هذا القانون صعب التطبيق على أرض الواقع، الذي لم يفرق فيه صاحب القرار بين الدولة الاجتماعية والدولة الريعية. قرار لا يساعد بالطبع على طرح السؤال الاقتصادي العقلاني البعيد عن المنطق الشعبوي السائد لدى حكامنا في الجزائر. الذي عادة ما يعود بقوة إلى السطح، كلما تحسنت الوضعية المالية للدولة. كما حصل في فترة حكم الرئيس الشاذلي، الذي أشبع لفترة الجزائريين من فاكهة الكيوي والموز. منطق ريعي يفضل ألا يخوض في الأسئلة المعقدة، الحاضرة في عمق هذه الأزمات التي يسارع صاحب القرار لمنحها بعدا اقتصاديا وماليا طاغيا، على حساب الأبعاد الأخرى الحاضرة الأكثر تنوعا، بسبب قدرته على التعامل مع العوامل الاقتصادية التي يستطيع التحكم فيها عبر الريع المالي. عكس المتغيرات الثقافية والدينية الأخرى، التي يتخوف من طرحها لما قد تثيره من حساسية لدى المواطن. ننطلق في طرحها من منطقة الهضاب العليا في الجزائر، التي تخصصت في الرعي كنشاط اقتصادي رئيسي. في وقت لم تعد قادرة على تلبية حاجيات الجزائريين من اللحوم الحمراء بأسعار معقولة، من قبل موال، يشير الكثير من المؤشرات، إلى أنه بقي بعيدا عن شروط الإنتاج العصري. ليس فقط كآليات وأسلوب إنتاج، بل حالة ثقافية كذلك. مقارنة مع فلاح الشمال والجنوب (بسكرة وواد سوف)، الذي اتجه نحو عصرنة بدأت نتائجها الإيجابية في الظهور على مستوى نوعية الإنتاج وكميته، ساعدت على انخفاض الأسعار.
لتبقى إنتاجية هذه المناطق من الهضاب العليا غير قادرة على التنافس مع الأسواق الدولية، التي تعيش حالة عصرنة متطورة، كما تبينه الأسعار المقترحة للمستهلك الجزائري في مجال اللحوم الحمراء، التي يكثر الطلب عليها كثقافة غذائية تاريخية لدى الجزائريين. فمنطقة الهضاب العليا بما تمثله من ولايات سهوبية واسعة ما زالت من أفقر المناطق على المستوى الوطني في انتشار التعليم بين سكانها، ينعكس بالضرورة على النشاط الاقتصادي الرئيسي لهذه الولايات، المتمثل في الرعي. كما يمثله الموال كفاعل اقتصادي رئيسي. لم يعرف كيف يدخل آليات التسيير العصري على هذه المهنة المتوارثة عن الأجداد منذ عصور قديمة. في وقت عرفت فيه الطبيعة تقلصا واضحا، في ما توفره من إمكانيات علف. لم تعد قادرة على توفيرها.
منطق ريعي مربوط مع نظرة شعبوية طاغية، نجده حاضرا ونحن نشاهد كيف تتعامل مؤسسات الدولة مع الأبعاد الثقافية والدينية الأخرى التي يحيل إلى هذا السلوك الاقتصادي للمواطن. ترفض أن تناقشه بغية تغييره، تحولت بموجبه الأضحية إلى فرض عين لمن استطاع، ولمن هو ليس قادرا، بعيدا عن التعليمات الدينية الواضحة في هذا المجال، بعد تغلب العرف والممارسة الاجتماعية على الأبعاد الدينية الصرفة. المنطق نفسه الذي نجده حاضرا ونحن نتكلم عن العطلة السياحية في الخارج التي لم تتمكن الهياكل الوطنية السياحية من توفيرها للمواطن، الذي زاد طلبه عليها، بأسعار معقولة مقارنة بما هو متوفر عند الجيران، حتى لا نذهب بعيدا في المقارنة. بالطبع الأمر هنا كذلك لا يتعلق بالأبعاد الاقتصادية الفجة المرتبطة بالعرض والطلب في مجال السياحة فقط. الذي تريد ولوجه فئات واسعة من المواطنين، لم تعد مقتصرة على الشرائح العليا من الفئات الوسطى والميسورة. فالجزائري كأي سائح عادي يريد كذلك أن يعيش أياما يتحرر فيها من الضغوط اليومية للحياة.. لا يجدها داخل البلاد بعد توسع الطلب وتنوعه، دون العرض الذي بقي من دون تغيير نوعي جدي. زيادة على إشكال الأسعار المستعصي، الذي يحيل إلى ما يميز الفئات المهنية المسيرة لهذا القطاع، التي ما زالت تسير بمنطق حرفي بسيط خائف لا يملك شروط التوسع والمنافسة الدولية. كان يمكن أن يتغلب من خلالها على صعوبات الأسعار المرتفعة التي تميز الخدمات السياحية في الجزائر.
أمثلة عن قرارات اقتصادية لا تزال الدولة تقحم فيها نفسها، عبر جهازها البيروقراطي المتهم من قبل الكثير من الفاعلين الاقتصاديين بالفساد، وعدم الفعالية بهدف التغلب على الندرة المستشرية داخل هذا الاقتصاد الريعي، الذي لم يفطم من تبعيته للمال العام. لعل وعسى يكون عبر المنصات الإلكترونية التي لجأ لها صاحب القرار، كحل سحري قد تساعد على تحسين أداء النشاط الاقتصادي، حتى إن أدى ذلك إلى القضاء على أسواق المواشي المشهورة، بزحمها الاجتماعي ـ الاقتصادي والثقافي، المرتبط بها قد تفتقدها أجيال صغيرة من الجزائريين.
نيسان ـ نشر في 2026-05-18 الساعة 12:52
رأي: ناصر جابي كاتب جزائري


